بعد أشهر من المماطلة، قدمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رداً مفصلاً إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول مستقبل منطقة اليورو، وذلك قبل أقلّ من شهر على قمة أوروبية يفترض أن توافق على إصلاح موسّع لأوروبا، في وقت تشهد فيه الأخيرة أجواءً من عدم الاستقرار جرّاء تقدم النزعات اليمينية الشعبوية، والحكومات المُشكّكة بجدوى الاستمرار في الاتحاد ومنطقة اليورو، فضلاً عمّا تعانيه من أزمات اقتصادية وتقلبات أسواق المال!. ولقد شاهدنا كيف اختار الناخبون في دولٍ عدة حكومات شعبوية مناهضة للمؤسسات، أو مُندّدة بالليبرالية السياسية والاقتصادية التقليدية التي تُحدّد عادة التوجهات العامة في أوروبا (إيطاليا والمجر وتشيكيا والنمسا).

وكان ماكرون طرح منذ أيلول/ سبتمبر الماضي جملة مقترحات ترمي إلى إحياء أوروبا المأزومة، بعد الانفصال البريطاني، وخصوصاً تلك المتعلقة بإصلاح الاتحاد النقدي. ولكن منذ ذلك الوقت جرت الكثير من التطورات؛ فقد بدأت للتو حكومة يمينية شعبوية مُشكّكة في الاتحاد الأوروبي ممارسة مهامها في إيطاليا، يقودها حزب «رابطة الشمال» اليميني المتطرف المناهض للهجرة، وحزب «حركة خمس نجوم» الشعبوي المناهض للمؤسسات، ما أعاد هاجس الخروج من منطقة اليورو، على غرار المثال البريطاني، وخاصة أنّ هذه الحكومة أسندت لباولو سافونا وزارة الشؤون الأوروبية، وهو خبير اقتصادي كان يخيف الاتحاد الأوروبي بتبنّيه لـ«خطة بديلة» ضد اليورو، الذي يعتبره أشبه بـ«سجن ألماني»، ولا يجد حرجاً في القول إن «ألمانيا لم تتخلّ عن فكرة السيطرة على أوروبا بعد سقوط النازية، لكنها استبدلت الأدوات الاقتصادية والمالية بالوسائل العسكرية التي استخدمها الرايخ الثالث»!.

وفي مقابلة مع صحيفة ألمانية (3/6)، وافقت ميركل على مبدأ «آليتين محدودتين للمساعدة بين دول منطقة اليورو: ميزانية استثمار ونظام قروض جديد للدول التي تواجه صعوبات كبيرة». في وقت تبدي فيه الأوساط الألمانية المحافظة خشيتها من انتقال عدوى القلق إزاء الدين الإيطالي (130% من إجمالي الناتج الداخلي)، إلى دين إسبانيا (98%)، أو البرتغال (125%)، على النحو الذي يمكن أن يشكل تهديداً للعملة الموحدة.

«إيطاليا» تُلجم ماكرون

وعلى رغم إقرارها أنّ «دول منطقة اليورو بحاجة إلى المزيد من التقارب الاقتصادي»، إلا أنّ ميركل حدّدت إطاراً صارماً لميزانية الاستثمار المقترحة، قد «لا يتعدّى عشرات المليارات من اليوروهات»، في حين كان الرئيس الفرنسي يأمل بميزانية تعادل مئات المليارات.

وقد لعب وصول حكومة يمينية قومية متشدّدة، ومناهضة للنظام والمؤسسات في إيطاليا (إحدى البلدان المؤسسة للعمل الأوروبي المشترك، وثالث أكبر اقتصاد في أوروبا)، ومكلفة تطبيق برنامج يعارض التقشف (يهدف إلى خفض الضرائب وتعزيز الإنفاق على الرفاهة الاجتماعية، وإصلاح لوائح الاتحاد الأوروبي الخاصة بالميزانيات والهجرة)، في عرقلة خطط الرئيس الفرنسي الأوروبية وتزيدها تعقيداً، إذ أن هذه الحكومة تزيد من مخاوف ألمانيا، وتحرم ماكرون من حليف محتمل في المفاوضات الأوروبية.

وجاء هذا التحوّل الإيطالي بالتزامن مع «حرب تجارية» أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد أوروبا، ليسهم في إضعاف الاتحاد الأوروبي الذي سيكون على المحك في سياق اختبار قوة مع الرئيس الأميركي يشمل الملف النووي الإيراني، ولا تبدو فيه أوروبا مؤهلة لمقارعة واشنطن حليفتها وضامنة أمنها الاستراتيجي.

وعلى ذلك، تقف العواصم الأوروبية مُتريّثةً تراقب بحذر الخطوات الأولى التي ستقدم عليها الحكومة الإيطالية، التي رفعت سقف التوقعات والوعود إلى أعلى المستويات، رغم المحاذير الاقتصادية والمالية الواضحة.

وعليه أيضاً، فقد حدّدت ميركل التي تتعرض لضغوط الرأي العام في بلادها، والضعيفة سياسيا في ولايتها الرابعة، «الخط الأحمر لإصلاح منطقة اليورو»، منبهةً إلى أن «التضامن بين شركاء منطقة اليورو يجب ألا يؤدي أبدا إلى اتحاد للديون»!.

صندوق نقد أوروبي

وقدمت ميركل بالتفصيل الاقتراح الألماني لإنشاء «صندوق نقد أوروبي»، لمساعدة البلدان التي تواجه صعوبات، إنما في مقابل شروط صارمة ورقابة لصيقة للبلدان التي ستحصل على المساعدة. وإلى جانب ذلك، قالت المستشارة: «يمكنني أن أتخيل إمكانية خط ائتمان على مدى أقصر، خمس سنوات على سبيل المثال»، موضحةً أن «هذه القروض ستُخصّص لدعم بلدان تواجه صعوبات خارجية المنشأ».

وفي المقابل، يتعين على البلدان المعنية الموافقة، كما يحصل بالنسبة إلى صندوق النقد الدولي حالياً، على أن يتمتع صندوق النقد الأوروبي هذا، بحق الرقابة والتدخل في سياساتها الوطنية. وهذه صلاحيات قد لا توافق عليها جميع بلدان منطقة اليورو.

 

 وكانت المفوضية الأوروبية اقترحت أخيراً صندوقين جديدين لتشجيع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على تنظيم اقتصاداتها، وحماية دول منطقة اليورو من الصدمات الاقتصادية، حيث يعتبر السبب الثاني رداً على المطالب الفرنسية بشأن ميزانية لمنطقة اليورو.