المواطن الأردني يرى أنه مطالب بدفع ثمن سياسات اقتصادية حكومية هي المسؤولة عن مستويات العجز التي يعاني منها اقتصاد البلاد

على رغم «تجميد الحكومة»، بداية وبإيعاز من الملك، لقرار رفع أسعار المحروقات ورسوم استهلاك الكهرباء، فإن موجة الاحتجاجات لم تهدأ، بل استمرّت واتسعت للمطالبة بإسقاط الحكومة وسحب قانون ضريبة الدخل، وذلك غداة إضراب عام في البلاد نفذته عشرات النقابات والاتحادات المهنية الممثلة لموظفي الدولة والقطاع الخاص (30/5)، استنكاراً لطرح القانون ذاته، الذي أدخل البلاد في إضرابات واحتجاجات غير مسبوقة.

وعلى مدى أيامٍ عدة، خرجت مسيرات ليلية في العاصمة عمّان وبقية المدن الأردنية، طالبت بإقالة حكومة الملقي وحلّ مجلس النواب ومحاسبة الفاسدين. رفع المعتصمون خلالها يافطات كتب عليها عبارات؛ «معناش»، و«ارحل ارحل يا ملقي»، و«تسقط حكومة العار والإفقار»، و«يا حكومة هلكتونا جوعتونا ودمرتونا»، وطالبوا بإسقاط النهج الاقتصادي للحكومة، ورفض إملاءات صندوق النقد الدولي.

فقد شهدت مدن الزرقاء والبلقاء (شرق)، والطفيلة ومعان والكرك (جنوب)، والمفرق وأربد وجرش (شمال) احتجاجات مماثلة أحرق المتظاهرون في بعضها إطارات السيارات، وأغلقت محطات الوقود.

ولم تنجح المحادثات بين النقابات والحكومة في تبديد طيف الأزمة المتفاقمة، بعدما تمسّك كل طرف بموقفه، وخاصة بعد إعلان رئيس الوزراء الأردني أنه لن يسحب مشروع قانون الضريبة، تاركاً للبرلمان ليقول كلمته الأخيرة فيه!.

وهذا القانون هو الأحدث بين سلسلة تدابير حكومية شملت زيادات في الأسعار على السلع الأساسية منذ أن حصلت عمّان على قرض ائتماني مدته ثلاث سنوات، بقيمة723 مليون دولار من صندوق النقد الدولي عام 2016.

تواصل الاحتجاجات

بعد ذلك، وعلى رغم استقالة أو «إقالة» رئيس الوزراء الأردني هاني الملقي وحكومته (4/6)، إلا أنّ الاحتجاجات تواصلت في مختلف المدن الأردنية. ولفت مراقبون إلى أن الاحتجاجات تطاول مجمل النهج الاقتصادي لحكومة الملقي، وتطالب بالعودة عن قرارات اقتصادية اتخذت، وليس تغييراً يطال الرئيس وفريقه الاقتصادي فحسب!.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، اتخذت الحكومة إجراءات تقشفية عدة، ورفعت أسعار مواد أساسية مثل المحروقات والخبز، وذلك استجابة لتوجيهات صندوق النقد الدولي، بإجراء ما سميّ «إصلاحات اقتصادية»، من أجل تمكين الحكومة من الحصول على قروض جديدة في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة وتجاوز الدين العام 35 مليار دولار.

وكغيرها من الإجراءات التي تتسبّب في احتقان اجتماعي، أثارت خطوات الحكومة غضب شرائح عريضة من المجتمع الأردني باعتبارها المتضرر الأكبر منها، خصوصاً وأنّ القانون الجديد لضريبة الدخل يرفع معدلها ويوسع دائرة الفئات الاجتماعية «الأقلّ دخلاً» المشمولة بها. وما ضاعف من حالة الغضب أيضاً؛ انتشار الفساد في مؤسسات الدولة، وشعور المواطن الأردني أنّ عليه أن يدفع ثمن سياسات اقتصادية حكومية هي المسؤولة عن مستويات العجز التي يعاني منها اقتصاد البلاد.

ونبه محللون وخبراء إلى أن «سياسة ربط الأحزمة واللجوء إلى التقشف وضبط الإنفاق العام، قد تكون مطلوبة في سبيل الحصول على الحقن المالية من الهيئات الدولية المانحة، لكن للأمر أضراراً مباشرة على بنية المجتمعات المعنية، وتُسبّب المزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للمواطن، وخصوصاً لدى الفئات الوسطى والفقيرة». وحذر هؤلاء من أن هذه «الإجراءات تبقى، في أحسن الأحوال، مُسكّناً موضعياً إذا لم تتصاحب مع خطة شاملة تعيد هيكلة الاقتصاد على نحو يضمن تحقيق نمو عام ومستدام على الآجال الطويلة».

ووفقاً للأرقام الرسمية، ارتفع معدل الفقر مطلع العام الحالي إلى 20 %، ووصلت نسبة البطالة إلى 18,5 %. واحتلت عمّان المركز الأول عربياً في غلاء المعيشة، والـ 28 عالمياً، وفقا لدراسة نشرتها أخيراً مجلة «ذي إيكونوميست».

وزادت الحكومة مطلع العام الحالي أسعار الخبز بنسبة تصل إلى 100 %، وفرضت ضرائب جديدة على العديد من السلع والمواد بهدف خفض الدين العام، علماً أنّ معظم السلع والبضائع تخضع في الأساس لضريبة مبيعات تبلغ 16 %، إضافة إلى رسوم جمركية وضرائب أخرى تفوق أحيانا ثلاثة أضعاف قيمة السلعة الأصلية.

