مع العام الثاني والخمسين لذكرى نكسة حزيران انتقلنا من «إزالة آثار العدوان» الى التعلق بـ «صفقة العصر»

تدخل نكسة حزيران 67(الطبعة الأخرى من نكبة 1948) عامها الثاني والخمسين، وما زال شعار «محو آثار العدوان» لم يحقق أهدافه بعد. مصر السادات دخلت مع الإسرائيليين مفاوضات منفردة، وحققت « معاهدة كامب ديفيد للسلام». وكذلك فعلت القيادة الرسمية الفلسطينية في خطوة انقلابية في 13/9/1993، حين وقعت اتفاق أوسلو، وبعدها الأردن في معاهدة وادي عربة. ومع ذلك، فما زالت الأرض الفلسطينية تحت الإحتلال، وكذلك الجولان السوري المحتل، ومزارع شبعا في جنوب لبنان، وأجزاء من وادي الأردن، حيث مازالت تقوم أربع مستوطنات إسرائيلية. هذا اذا ما اعتبرنا أن شعار «إزالة آثار العدوان» يتعلق فقط باستعادة الأرض التي احتلت في الحرب العدوانية في 5 حزيران (يونيو) 67. علماً أن حصر الشعار بهذه التغطية وحدها يشكل قفزاً عن مفهوم العدوان وأهدافه الحقيقية.

فالعدوان (اذا اكتفينا بوصف ما جرى في 5 حزيران بأنه مجرد عدوان) حقق هدفاً كبيراً حين اخترق الصف العربي، وانتزع مصر من يديه لصالح معاهدة منفردة أخرجت القاهرة من دائرة الصراع المباشر مع العدو الإسرائيلي، وحولت النظام السياسي المصري، من السادات الى مبارك الى اللحظة الراهنة من شريك، الى شريك في قضايا، ووسيط بين الإسرائيليين والفلسطينيين في قضايا أخرى.

أما في الجانب الأردني فالرحلة طويلة جداً، ومفاصلها أكثر تعقيداً من محاور الصراع الأخرى، وما زالت الالتباسات، وعلامات الغموض تلف العلاقة بين عمان وتل أبيب، لأن المشروع الصهيوني في مضمونه، أوسع بكثير من احتلال قطعة أرض (على الأهمية الفائقة لذلك) وهو في حقيقته يطال مجمل الحالة العربية في عناوينها وميادينها المختلفة. لذلك تبدو العلاقة، على سبيل المثال، على جبهتي مصر والأردن، مركبة ومعقدة، فهي تقوم على معاهدات سلام، موقعة على أعلى المستويات، وهي تقوم في الوقت نفسه، على أساس من التناقض الموضوعي، الذي لم ينجح في أن يضع للصراع نهاية مع عمان أو مع القاهرة، وعلى الأخص مع الفلسطينيين الذين مازالت قيادتهم الرسمية تصف مفاوضاتها مع الجانب الإسرائيلي بـ «العملية السلمية»، ومازالت تبحث عن السلام مع إسرائيل، وكأنها «أعمى يبحث في غرفة مظلمة عن قطة سوداء، والقطة غير موجودة أصلاً».

* * *

العدوان الإسرائيلي، كتعبير حي عن المشروع الصهيوني لا يستهدف الأرض فقط. لعل القادة التاريخيين لإسرائيل، وفي مقدمهم شمعون بيريس، أدركوا بخبرتهم ووعيهم لواقع الحال، استحالة أن تمتد إسرائيل، دولة واحدة موحدة، وتفرض سيادتها الكاملة من الفرات للنيل. لذلك يتحول العدوان عند هؤلاء الى مشاريع براقة، تخاطب المشاعر، والعقول معاً، تمارس العدوان، بأساليب «سلمية»، لتحقق الأهداف نفسها. وهي بالتالي، وإن كانت لا تستطيع السيطرة العسكرية على الأرض، فإنها تفرض عليها هيمنتها بأساليب أخرى. من هذه الأساليب:

•  تمارس عدوانا دائماً على التاريخ والذاكرة، والوعي، لتعيد صياغة تاريخ المنطقة، ليصبح «بني إسرائيل» هم أصحاب الأرض، أما العرب فغزاة من الجزيرة. ويتحول الإحتلال إلى تحرير للأرض الإسرائيلية.

