نجاح لقاء باريس لا يعدو كونه احتفالياً وعلى مستوى الشكل فحسب، بينما تبقى القدرة على تنفيذ ما اتفق عليه محدودةً جداً من دون دعم وإجماع دوليين

اجتماع الإليزيه الذي عقد حول الأزمة الليبية (29/5)، لن يحقق، في نظر كثير من المهتمين، أيَّ شيء من مخرجاته. أسباب كثيرة تقف خلف هذا الاعتقاد حسب قولهم، أهمّها أنّ الخلافات الضاربة أطنابها بين أطراف الأزمة الليبية باتت أكبر وأعمق من أن يتمّ تجاوزها بلقاء يجري هنا أو هناك، أو بمبادرة من هذا الطرف أو ذاك، تتخللها الكثير من المجاملات والبرتوكولات الشكلية، بل لقد أضحت هذه اللقاءات، بحد ذاتها، مناسبة للكشف عن مدى العجز الإقليمي والدولي في التعامل الجدّي مع هذه الأزمة؟!.

يزيد من هذا الاعتقاد أنّ الفرقاء الذين اجتمعوا في باريس لم يمضوا على أي وثيقة محدّدة. وعليه، فقد بادرت الميليشيات المسلحة في المنطقة الغربية، وأغلبها مرتبط بحكومة الوفاق ومجلسها الرئاسي، إلى إعلان عدم اعترافها باجتماع باريس ومخرجاته، منطلقةً في ذلك من رفضها للعملية السياسية والاستحقاقات الانتخابية وللجيش الوطني وقيادته العامة، ومن ارتباطها الوطيد، كما يرى البعض، بقوى إقليمية ودولية لا تريد لليبيا أن تخرج من أزمتها إلا وفق مصالحها ذات العلاقة الواضحة بمشروع الإسلام السياسي، وهي لا تمانع في تقسيم البلاد على أسس جهوية ومناطقية وقبلية وثقافية، طالما أن ذلك يخدم أجنداتها.

وهناك من يعتقد أنّ المسيطرين على مقاليد القرار في طرابلس والمنطقة الغربية، لن يقبلوا بانتخابات تخرجهم من دائرة الحكم، خصوصاً بعد أن فشلوا في التوصل إلى اتفاق للتحالف مع رموز النظام السابق، واقتناعهم ربما، بأن صراعهم مع القيادة العامة للجيش والجنرال خليفة حفتر، هو صراع حياة أو موت، وبأن الشعب في غالبيته الساحقة يرفضهم.

يضاف إلى ذلك التنافس بين الدول الغربية على النفوذ والسيطرة في ليبيا، مثلما هو الحال بالنسبة لعموم القارة الأفريقية, وفي سياق ذلك، فسّر البعض مقاطعة مدينة مصراتة، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وميليشياوي لاجتماع باريس، بوصفها ليست بعيدة عن موقف إيطاليا الغاضب مما تعتبره «تدخلاً فرنسياً مباشراً في مستعمرتها القديمة، مستغلاً حالة الفراغ الحكومي في العاصمة الإيطالية»، خصوصاً وأن العلاقة بين مصراتة وروما لها بعد تاريخي، وقد تجدّدت بقوة خلال السنوات الماضية، ووصلت إلى حد وصول عسكريين إيطاليين إلى المدينة الساحلية.

وتتضح الصورة أكثر عندما نربط ذلك بالرفع من مستويات التنسيق بين روما والدوحة وأنقرة، وتركيز الإيطاليين على المنطقة الغربية وعلاقاتهم بالميليشيات المرابطة فيها، والتي تحرس مصالحهم بما فيها خط أنابيب الغاز وصادرات النفط.

مشاركة الأطراف كافة، ولكن؟

وكان ممثلون عن الأطراف الأربعة الرئيسية في النزاع الليبي حضروا إلى باريس، بوجود ممثلين عن نحو 20 دولة؛ على رأسها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى مصر والإمارات وقطر والكويت والسعودية وتركيا وتونس والجزائر.

وأعلنت الأطراف المحلية المشاركة، أمام الرئيس الفرنسي، التزامها العمل معاً لتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر القادم، على أن يسبقها إقرار «تعديل دستوري» تتم المصادقة عليه في 16 أيلول/ سبتمبر المقبل. إضافة إلى اتفاقها على إطار عام لحلّ الأزمة، ولكن من دون أية ضمانات قانونية تلزم أطراف الصراع باحترام ما تم الاتفاق عليه.

ووقع الإعلان رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، ومنافسه الرجل القوي في شرق البلاد المشير خليفة حفتر، ورئيس برلمان طبرق (شرق) عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة ومقره طرابلس خالد المشري.

واعتبر مراقبون أن لجوء المؤتمر إلى الإعلان عن الاتفاق، دون منحه صفة الإلزامية القانونية، يعكس طبيعة المشكلة الليبية المعقدة وعدم قدرة الشخصيات التي حضرت المؤتمر على الحسم دون الرجوع إلى مرجعياتها السياسية في الداخل الليبي.

وفي ظلّ هذا الوضع، شكّكت مصادر دبلوماسية غربية في قدرة البلد، الذي ينتشر فيه السلاح وتسيطر عليه تيارات سياسية متنازعة وفصائل مسلحة متناحرة، على إجراء انتخابات. ورأت المصادر أنّ ما حدث في باريس (رغم وصف المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة له بأنه تاريخي)، لا يعدو كونه احتفالياً، ونجاحاً على مستوى الشكل فحسب، بينما تبقى القدرة على ضمان تنفيذ الاتفاق، محدودةً جداً دون دعم وإجماع دوليين، لا سيما من قبل روسيا والولايات المتحدة.