«معناش»

وقد شارك في الاحتجاجات نقابات وجمعيات وقطاعات أردنية كثيرة، من الطبقات الدنيا والوسطى الأكثر تضرراً، فضلاً عن بعض الشخصيات السياسية والبرلمانية والثقافية المعروفة. وكانت مواقع التواصل الاجتماعي شاركت بشكل شفاف، معلنة أن الشارع سيقف بالمرصاد لإجراءات حكومة الملقي.

وقد تلخص غضب الأردنيين في شعار بسيط؛ هو «معناش»، لتوضيح أن ما تطلبه الحكومة يفوق طاقاتهم وإمكاناتهم، مع فتحهم لدفاتر عتيقة حول سياسات اعتمدت، وقرارات اتخذت وأموال أنفقت وظواهر فساد سُجّلت، أوصلت الوضع الاقتصادي إلى الدرك الذي وصل إليه الآن!.

الصورة: من الاحتجاجات

 

عبدالله الثاني.. الأردن يقف أمام مفترق طرق       / كادر شبك /

دعا الملك الأردني الملك عبد الله الثاني رئيس الوزراء المكلّف، عمر الرزاز، إلى «مراجعة شاملة لمشروع قانون ضريبة الدخل». وقال في الكتاب الرسمي لتكليفه: إن «على الحكومة أن تطلق فوراً حواراً بالتنسيق مع مجلس الأمة، وبمشاركة الأحزاب والنقابات ومختلف مؤسسات المجتمع المدني، لإنجاز مشروع قانون جديد»، ينأى بها عن «فرض ضرائب استهلاكية لا تحقق العدالة والتوازن بين دخل الفقير والغني».

وكان الملك حذر من أن الأردن، وفي مواجهة الأزمة التي تعصف بالبلاد، يقف أمام مفترق طرق؛ فإما «الخروج من الأزمة وتوفير حياة كريمة لشعبنا، أو الدخول في المجهول»؟.

ورأى أنّ «الأردن يواجه ظرفاً اقتصادياً وإقليمياً غير متوقع، ولا يوجد أي خطة قادرة على التعامل بفعالية وسرعة مع هذا التحدي»، مشيراً إلى أن «المساعدات الدولية للأردن انخفضت على رغم تحمل المملكة عبء استضافة اللاجئين السوريين».

واعتبر الملك أن «الأوضاع الإقليمية المحيطة بالأردن، من انقطاع الغاز المصري الذي كلّفنا أكثر من أربعة بلايين دينار (5,6 بليون دولار)، وإغلاق الحدود مع الأسواق الرئيسة للمملكة (في اشارة إلى سورية والعراق)، والكلفة الإضافية والكبيرة لتأمين حدودها، كانت وما زالت السبب الرئيس للوضع الاقتصادي الصعب الذي نواجهه».

وهناك من يربط بالفعل بين الأزمة الاقتصادية الراهنة التي يشهدها الأردن، (وما ترتّب عليها من إجراءات تقشفية مُتشدّدة وارتفاع في الأسعار)، وبين قرار التخلي عن دعم الأردن من قبل الدول التي اعتادت أن تدعمه مالياً وسياسياً (السعودية والامارات، مروراً بمصر، ووصولاً إلى أميركا)، في وقت يجري الحديث فيه عن وظيفة ودور جديدين للأردن داخل المشهد الإقليمي والدولي المستجد، والذي قد يقلب ما كان متعارفاً عليه منذ قيام المملكة الأردنية الهامشية.

 

تكليف الرزّاز تشكيل حكومة جديدة         / كادر شبك /

كلف الملك الأردني (5/6)، وزير التربية والتعليم السابق عمر الرزاز تشكیل حكومة جدیدة، خلفاً لحكومة ھاني الملقي التي قدمت استقالتھا قبل يوم واحد، على أمل أن تسهم (الاستقالة) في «تهدئة غضب الشعب» الذي نزل إلى الشارع في أكبر احتجاجات منذ أعوام.

ويُشير اختيار الرزاز إلى رغبة ملكية في متابعة ما يسمّى بـ«الإصلاحات الاقتصادية والسياسية في الأردن»، ولكن على نحو يمكن أن يعيد الثقة مرة أخرى إلى الحكومة، من خلال الاعتماد على جيل جديد من السياسيين القادرين على «تسويق هذه الإصلاحات وإقناع المواطنين أن لا بديل عنها».

والرزاز هو اقتصادي شغل منذ مطلع العام الماضي منصب وزير التربية والتعليم. وسبق أن عمل رئيساً لمجلس إدارة البنك الأهلي الأردني، كما كان رئيساً للفريق الفني الأردني لإعداد الاستراتيجية الوطنية للتشغيل، ومديراً عاماً للضمان الاجتماعي. كما سبق أن عمل مديراً عاماً في البنك الدولي في واشنطن وبيروت.

 

وأوضحت مصادر سياسية أردنية أنّ الرزاز، الذي لا ينتمي إلى الطبقة السياسية التقليدية، هو خريج جامعة هارفارد، وعمل طويلاً في الحقل المصرفي، كما تولّى في السنة الماضية إجراء إصلاحات في المجال التربوي، كان الأردن في حاجة ماسّة إليها من أجل تحديث المناهج الدراسية وتخليصها من تأثير الإخوان المسلمين ومخلّفاتهم. وكان والده، منيف الرزاز، قيادياً بعثياً كبيراً اعتقله الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين بعد توليه الرئاسة في 1979، باعتباره من الجناح الحزبي الذي «تآمر عليه» وأراد الحؤول دون وصوله إلى الرئاسة. وتوفي تحت الإقامة الجبرية في العراق عام 1984.