انتشرت الأخبار المتداولة على المواقع الإخبارية، وغيرها من وسائل الاتصال الاجتماعي حول الفراغ الذي قد يحدثه غياب الرئيس محمود عباس بعد مرضه ومكوثه في المستشفى الاستشاري في رام الله لعدة أيام، وللأسف كل تلك الأخبار أصل إشاعتها الاحتلال الإسرائيلي، الذي يحاول أن ينثر الكلام ثم يشعل الحراك على الأرض مثل ما فعل حين أفرج عن عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي عن حركة حماس دون سابق إنذار، وكأنه يريد القول أن حقبة عباس انتهت، وأمامكم دويك وغيرهم من رجال السلطة الذين ينظرون للرئاسة بل ويتصارعون عليها، مما أثار حالة غير مطمئنه في أوضاع السلطة، وترتيبها، لنتأكد للمرة المليون 
أن محاولة الفلسطينيين لترميم ما أفسده الدهر في ملف المصالحة قد باء بالفشل الذريع، وأسدل الستار على مرحلة كانت من الممكن أن تكون فارقه في حياتهم، وفي القضية الفلسطينية، فالتفرد في الحالة السياسية بعيداً عن الشراكة الحقيقية زاد من حالتنا سوءاً ، بل أوعزنا إلى ما لا نستطيع عليه.
راهنت إسرائيل طوال الوقت على إعادتنا إلى ما قبل أوسلو، وبعد كل اتفاق للمصالحة كانت تستخدم كل إمكانياتها لمنعها، وقد عدنا فعلاً إلى ما قبل أوسلو فعلى ما يبدو أن نهاية طريق فعلنا هذا سيأخذنا إلى الأسوأ، خاصة وأن كل المشاريع التي تخطط لها إسرائيل قد نفذت أو هي قيد التنفيذ.
كان واضحاً منذ البداية أن المصالحة أضعف من أن تنجح، بل تحتاج لمعجزة لإنعاشها، وقلنا سابقاً أننا على محك خطير، إذا ما انتبهنا لما يحدث حولنا، وطوال الوقت كنا نتهم أننا نضع العصا أمام الراعي، وكأننا لا نشجع عليها، لكنهم طوال الوقت كانوا يمارسون ضدنا أساليب الدعاية الإعلامية والسياسية ليوهمونا 
أن الوطن بخير، وأن المصالحة قد نجحت، لكن النتيجة مثل كل مرة، فاشلة بامتياز.

كان في يدنا أن نصدق الواقع، وأن لا يأخذنا الخيال إلى أحلام كبيرة علينا، كان علينا أن نقرأ منذ البداية أن أي معركة ممكن أن نخوضها ستنهك قوانا وكرامتنا، طالما الانقسام يدق في أوصالنا، وهذا ما أوصلنا للجرأة على أن نتقاتل على 
أي راية سيتوشح بها الشهيد، أعلم أني أقسو جداً ، لكن الواقع أكثر قساوة مما نتوقع!.
قلبت صفحة المصالحة الآن، لكن الحقيقة أن أنها هي الخيار التي يجب أن يكون الآن، بل الخيار الوطني الوحيد، للتخفيف عن المتعبين، والمنهكين، والمعتركين سواء مع الحدود أو الحياة الأكثر تعقيداً ، أو الفقر، وإن لم نلتزم بهذا الخيار يتبقى الخيار الإسرائيلي، وأقولها بكل أسف، فمهما كان قرار المصالحة مكلف، سيكون الخيار الإسرائيلي ثمنه خيانة كل تلك الدماء التي سالت هدراً ، وبلا أي احترام، أو نتيجة تذكر، ماذا ستقولون بعدها لأمهات الشهداء وعوائلهم، كيف ستنظرون في عيون الجرحى الذين فقدوا أعز ما يملكون.
إذا ما ذهبنا إلى الخيار الإسرائيلي، وعمقنا الانقسام انقساماً ، وعدنا إلى ما قبل عقود، وضحينا بدماء الشهداء، وتوجنا للإسرائيليين هذا الانتصار وتخلصنا من غزة، ولم نقم دولة على الأقل على حدود 67 فقد فشلنا فشلاً عميقاً ، سيكتب التاريخ فيه إلى الأبد، أن انقسام غبي، دمر شعب صاحب مطالب وحق إلى الأبد.
الحالة الفلسطينية يرثى لها، عجزت أمام حل الانقسام، وإنهاؤه من جذوره، وكأن الاحتلال انتصر علينا، رغم أن الأيام القليلة الماضية سجلت غزة نموذجاً مشرفاً ، ومدهشاً للتحدي والصمود والمقاومة في مرحلة صعبة، وهرمه، ومن أصعب 
ما مر على القضية الفلسطينية برمتها، فنحن أمام الخيار الأسوأ منذ بدأ العمل السياسي الفلسطيني، كانت غزة وحدها في مواجهة الموت، وأمام مواجهة قرارات الولايات المتحدة للأمريكية، وكانت وحدها لرفض نقل السفارة، ولم يكن لغزة إلا غزة، كانت تريد إحياء القضية الفلسطينية عبر التصالح، دون جدوى.
غزة تعاني من الفقر المطقع، وتفاصيل تعدت الإنسانية، ثم خنقت حد التحضر للموت، وبدأت تبحث عن حل لكل ما وقعت به من عقوبات السلطة، وتجني حركة حماس، وفرض هيمنتها على أكثر من 2 مليون مواطن، إلا أنها تلقت عروضاً بما تقربنا للحل لكن الأمر زاد تعقيداً ، ولا إشارات تشير إلى أن هناك حل سياسي قريب على الأقل، رغم تصريحات بعض قيادات حماس في الأمس القريب 
الذين أكدوا فيها أن هناك تحركات جدية لوقف الحصار، لنجد أن تلك التحركات عنوانها مساعدات إنسانية فقط، لا يوجد حل جذري لا للكهرباء، ولا للرواتب، ولا للبطالة، ولا لغيرها مما زاد الحمل على كاهل الناس في القطاع.
لكن الحقيقة أننا بحاجة لتدخل عاجل تستدعي إغاثة سريعة، فقد أصبح الناس متسولين، وهذا ما سعت إسرائيل لتحويلهم إليه منذ عقود لذا يجب وقف العقوبات وعلى الجميع النظر إلى صناعة الفلسطيني وليس إهماله، وبيعه بالرخيص، ولأن رأس مالنا هو شعبنا فقط، فقد خسرنا كل شيء.
لم يتبقى لدينا الكثير من الوقت، الرئيس حالته مستقره الان، ونتمنى أن يرتب البيت الفلسطيني قبل أن تضيع القضية لو لا سمح الله أصاب الرئيس محمود عباس أي مكروه .