عودة مقالات فلسطينيات متى يزهر «الربيع الفلسطيني» ؟

متى يزهر «الربيع الفلسطيني» ؟

متى يزهر «الربيع الفلسطيني» ؟

عودة المبعوث الأميركي لعملية السلام، ديفيد هيل إلى المنطقة مجدداً بعد غياب عنها إثر فشل مفاوضات عمان الاستكشافية كما يسميها الدكتور صائب عريقات، هذه العودة، لا تنطوي على جديد يمكن أن يؤدي إلى تحول في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية التي تشهد توتراً تسعى الولايات المتحدة، إلى ألا يتطور إلى تصعيد تصعب السيطرة عليه. وفي الحقيقة فإن المبعوثين الأميركيين، المتخصصين وغير المتخصصين في عملية سلام الشرق الأوسط يتبادلون الأدوار مع "الرباعية" الدولية، التي تجتمع من دون هدف بين الحين والآخر، إلاّ من هدف الإيحاء أن العملية مستمرة، وأنها لم تبلغ نهاية الفشل الذي يتحدث عنه الفلسطينيون. في الولايات المتحدة، دخل الحزبان الديمقراطي والجمهوري سباق الرئاسة ابتداءً من الانتخابات الأولية لتحديد مرشح كل حزب، وعملياً فإن حملات المتنافسين للترشح لا تتوقف عند حدود إظهار مزايا كل مرشح وسيئات المرشح المنافس، وإنما، أيضاً، تنطوي على تقييم لأفضلية هذا الحزب على ذاك.
في مثل هذه الظروف وحتى إجراء الانتخابات، نلاحظ أن الإدارة الأميركية كما درجت العادة بالنسبة للإدارات السابقة، تحجم عن اتخاذ قرارات كبيرة وذات أبعاد إستراتيجية قابلة للفشل أو النجاح، خشية أن يوفر ذلك للطرف المناسب فرصة النقد، وإضعاف جماهيرية المرشح للرئاسة من طرف الحزب الحاكم، الأسوأ من ذلك أن هذه الإدارة تجاوزت الإدارات الأميركية السابقة، في مدى استعدادها لتدليل إسرائيل واللوبي اليهودي الأميركي وفي تقديم الكثير من المكافآت والمنح، والمساعدات، طمعاً في شراء رضا وأصوات اليهود الأميركية ونفوذهم القوي، القضية الفلسطينية وعملية السلام، كانت من أكثر الخاسرين في ميدان المزايدات المتبادلة بين المتنافسين على سدة الرئاسة، حيث لاحظنا بوضوح التراجعات التي جرت على المواقف الأميركية، والتي بلغت حداً كبيراً من التوافق مع السياسات الإسرائيلية وكحد أدنى فإنها في أسوأ الأحوال، تنطوي على تواطؤ مع هذه السياسات.
إدارة نتنياهو بدورها تعرف من أين تؤكل الكتف الأميركية، وهي لم تدخر جهداً إلاّ وبذلته لابتزاز إدارة الرئيس باراك أوباما، حتى لو كان ذلك من خلال توجيه إهانات لرجالات الإدارة الأميركية، التي صمتت على تلك الإهانات.
المغزى من كل ذلك هو أن الإدارة الأميركية ومعها "الرباعية" الدولية، لم يعد لها من عمل تؤديه سوى إقناع الطرف الفلسطيني أو الضغط عليه حتى لا يتخذ خطوات ولا يلجأ إلى خيارات يمكن أن تؤدي إلى استفزاز إسرائيل، ودفعها نحو التصرف بردود أفعال جذرية إزاء السلطة الفلسطينية، هذه كانت الذريعة التي ساقتها الإدارة الأميركية حين طالبت الرئيس محمود عباس، بضرورة صرف النظر عن الرسالة التي قرر تسليمها لرئيس الحكومة الإسرائيلية.
في الواقع فإن الحكومة الإسرائيلية لا تجد نفسها معنية على الإطلاق، بالمساعدة على ضبط الموقف الفلسطيني، الذي يواجه حرجاً شديداً، نظراً لعجزه أو امتناعه عن الرد بقوة على السياسات والإجراءات الإسرائيلية، خصوصاً في مجالي تهويد القدس والاستيطان.
وإمعاناً في المضي قدماً في السياسات الاستفزازية ذاتها، لا تتوقف الإعلانات الحكومية عن الكشف عن مخططات جديدة لبناء المئات من الوحدات الاستيطانية، كما لا تتوقف حركة المتطرفين اليهود عن التهديد باقتحام المسجد الأقصى، وتهديد الأماكن المقدسة.
في آخر ما جاء على لسان نتنياهو أعلن أن إسرائيل غير مستعدة للعودة عن حدود الرابع من حزيران عام 1967، وأنها ليست مستعدة على الإطلاق لتفكيك المستوطنات، فضلاً عن إعلانه أن موضوع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين ينبغي أن يحل خارج حدود إسرائيل، وهي حدود غير معروفة حتى الآن، ولا تنوي حكومة نتنياهو إعلان حدودها رغم المطالبات الفلسطينية المتكررة والثابتة بهذا الخصوص.