وخلصت المصادر إلى القول أنّ الحضور في باريس يوحي بوجود عملية سياسية منظمة، لكن هي في حقيقتها مستعجلة، والمبادرة التي تمخضّت عنها تبدو وكأنها «تحرق مراحل وتعلن عناوين براقة، دون التوصل إلى تسوية دقيقة وحسّاسة تراعي الواقع الليبي المعقد، الذي يعجّ بالقوى المحلية والخارجية التي تتصارع لفرض السيطرة»؟.

وأضافت المصادر أن «قدرة الأطراف التي لم تحضر المؤتمر، كما تلك حضرته ولكنها ترغب في تعطيله، ما زالت عالية»، وأن تنفيذ الاتفاق الذي ما زال نظرياً، و«تحويله إلى خارطة طريق عملية يحتاج اتفاقاً دولياً على أعلى المستويات، لا يبدو أن باريس قد حظيت به حتى الآن!».

الحاجة إلى الاستقرار

وقد شهدت الأزمة الليبية المئات من المؤتمرات والاجتماعات والبيانات والاتفاقات، (خصوصاً اتفاق الصخيرات)، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء المعضلة. وبدوره، يبدو اتفاق باريس لا يُقدّم مخرجاً حاسماً، يجعله مختلفاً عن المحاولات الدولية السابقة!.

ولعلّ فرنسا كانت تعوّل، في الحصول على دعم العواصم الكبرى لمبادرتها، على «حاجة تلك العواصم والعالم إلى تحقيق الاستقرار في ليبيا؛ ومكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية وما يصاحبها من ظواهر الإرهاب، وتأثير ذلك كلّه على استقرار أفريقيا وانتشار الإرهاب في المنطقة».

لكن وعلى رغم ذلك، لقيت المبادرة الفرنسية، في نظر كثير من المراقبين والمحللين، اعتراضات متفاوتة من جانب دول كثيرة معنية بالأزمة. وقال هؤلاء إنّ واشنطن التي حضرت المؤتمر بمستوى تمثيل منخفض، ترى أن باريس تتجاوز دورها وتختطف مهمة الأمم المتحدة، وتختصر المجتمع الدولي في نفسها، لمجرد أن غسان سلامة، المبعوث الأممي يحمل الجنسية الفرنسية.

وأضافوا أنّ روما تعتقد أيضاً أن باريس تريد الحفاظ على مصالحها على حساب المصالح الإيطالية، ولا ترتاح للمؤتمر، لأنه يمكن أن يؤمّن مصالح فرنسا في الجنوب، لكنه قد يعيد التوتر للشمال، الذي يمثل أهمية فائقة بالنسبة إلى روما.

كما أنّ لدى القاهرة، حسب المصادر ذاتها، شعور بأن المؤتمر يجني ثمار الجهود المصرية المتواصلة في دعم المؤسسة العسكرية وتقريب المسافات بين القوى الليبية، ويمنح التيار الإسلامي فرصة جديدة تحكم تموضعه في ليبيا، وهو ما لا ترغب به القاهرة طبعاً؟!.

الصورة: جانب من المؤتمر

 

أهم بنود «المبادرة الفرنسية»        / كادر شبك /

*التوحيد الفوري للبنك المركزي الليبي وحل جميع المؤسسات الموازية.

* الاتفاق على إجراء الانتخابات بحلول نهاية عام 2018، وفقا لجدول زمني يحدده المبعوث الأممي بالاتفاق مع حكومة الوفاق الوطني والمفوضية العليا للانتخابات.

* نقل البرلمان (من طبرق/شرق)، وبأسرع وقت ممكن، كما هو مذكور في المادة 16 من الإعلان الدستوري، التي تنصّ على أن مقر البرلمان في مدينة بنغازي، شرق البلاد.

* الالتزام بدعم الحوار العسكري الجاري في القاهرة وتوحيد الجيش الوطني الليبي وتشكيل الهيكل الوطني العسكري الذي سيتم تنفيذه بعـد الانـتخـابات تحـت السلطة المدنية.

 

«مجموعة الأزمات الدولية» تحذر من «نتائج عكسية»!          / كادر شبك /

 حذرت منظمة «مجموعة الأزمات الدولية»، في مذكرة خطية عشية اجتماع باريس، أنّ المؤتمر قد يأتي بنتائج عكسية إذا لم يكن هناك توافق أوسع يشمل أطرافاً سياسية وعسكرية أخرى.

وأوضحت «المجموعة» أن «إجراء انتخابات هذا العام هو أمرٌ غير واقعى من وجهة نظر تقنية بحتة»، لافتةً إلى أنه «لا الإطار القانوني ولا الإطار الدستوري متوفرين، وهى عوائق يبدو تجاوزها مستحيلاً خلال فترة قصيرة».

 

وشددت المجموعة على  أنه «لا يزال هناك الكثير من العمل الواجب القيام به، كي يثمر أي جهد يرمى لتحقيق الاستقرار في ليبيا، اتفاقاً على استراتيجية سياسية واقتصادية وأمنية قابلة للحياة، ويمكن أن تنضوي فيها مروحة واسعة من الأطراف الليبيين وداعميهم الدوليين»، وهو أمر رأت أن «المبادرة الفرنسية لا تتيحه»!.