موجة من ردَّات الفعل المختلفة أثارتها تصريحات رئيس «الموساد» الأسبق تامير باردو، والتي قال فيها إن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، طلب التنصت عليه إبان شغله لمنصب رئيس الموساد، بالإضافة إلى التنصت على رئيس هيئة الأركان الأسبق بيني غانتس، فيما أخذت القضية تأخذ منحى التشكيك إلى حد أزمة ثقة برأس الهرم السياسي.

ويطرح السؤال إذا ما أصدر نتنياهو أوامره بالتنصت على رئيس الموساد ورئيس الأركان، وهو الأمر الذي أثار الرأي العام والنظام السياسي في إسرائيل، منذ نشر الخبر للمرة الأولى (31/5) ضمن برنامج التحقيقات«عوفدا».

«ووترغيت»؟

وفي الخوض في هذه الأسئلة يستعرض الصحافي الإسرائيلي رونين برغمان، في مقالة له في صحيفة «يديعوت أحرونوت» تداعيات هذا الكشف على المستوى السياسي والأمني، لافتا إلى أن الحديث في هذه الحالة لا يدور عن قضية «ووترغيت»، مبينا أن نتنياهو، كرئيس للحكومة، مخول أن يأمر بالتنصت على المواطنين الإسرائيليين لمدة عدة أشهر بالتنسيق مع المستشار القضائي للحكومة، على أن تيم تجديد هذه الأوامر في كل مرة.

ويمهد في مقالته للأسباب والظروف التي قد تبرر للتنصت، مستذكرا أنه خلال العامين 2012 و2013، قامت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بمشروع كبير وسري تطلب استثمارا كبيرا في القوى العاملة والمال، وكان لأجزاء من هذا المشروع العديد من الشركاء السريين.

نتنياهو، حسب برغمان، كان متخوفا للغاية من فضح المشروع والكشف عن مضامينه، كما أنه عزل جميع وزراء الحكومة وأعضاء الكنيست، بما في ذلك معظم أعضاء اللجنة الفرعية للخدمات السرية. ومن أجل تمرير الميزانية، قام بتعيين عضوين من لجنة الشركاء السريين وممثلًا بالنيابة عنه في وزارة المالية.ووفقا لمصادر الصحافي، «لم يكن بالإمكان المصادقة على جميع عمليات تحويل الميزانية بهذه الطريقة، وبالتالي فإن أول شيء فعله نتنياهو كوزير للمالية بعد أن أقال يئير لبيد وتولى منصب وزير المالية هو التوقيع على عملية تحويل الميزانية المعنية».

هاجس التجسس

وفي الوقت نفسه، يقول الصحافي الإسرائيلي«في العام 2013، ازداد قلق نتنياهو من التجسس الأجنبي في إسرائيل، وبدأ في اتخاذ تدابير أكثر تطرفًا لمنعه».ويضيف« أمر نتنياهو بفصل مكتب رئيس الحكومة بالكامل عن الاتصال بالكوابل خلال اجتماعات حساسة معه، خوفا من أن يتم استخدام هذه الأجهزة للتغلغل والاختراق الإلكتروني الخارجي».

ونقل عن مسؤول كبير سابق في جهاز الأمن العام «الشاباك» قوله «بالإضافة إلى ذلك، أمر بإجراء إخفاء جسدي للمناطق التي كانت متوقفة فيها قافلته، حتى لا تتمكن الأقمار الصناعية من مراقبة مكان وجوده. كان نتنياهو مقتنعا بأنهم كانوا يتجسسون عليه بكل الوسائل وفي كل زاوية».

ويعتقد برغمان أن نتنياهو كان خائفا للغاية من التسريبات حول المشروع الخاص، ولذلك عقد في العام 2013 اجتماعا مع المستشار القضائي للحكومة ورئيس «الشاباك» وغيرها من الهيئات، حيث طلب منهم دراسة وإجراء إجراءات صارمة خاصة لضمان عدم تسرب المعلومات من المشروع. وأن ذلك جاء «في سياق أزمة ثقة خطيرة بين نتنياهو وعناصر في المؤسسة الأمنية».

ويضيف برغمان «في هذا اللقاء، طلب نتنياهو من رئيس (الشاباك) مراقبة جميع الشركاء السريين في المشروع، لكنه لم يقل صراحة أنه يريد أن يتنصت ويتعقب رئيس الأركان غانتس ورئيس الموساد باردو، حيث كانوا بالتأكيد في قمة قائمة الشركاء السريين».

إنكار .. ولكن

وفي أعقاب الكشف عن أوامر نتنياهو بالتنصت، أصدر رئيس جهاز الأمن العام «الشاباك» يورام كوهين بيانا قال فيه إن «التقارير الإعلامية حول تعليمات رئيس الحكومة التي أعطيت لي أثناء خدمتي بالتنصت على هواتف رئيس الأركان غانتس والموساد باردو. غير صحيحة». وأوضح الصحافي الإسرائيلي أن هذا التصريح «يختلف كليا عما نقله العديد من المقربين لكوهين من أنه تلقى أمرا من نتنياهو بالتنصت، وأنه اعترض على تنفيذه».

ويرى برغمان أنه حدث غير عادي أن يأمر رئيس الحكومة بالتنصت ومراقبة مجموعة من الأشخاص الذين يتمتعون بالثقة الكبيرة من أجهزة الاستخبارات، والمؤسسة الأمنية، والمستوى السياسي. وأضاف«هم لا يحصلون على هذه الثقة من وقت لآخر، ولكن كل يوم وساعة، بلمس ومعاينة القضايا الحساسة طوال الوقت. إذا كان نتنياهو لا يؤمن ولا يثق بهم، فعليه أن يأمر بإجراء تحقيق معمق، على الفور، وإرسال الجميع إلى جهاز كشف الكذب».

وذكر أن الأمور لم تحدث جزافاً في العام 2013، بل «انتشرت في تربة سامة للغاية منذ بداية ولاية نتنياهو. وفي الخلفية كان الفشل منسوبا للموساد في دبي وشحذ الخلاف بين نتنياهو ومئير داغان فيما يتعلق باحتمال وقوع هجوم على إيران، فعلى المستوى الشخصي، لم يتفق نتنياهو وداغان».

ونوه إلى أن علاقات رئيس الحكومة مع الرؤساء الآخرين لأجهزة الاستخبارات كانت حافلة بلمشاكل. ويقول «مستشار الأمن القومي» عوزي أراد «نتنياهو لا يثق في أي شخص، لذا فقد قام بتحركات دبلوماسية سرية ولم يقدم تقارير إلى رؤساء أجهزة الاستخبارات، ومن لحظة إلى لحظة رأيت هاوية من انعدام الثقة بينه وبينهم».

 

ويختم قائلاً «ليست هذه هي المرة الأولى في إسرائيل التي يتم فيها تسريب معلومات وأوامر حيال المراقبة، والتنصت، لكن كل الأحداث السابقة تقع في شدة من مستوى انعدام الثقة الذي طوره نتنياهو تجاه رؤساء منظماته العسكرية والأمنية والاستخباراتية».