ثلاث لاءات، استثنى منها نتنياهو موضوع القدس، حيث لم يعد يكرر المعزوفة الإسرائيلية بأنها العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل، ذلك أنه يعتبر أن موضوع القدس قد أصبح خارج النقاش، وخارج إطار التداول. في المقابل، لا تزال الساحة الفلسطينية تئن تحت وطأة الانقسام، وتحت وطأة الحسابات الفئوية الخاصة، التي تتقدم على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وهي لا تزال تئن تحت وطأة حسابات مستقبلية تتصل بوعود "الربيع العربي"، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل تطور الأوضاع السياسية في مصر، والتي تعد الإخوان المسلمين بدور قوي وربما حاسم في تحديد مستقبل النظام السياسي.
ويبدو أن الرئيس محمود عباس قد حاول طمأنة الإدارة الأميركية وأطراف "الرباعية" الدولية. حين تحدث علناً عن أن كل الخيارات مفتوحة أمام الفلسطينيين عدا خيار حل السلطة الوطنية وخيار سحب الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. طبعاً بإمكاننا أن نضيف إلى هذه الاستثناءات استبعاد خيار المقاومة المسلحة، وهو أمر لا يخضع للاستنتاج والتحليل، بل إن الرئيس عباس لا يترك فرصة إلاّ ويؤكد فيها استبعاد هذا الخيار، والاكتفاء بتصعيد المقاومة الشعبية والسلمية، ولكن دون مقاومة لا شعبية ولا غيرها.
هنا علينا أن نلجأ إلى السحرة، أو الفلكيين لمعرفة أي الخيارات المطروحة أمام القيادة الفلسطينية تأكيداً لانزعاجها من المواقف والسياسات الأميركية، ومواقف ودور "الرباعية"، ورفضها السياسات الإسرائيلية، وعلى أهمية التوجه الفلسطيني إلى المؤسسات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، والهيئات التابعة لها، لتقديم المزيد من الملفات التي تحرج إسرائيل مثل ملف الاستيطان وملف جرائم الحرب الإسرائيلية، وملف حقوق الإنسان، إلاّ أن مثل هذا التوجه لا يكفي للإجابة عن التحديات الإسرائيلية المدعومة أميركياً.
لا بد إذاً من تجاوز الوثائق التي تتصل بالمصالحة، وثم التوقيع عليها، فهي لم تعد كافية ولا هي صالحة، للارتقاء بالجهد الوطني الفلسطيني إلى مستوى مواجهة التحديات الإسرائيلية الخطيرة، بل إنها ـ أي هذه الوثائق ـ بما هي عليه ورغم أهميتها فإنها في أحسن الأحوال وفي حال تنفيذها، وهو أمر لا يزال غير قابل للتحقيق، نقول إن هذه الوثائق لا تتجاوز مفهوم ووظيفة إدارة الانقسام. وطالما أن الحال الفلسطيني على ما هو عليه فإن الفلسطينيين يكونون قد قصروا إزاء قضيتهم، إذ لا يمكن أن ينفع "الربيع العربي" القضية الفلسطينية ما لم يبادر أهلها إلى تقوية عاملهم الذاتي، والكف عن استنزاف طاقات الشعب الفلسطيني عبر تداعيات هذا الانقسام الخطير. لا يجوز أن يتغنى الفلسطينيون بـ "الربيع العربي"، قبل أن يبدؤوا صياغة ربيعهم، الذي لا عنوان للاستدلال عليه سوى عنوان إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، والاتفاق على إستراتيجيات وخيارات جديدة. الواقع القائم في المشهد السياسي الفلسطيني، لا يشير إلى وجود استراتيجية واضحة المعالم، وإلى خيارات وآليات محددة، مما يعني أن السياسة الفلسطينية فضلاً عن أنها محكومة لواقع الانقسام والاختلاف فإنها محكومة للعشوائية، والانتقائية، وهذه قد تنتج لحظات مريحة أحياناً، أو إنجازات محدودة، ولكنها لا تنتج إنجازات وطنية كبيرة بالحجم والنوع الذي يؤثر على السياسات العامة الإسرائيلية التي تتجه نحو نسف كل الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وإذا كانت القيادة السياسية تملك من الوعود، ما لا نملكه أو نعرفه فإن هذه الملكية الحصرية، تنطوي على خسائر باهظة الثمن، خصوصاً حين يتصل الأمر، بالمجتمع الفلسطيني الذي تهتز قناعاته، وتضعف عوامل صموده، ويتراجع مع ذلك استعداده للتضحية، خصوصاً حين يشعر بأن هذه التضحيات، تصب في خدمة هذا البرنامج الفصائلي أو ذاك، أو حين يشعر بأنه لا يحظى بالرعاية والحماية والاهتمام اللازم من قبل قياداته السياسية.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
أهلاً و سهلاً بك معنا في مجلة الحرية

اسمك *
البريد الالكتروني *
المدينة
المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف