من يفصل فصل ما بين استحقاقي الـ 48 والـ 67 يشطب حق العودة ولا «يكسب» الدولة

تمكنت الحركة الصهيونية من إقامة دولة إسرائيل. وكان تشريد الشعب الفلسطيني من وطنه فلسطين هو الآلية العملية لتنفيذ هذا الهدف من خلال ارتكاب المجازر وترويع الفلسطينيين.

وإلى جانب النتائج المأساوية للنكبة على صعيد الشعب الفلسطيني الذي أصبح معظمه لاجئا، نشأ وضع معقد ومتناقض على المستوى السياسي الفلسطيني تمثل في وهن الحركة السياسية وتبعثرها، مقابل نهوض مهام كبرى كاستحقاق وطني فرضه وقوع النكبة وتداعياتها، إلى أن استطاعت قوى فلسطينية ناشئة استجماع طاقاتها وترتيب صفوفها وإطلاق الثورة في العام 1965.

لكن بعد أقل من ثلاثة أعوام وقعت الهزيمة في حزيران (يونيو) 1967. هنا أيضا، نشأ وضع معقد أضاف (مبدئيا) المهام المستحقة بفعل الهزيمة إلى استحقاقات النكبة ،التي كانت فصائل الثورة، حديثة التشكيل، تسعى لمراكمة قواها من أجل النهوض بها.

 

 

 

ما بعد النكبة، كان الاتجاه السائد في صفوف القوى التي أطلقت الثورة الفلسطينية هو التركيز على هدف عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، وهذا يعني بالمعنى التطبيقي تحرير فلسطين من الغزو الإحلالي الصهيوني، ومن اختلف مع هذا الطرح (إن وجد) كان خارج إطار الثورة وصفوفها في الميدان والسياسة. لكن الأمر اختلف بعد هزيمة الـ 67. فبرزت دعوات (بغض النظر عن حجمها ووضع مطلقيها) إلى إيجاد فصل بين استحقاقي الـ 48 والـ 67. وبنظر هؤلاء فإن عودة اللاجئين لم تعد منظورة في ظل نتائج العدوان الجديد، وأن التركيز يجب أن ينصب على «إزالة آثار العدوان» أي تطبيق القرار 242 بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية والعربية التي تم احتلالها عام 1967 وعودة النازحين، ولم يكن وقتها مطروحاً في الأروقة الدولية والرسمية العربية أي بحث في المستقبل الوطني( المستقل) للأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها بعدوان حزيران.

ولعل أبرز ما جاء به البرنامج الوطني المرحلي هو ربط الاستحقاقين معا، فدعا إلى تجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحقه في بناء دولة فلسطينية مستقلة على أرضه  وعودة النازحين بموجب القرار الأممي 237 كإجابة وطنية حاسمة على سؤال مستقبل الأراضي المحتلة عام 67. وأكد في الوقت نفسه على  ضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها في العام 1948 بموجب القرار 194، ونظر البرنامج إلى ترابط الأهداف الوطنية انطلاقا من ترابط حقوق الشعب الفلسطيني بعناوينها الأساسية. واعتبر أيضا أن العمل الوطني الفلسطيني في سياق السعي لتحقيق هذه الأهداف يجب أن يشكل بالضرورة سلسلة متتالية ومترابطة من المحطات لا ينبغي فصل أية حلقة منها (كهدف قيام الدولة) عن سائر الحلقات الأخرى، وفي الأساس عن استحقاقات النكبة بضمان حق العودة، وغير ذلك مما يوجبه تحقيق هذا الهدف الوطني الكبير.

