قدمت المقاومة الشعبية «السلمية» في القطاع تجربة رائدة ونموذجاً استعاد تجارب الانتفاضة الأولى ودروسها

 

عندما انطلقت «مسيرات العودة وكسر الحصار»، أدركت رموز أوسلو، منذ اللحظة الأولى، أنها مستهدفة بهذه التحركات، أقلاّ لمسؤوليتها عن العقوبات الجائرة المفروضة على قطاع غزة، على وهم أن القطاع سينفجر يوماً ما ضد حركة حماس باعتبارها السلطة القائمة فيه، بعد أن قطعت حكومة رام الله علاقاتها بأهله، بذريعة الرد على المحاولة الغامضة لاغتيال رئيس حكومة السلطة ومرافقيه.

حاولت رموز أوسلو أن تتصرف بشيء من المكابرة السياسية، فأعلنت عمّا أسمته ارتياحها لأن فصائل المقاومة المسلحة في القطاع ـــ على حد قولها ــ اقتنعت أخيراً بجدوى المقاومة الشعبية «السلمية» بديلاً للأعمال العسكرية، والتي ــ دوماً برأي رموز أوسلو ــ لم تعد على الشعب الفلسطيني إلا بالدمار والكوارث.

لكن، عندما تصاعدت المقاومة الشعبية «السلمية» في مسيرات العودة وكسر الحصار، وجدت رموز أوسلو نفسها في دائرة الإحراج. إذ قدم قطاع غزة، بقيادة الهيئة الوطنية لمسيرات العودة وكسر الحصار (الجبهة الديمقراطية ــ حماس ــ الشعبية ــ الجهاد ــ فتح وباقي القوى والفعاليات السياسية المجتمعية) تجربة رائدة في أساليب المقاومة الشعبية (السلمية) استعادت بعض تجارب القيادة الموحدة في الانتفاضة الوطنية الأولى، إن في تشكيل «قيادة موحدة» لها لجان باختصاصات مختلفة، أو في تسمية أسابيع الغضب بعناوين ذات مضمون سياسي تعبوي، أو في استقطابها الحالة الجماهيرية الفلسطينية في مناطق الوجود الفلسطيني كافة ( الـ48 ــ الـ67 ــ الشتات والمهاجر). وصارت الأنظار تتجه كل يوم جمعة نحو قطاع غزة لمتابعة الملحمة الشعبية التي حولت القطاع، بتضحياته، وصموده، وثباته، وحشره للاحتلال في الزاوية السياسية الضيقة، الى نقطة الاستقطاب الوطني الفلسطيني المركزية، ما سحب الغطاء السياسي عن أوسلو، ورموزه، وسلطته، ورسم المسافة الواسعة التي تفصل بين استراتيجيتين: استراتيجية الرهان على الوعود والاحتمالات وعلى بقايا أوسلو، ما يتطلب محاصرة الحركة الشعبية والتضييق عليها كي لا تتجاوز حدود الرهانات الفاشلة. واستراتيجية الاشتباك في الميدان، ما أطلق طاقات الحركة الشعبية، وأبرز مرة أخرى عناصر القوة الفلسطينية الملقى القبض عليها بقوة التنسيق الأمني، وأعاد القضية الفلسطينية الى دائرة الاهتمام العربي والاقليمي والدولي. ولعل رد الفعل الدولي، بعد ملحمة 14/5/2018 دليل ساطع على ذلك.

 

*    *    *

 

للأسف، انزلقت بعض النخب الفلسطينية داخل المناطق الفلسطينية وخارجها، الى دائرة النقاش غير المجدي، في السؤال عن الأسلوب النضالي الأكثر نجاعة ضد الاحتلال: هل هو الانتفاضة الشعبية «السلمية»، أم الكفاح المسلح. وأمام عظمة تضحيات «مسيرات العودة وكسر الحصار» سقط بعض هؤلاء في الفخ، حين بهرته هذه التضحيات، وحين تجاهل، في الوقت نفسه، عظمة التضحيات التي قدمها الفدائيون والمقاتلون الفلسطينيون والعرب والأمميون، في صفوف الثورة الفلسطينية في مراحل النضال المختلفة. وانحاز لصالح المقاومة الشعبية وكأنه يدين في الوقت نفسه تجارب الكفاح المسلح. هذه سقطة خطيرة. لأنها لا تحاكم التجارب في سياقها التاريخي، بل تحاكمها بمنطق استرجاعي محكوم بعناصر اللحظة الراهنة. فضلاً عن أن هذه السقطة تنظر إلى أساليب الكفاح والنضال وكأنها وصفات جاهزة، وأن على الشعب الفلسطيني أن يختار واحدة من هذه الوصفات نقلاً عن تجارب الآخرين. فالذين بهرتهم تجارب الهند يتمسكون بالمقاومة السلمية. والذين بهرتهم تجارب أخرى كالجزائر واليمن الجنوبي، وبعض مراحل النضال في المغرب وليبيا، وفي فيتنام وكوبا وغيرهم، ينحازون للكفاح المسلح، حتى أن البعض اعتبر أن هذا الأسلوب هو الأسلوب الوحيد الصالح لإنجاز برنامج الخلاص من الاحتلال متجاهلاً في الوقت نفسه أن ما قد يصلح للضفة الفلسطينية، في ظرف ما، قد لا يصلح لقطاع غزة، وأن ما يصلح لمخيمات لبنان، لا يصلح كطبعة منقولة لمخيمات سوريا. فالشعب الفلسطيني يعيش في ظروف سياسية واقتصادية وأمنية متباينة، وبالتالي يفترض بالعقل السياسي أن يبتدع الأساليب النضالية التي تخدم المصلحة الوطنية في اللحظة المعينة، لا أن يخضع الأمر للمزاج، أو لمعايير مسبقة أو لمقاييس فكرية، تصر على إسقاط نفسها على واقع مغاير، لا تتوفر فيه ظروف تقبلها.