• تمارس عدوانا على ثقافتنا، من خلال تكريس مفهوم «اللاسامية»، تهمة تلحق بكل من ينتقد الممارسات الإستعمارية الإسرائيلية، وليس غريباً بعد هذا أن يطالبنا الأميركيون بوقف «التحريض» ضد الإحتلال وضد إسرائيل، وأن تجهد بعض مؤسسات المجتمع المدني الممول أميركيا وأوروبيا في نشر «ثقافة السلام» (قل ثقافة الإستسلام) وثقافة «التسامح مع الغير» (قل ثقافة الخضوع للإحتلال وممارساته، وإدانة خيار المقاومة بأشكالها المختلفة بإعتبارها إرهاباً وعدواناً على إسرائيل يعطيها الحق في الدفاع عن نفسها)

• أما بالنسبة للفلسطينيين، بشكل خاص، فهي تدمر إقتصادهم لتلحقها بهم وتقيدهم بمصالح يصعب الفكاك عنها بإجراءات عادية، وتدمر قيمهم لصالح قيم بديلة تنظر إلى الأمور بسطحية، وتشوه قدرتهم على إدارة شؤونهم بأنفسهم، ليبدوا في أعين المجتمع الدولي فئة قاصرة، عاجزة عن بناء كيانها الخاص بها. لا يصح معها إلا الوصاية السياسية والأمنية والإلحاق الإقتصادي. وهذا ما نجحت إسرائيل في تحقيقه عبر تطبيقات إتفاق أوسلو، بوعي مسبق لأهدافها من الإتفاق، وإستغلالاً منها لسذاجة القيادة الرسمية وتلهفها على حلول فاسدة، أثبتت التجربة مدى عقمها.

 

*  *   *

 

ونحن ندخل العام الثاني والخمسين للنكسة، دعونا نصارح أنفسنا أننا لم ندخل بعد مرحلة «إزالة آثار العدوان»، بل دعونا نصارح أنفسنا، ونعترف أننا ندخل، مع إدارة ترامب مرحلة قطف ثمار جديدة  لنكسة حزيران التي لم تتوقف فصولاً منذ العام 1967.

وما «صفقة العصر» التي ولدت في أحضان مؤتمر الرياض، بين إدارة ترامب وممثلي أكثر من خمسين دولة عربية ومسلمة، إلا ثمرة كبرى من ثمار حزيران 67. تهدف إلى إسقاط شعار «إزالة أثار العدوان» لصالح شعارات بديلة تقوم على تقديم الطرف الإسرائيلي كأحد أهم الأطراف في معادلة إقليمية جديدة، تنقل إسرائيل من موقع العدو إلى موقع الحليف، وتحول القضية الفلسطينية من القضية الأولى للعرب إلى مجرد قضية فرعية، لابد من إزالتها سريعاً، ليمر قطار الحلف الإقليمي العربي ـــــ الإسرائيلي، تحت الرعاية الأميركية.

هذه الإستدارة الكبرى قد نجد جذرها في النهج الساداتي الذي انقلب على سياسة الراحل جمال عبد الناصر, وقد نجد أسبابها (أو بعضاَ من أسبابها) في الأخطاء القاتلة التي ارتكبها صف واسع من القادة العرب عطلت بناء الدولة الوطنية، دولة الإستقلال والسيادة والكرامة الوطنية والعدالة الإجتماعية, وتجد أسبابها، دون أدنى شك، في الإنقلاب السياسي الذي قامت به القيادة الرسمية الفلسطينية على البرنامج الوطني والتحقت بمسارات التسوية خارج منطوق الشرعية الدولية ومنطوق الحقوق المشروعة لشعب فلسطين وقبلت حل أوسلو، الذي مازال يزرع كوارثه حتى اللحظة، في القدس، وفي نهب لأرض، وتهديد مستقبل وحقوق اللاجئين، والتمهيد لشطب مشروع الإستقلال والسيادة لصالح حلول هزيلة.

بالمقابل، ومنذ 5 حزيران 67 وحتى اللحظة والمقاومات العربية للمشروع الصهيوني لم تتوقف. أخذت أشكالاً مختلفة. وسادت المنطقة العربية كلها، من موريتانيا حتى العراق عبرت عنها الحالة الشعبية بقواها السياسية الوطنية والقومية والتقدمية واليسارية والليبرالية، بالأساليب الممكنة والمتاحة، بما في ذلك في نضالاتها ضد الأنظمة الفاسدة والمهترئة ولصالح الدولة الوطنية البديلة. هذه هي العقدة الكبرى التي تعطل المشروع الصهيوني، والتي حافظت على بقايا شعار «إزالة آثار العدوان». هذه «العقبة»، تحتاج من الدوائر المسؤولة فيها إلى خطوات تطويرية للأسس والمتطلبات والآليات، ليستعيد شعار «إزالة أثار العدوان» مضمونه الحقيقي، من فلسطين، إلى لبنان، إلى الجولان وإلى باقي العواصم العربية.

فالعدوان لم يعد يطال ما يسمى بالجوار العربي لإسرائيل، بل هو عدوان يتحدى المنطقة العربية برمتها. وهذا هو جوهر الموضوع، ومدخله الحقيقي.