وإذا كان الوضع الفلسطيني على المستويين السياسي والشعبي في تلك الفترة منع تمدد دعوات الفصل بين الاستحقاقين الكبيرين، إلا أن أصحاب هذه الدعوات وجدوا في الطلب الأميركي للحوار مع منظمة التحرير انعطافه في سياسة واشنطن تجاه حقوق الشعب الفلسطيني بتأثير من الانتفاضة التي كانت في أوج زخمها، واحتلت صدارة الاهتمام الاقليمي والدولي. ويمكن القول إن الرهان على الدور الأميركي بدأ قبل عقد الجلسة الأولى للحوار الذي ترأس فيها الوفد الأميركي سفير واشنطن في تونس بيترلو. وفي نظر المرحبين بالحوار في ذلك الوقت(1988)، فإن ثمار الانتفاضة قد نضجت وينبغي قطافها، وأن ماأسموه  بالانعطافة في الموقف الأميركي يشكل عرضاً مغرياً، ولأجل محدود، وقد يتلاشى إذا لم يتم التقاطه.

وفي ظل الخلاف داخل منظمة التحرير حول هذه المسألة بالغة الأهمية، كان واضحاً أن الاتجاه المهلل لـ«الفرصة» الأميركية بدأ سعيه لتحويل نفوذه في المنظمة ومؤسساتها إلى سياسات نافذة باسمها، وإن تعارضت مع عناوين البرنامج الوطني الائتلافي. وربما شكل ذلك بداية الانطلاق نحو تنفيذ الانقلاب السياسي على هذا البرنامج، وترسم الانقلاب فعلياً مع توقيع اتفاق أوسلو وما فتح عليه ذلك من كوارث متلاحقة.

وبذلك، نجحت واشنطن في الالتفاف على الانتفاضة وأهدافها في الحرية والاستقلال الناجز، من خلال إغواء القيادة المتنفذة في المنظمة بوهم إمكانية قيامها بدور وسيط حقيقي في حل الصراع الفلسطينيي ـ الإسرائيلي بما يستجيب لمطلب قيام دولة فلسطينية ، دون أن يهتم الطرف الفلسطيني الذي انخرط في التسوية بربط قيام الدولة مع ضمان حق عودة اللاجئين.

الاستحقاقات الوطنية التي ولدّتها هزيمة الـ 67 على الجبهة الفلسطينية معروفة، وأقرت في هيئات دولية ورسمية عربية، تنطلق من إقرار مبدأ حق تقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وهذا يفترض انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من جميع الأراضي الفلسطينية التي احتلت بما فيها القدس الشرقية وتفكيك الاستيطان وترحيل المستوطنين ربطا بمبدأ عدم جواز تغيير معالم الأراضي التي يتم احتلالها من قبل قوة أجنبية، وعودة النازحين الفلسطينيين ، الذين هم أيضا، مثل اللاجئين، شكلت لهم (حسب أوسلو) لجنة خاصة اجتمعت مرات عدة دون أن تخرج بما يشير إلى إمكانية تنفيذ القرار المذكور.

وبواقعية، يمكن للباحث في الشأن الفلسطيني أن يتلمس خطا «مستقيما» مباشرا بين «ترسيم» دعوات الفصل بين استحقاقي 48 و67 وبين الصورة الحاضرة اليوم بما يخص ليس فقط مستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين، بل وأيضا مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 67، التي حاول أصحاب هذه الدعوات تسويغ «رؤيتهم» بأنها تخدم هدف إقامة الدولة المستقلة وتقطع الطريق على مواصلة الاستيطان. وأضافوا حينذاك بأن ربط هدف قيام الدولة الفلسطينية بضمان حق عودة اللاجئين إنما يلغي تحقيق الهدفين معا.

 

على كلٍ، من ينظر اليوم إلى خريطة الاستيطان في الضفة ومشاريع التهويد في القدس، والخطاب السياسي لحكومة نتنياهو يتأكد من عدم صلاحية الطرح المذكور، وأن الذي يمكن أن يؤدي إلى شطب الاستحقاقين معا هو عزل أحدهما عن الآخر، لسبب بسيط ومعروف وهو أن اسقاط وتجاهل حق عودة اللاجئين يعني إزاحة أصحاب المصلحة في تحقيقه (وهم ثلثا الشعب الفلسطيني) عن ساحة المواجهة، أي أن أصحاب هذه الدعوة يفرغون العمل الوطني الفلسطيني من حامله الاجتماعي والسياسي.. الشعب.