*     *      *

العنصر الجوهري في هذا كله، يبقى عنصر البرنامج والخيارات السياسية. وعلى قاعدة البرنامج السياسي وأهدافه وخياراته، تبنى أساليب النضال.

لذلك يتوجب القول إن مشروع أوسلو المقيد بالاعتراف بإسرائيل، وبالتعاون الأمني معها(تحت عنوان التنسيق الأمني) والمرتبطة مصالح أصحابه الاقتصادية بالمصالح الاقتصادية لإسرائيل، قد يكون هدفه المعلن هو الاستقلال، لكن خياراته للوصول إلى هذا الاستقلال، ستبقى محكومة بقيود الاتفاق وإلتزاماته. من هنا تأتي دعواته للمقاومة الشعبية «السلمية»، ليس انطلاقاً من القناعة بدور الشارع ودور الجماهير في النضال، وليس انطلاقاً من القناعة بعنصر القوة المتمثلة في الشارع، بل من أجل الالتفاف على الشارع، وعلى دوره في رسم أهداف النضال وآلياته، ومن أجل حجز الإرادة الشعبية في قفص التنسيق الأمني، والتبعية الاقتصادية، ولصالح خيار وحيد، يقدم نفسه باعتباره «مثالياً» يرفض العنف «أياً كان مصدره»، أي خيار المفاوضات الثنائية خارج رعاية الأمم المتحدة وقراراتها الملزمة. وهو خيار تسقط مثاليته حين يرفض «العنف» إذا كان مصدره الشارع الفلسطيني (لأنه يحرجه أمام الجانب الاسرائيلي) ولا يقوم بما يلزم ليلجم العنف الاسرائيلي، إن على يد جنود الاحتلال أو على يد عصابات المستوطنين.

أما المشروع الوطني (العودة وتقرير المصير والاستقلال والحرية والكرامة الوطنية) فهو مشروع متحرر من كل القيود، سوى إلتزامه الحقوق الوطنية المشروعة غير منقوصة، وهو يعتمد الخيارات كافة، في إطار متكامل، تتوحد فيه هذه الخيارات، لتشكل استراتيجية نضالية بعناصرها المختلفة، تقوم على مبدأ المقاومة، بتجلياتها المختلفة. من المقاومة المسلحة، حيث يتطلب الأمر، إلى المقاومة الشعبية، باعتبارها الخيار المركزي، بإبداعاتها المبتكرة والعبقرية، إلى كل أشكال المقاومة، في الثقافة، والإعلام، والتربية، والسياسة، والحراك الدبلوماسي، والاقتصادي وغيره.

ما أحرج قيادة أوسلو، ليس أن المقاومة الشعبية لم تعد سلمية. هي بقيت سلمية، لكن من جانب واحد، هو الجانب الفلسطيني. وتحولت إلى مقاومة عنيفة، ودموية، على يد قوات الاحتلال.

 ما أحرج قيادة أوسلو، إن «مسيرات العودة وكسر الحصار» كشفت أن هذه القيادة متورطة في فرض الحصار، بإجراءاتها العقابية و:

• أن هذه القيادة مقيدة بإتفاق أوسلو، وبالتالي هي لا تريد أي شكل من أشكال المقاومة، مسلحة كانت، أم شعبية، عنيفة كانت أم سلمية.

• أن هذه القيادة سقطت في أكثر من امتحان عندما بقيت ردود فعلها على المجازر الاسرائيلية أدنى بكثير مما تفرضه عليها مسؤوليتها عن الشعب وأرضه وقضيته.

وهو ما يدعو للتساؤل بجدية كاملة:

 

هل مازالت القيادة الرسمية على قناعة بالمقاومة الشعبية السلمية حقاً؟