عرض الأول أمام الجمهور، وضعت فاطمة إسبر لوحة بيضاء كبيرة كي تتلقى عليها انطباعات المشاهد حول لوحاتٍ تعكس شغفها باللون واحتفاءها به وبالإنسان. ويأتي هذا المعرض بعدما اختارت إسبر أن تتفرّغ تماماً للرسم في العام 2018، عقب مسيرة أكاديمية حافلة، هي الحائزة شهادة دكتوراه في نقد الشعر الحديث من قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة «أورتفوش أورلاند» في بودابست.


وعن تأثير دراستها الشعرية والنقدية على فنها التشكيلي، تجيب فاطمة إسبر قائلةً: «بالتأكيد، ثمة علاقة مباشرة بينهما، فالشعر حين يكون مختلفاً ويحمل رؤىً جديدة ومبتكرة، يدخلني في تلك الأجواء التي تتراءى فيها الصور التي تشكّلها الكلمات في خيالي وتجذبني، وبالطبع تتغلغل في اللاوعي والوعي. تأثرت بالشعر العربي القديم والحديث، خصوصاً بشعر أخي أدونيس الذي قدم لي عوالم مختلفة ومتفردة. لكنني غالباً عندما أبدأ الرسم أكون على قطيعة تامة مع ما حولي ومع قراءاتي، فلا أفكر في أي شيء أبداً. أعمل فقط بكل مشاعري على إخراج هذا التصور الذي يتكوّن داخل عقلي، والحقيقة أنّ القراءات الشعرية الجميلة تؤثّر بي أكثر من المشاهدات البصرية والأعمال الفنية التي أراقبها فقط من أجل تعلم التقنيات».

وعن دخولها عالم التصوير الزيتي متأخرة وعما إذا كان معرضها استجابة فطرية للفن أو نتيجة دراسة أكاديمية تلقتها تجيب إسبر: «أحببت الرسم منذ طفولتي، ولكن لأسباب عملية اتجهت نحو دراسة مختلفة. دخلت دار المعلمات ثم تابعت دراستي في اللغة العربية التي أحبها أيضاً ومارست التعليم الذي أحببته جداً، ولكن بقي حبي للرسم قوياً حتى قررت أن أتفرّغ له جدياً منذ العام 2010. لم أدرس الرسم دراسة أكاديمية، لكنني سمعت آراء لفنانين كبار يعتبرون أن الدراسة الأكاديمية تعلم المهارة والتقنية لكنها لا تخلق فناناً». وعن تأثير الحرب السورية في لوحاتها، تعتبر إسبر أن ما حدث في سنوات الحرب، لا يستطيع الفنّ بكل أنواعه أن يغطي إلا القليل من هوله. «ولعلّ «الكاميرا» هي الأجدر بتوثيق مثل هذه الأهوال، ولكن بالتأكيد سوف تظهر تأثيرات الحرب في اللوحات سواء في جغرافيا الوجه أو جغرافيا الجسد وفي اللون».

في خطوة جريئة، قامت اسبر بنشر مجموعات من أعمالها الأولى على شبكات التواصل الاجتماعي، فما هو تقييمها للتجربة؟ تجيب قائلة: «صممت هذه المجموعات الثلاث على برنامج «الرسام» ولاقت إعجاب الكثيرين، وهي: مجموعة «أثر الفراشة»، ومجموعة «نساء على الصليب»، و مجموعة «وحين يضيئنا الحب يستضيء بنا العالم». وقد تحولت ثمانية أعمال منها إلى أغلفة لدواوين لشعراء في سورية ولبنان وبرلين والمغرب وتركيا... وهي بدايات من أعمال الكولاج والتصاميم على الكمبيوتر. كما أنني قمت بتصميم بعض الأعمال الفنية على بعض القصائد لأدونيس. وبعدما نشرت مجموعة سابقة على صفحتي الفايسبوكية، كثيرون سألوني عن هذه التقنية والألوان. وثمّة طالبة عربية تدرس في جامعة مانشستر، طلبت مني أن تستخدم لوحات من هذه التجربة لدراسة مقارنة اعتمدت فيها على برنامج الرسام البسيط في الكمبيوتر بواسطة الوامض الذي استخدمته كما لو أنه قلم ملون، ولكن حين تسحب هذه الصور يكون مقاسها بحجم كتاب متوسط، وهذه الصور سوف تكون مشروعاً لكتاب مشترك بين الكتابة والرسم».

لاحظنا خلال المعرض طغيان اللون الأحمر على سائر الألوان الأخرى، فما الذي يقدمه لها هذا اللون؟ تجيب إسبر بالقول: «الشائع في توصيف اللون الأحمر أنه لون الدم والعنف والحرب... ولكنه عندي، بالإضافة إلى ذلك، هو الضوء. فالدم هو شعرياً ضوء أيضاً لأن الحرية ضوء، والشمس حين تشرق تكون حمراء وحين تغرب أيضاً تكون حمراء، وهي نور وحرية. واللون الأحمر، على رغم نيرانه، هو ترابي، لذا فإنه يذكرني بشقائق النعمان في ربوع قريتي قصابين وكيف كنا نختبئ بينها أنا وأخوتي حين كنّا صغاراً. أظن من أجل كل ما ذكرت، أظنني أجد نفسي وأنا أرسم في خضم الأحمر. هذا اللون هو بالتأكيد مرحلة لن تغادرني تماماً، إنما بدأت مرحلة جديدة لاستخدام اللون الأحمر فيها حضور قليل وخاطف ومختلف».