لم يتلازم المساران السياسي والتنظيمي في عمق المعالجة والنتائج، في أعمال المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الأخيرة في 30/4/2018.

ففي الوقت الذي أعاد فيه المجلس التأكيد على قرارات المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين، والإعلان عن إلغاء الاتفاقات الموقعة مع الجانب الاسرائيلي، بالتأكيد أنها «لم تعد قائمة»، وحسم الأمور بالمقابل، عبر التأكيد أن قراراته ملزمة لهيئات م.ت.ف، والسلطة الفلسطينية، وأن على هذه الهيئات العمل على تنفيذ هذه القرارات.. في الوقت نفسه، غابت القضايا التنظيمية عن البيان الختامي، رغم إدراك الجميع أن الطريق إلى ضمان تنفيذ القرارات، هو في إدخال الاصلاحات الضرورية على المؤسسة الفلسطينية، لتنتقل من الاستراتيجية التفاوضية العبثية، إلى استراتيجية الخروج من اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس والتزاماتهما.

ولعل الدروس الغنية لقرارات المجلس المركزي تشكل نموذجاً صالحاً لاستيعاب التجربة. ففي ظل سياسة تهميش مؤسسات م.ت.ف، وتذويبها التدريجي في مؤسسات السلطة، وحلول المطبخ السياسي محلها، بقيت قرارات «المركزي» حبراً على ورق، بل تحولت إلى ورقة مقايضة مع الجانب الأميركي، بحيث تلتزم القيادة الرسمية تعطيل هذه القرارات، مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم نقل سفارتها إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل. ما جرى أن الولايات المتحدة أخلت بتعهدها، ونقلت سفارتها إلى القدس، وشطبت قضية اللاجئين من معادلتها السياسية للحل، وشرعت الاستيطان، وألغت مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 4حزيران، ومازالت قرارات المجلس المركزي معطلة، دون أن تتوفر لآلية العمل المعتمدة في مؤسسات م.ت.ف، الفرصة والإمكانية والقدرة على المراجعة النقدية، أو السماح بهذه المراجعة. لأن مضمون المراجعة معناه الخروج من حالة لصالح الانتقال إلى حالة أخرى.

المراجعة النقدية ...غائبة

قرارات المجلس الوطني خلت من أية مراجعة نقدية، بل قفزت فوراً إلى تبني قرارات المجلس المركزي مع بعض الإضافات والتطويرات. السبب في ذلك أن القيادة الرسمية، بما تملكه من موازين قوى ونفوذ، وبعد حالة الإهتراء التي حلت بمؤسسات م.ت.ف، ترفض هذه المراجعة، وترفض إدخال إصلاحات جذرية على مؤسسات م.ت.ف، تعيد رسم حدود صلاحيات السلطة الفلسطينية على قاعدة أن م.ت.ف هي المرجعية السياسية العليا، وهي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي المعنية بإدارة العملية الكفاحية، أما واجبات السلطة ووظيفتها فتوفير الخدمات الإدارية المعيشية اليومية للشعب الفلسطيني، باعتبارها إدارة ذاتية على السكان، كما جاء في اتفاق أوسلو، لا تملك صلاحية القرار السياسي.

والدليل على ذلك أن السلطة الفلسطينية مازالت، حتى اللحظة، تتجاوز قرارات المجلسين الوطني والمركزي، وتلتزم اتفاقات أوسلو، وبروتوكول باريس الاقتصادي، بما في ذلك إلتزام التنسيق الأمني، وإلتزام الاتفاقات الاقتصادية الجائرة، وإدارة الأمور اليومية، تحت السقف السيادي الاسرائيلي المنخفض، وكأنه لم تعقد دورات لا للمجلس الوطني، ولا للمجلس المركزي، وكأنه ليست هناك قرارات بفك الارتباط بهذه القرارات، وسحب الاعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، والانفكاك عن الاقتصاد الاسرائيلي.

ما جرى في المجلس الوطني أنه أعيد تشكيل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأنه جرت تسمية الأعضاء «المستقلين» في المجلس المركزي «الجديد». أما باقي القضايا التي يمكن إدراجها تحت بند الشؤون التنظيمية، فقد أحيلت إلى اللجنة التنفيذية ورئاسة المجلس الوطني، للعمل معاً، على معالجتها دون تحديد سقف زمني لإنجاز هذه المهمة. وبالتالي فإن هذه الخطوات أبقت الأوضاع التنظيمية للمؤسسة على ما هي عليه، بل ويمكن القول إنها شكلت خطوة إلى الوراء مقارنة عما كانت عليه الأمور عشية انعقاد الدورة الأخيرة للمجلس الوطني.

«التنفيذية» ولعبة المستقلين..

• «فانتخاب» اللجنة التنفيذية شهد ارتباكاً واضحاً لدى أركان المطبخ السياسي. فقد رفض المجلس، وبشكل خاص أعضاء وازنين في اللجنة المركزية لفتح، اللائحة الأولى التي قدمها رئيس السلطة وقد ضمت على سبيل المثال رئيس الحكومة رامي الحمد لله، ووزير الخارجية في حكومة السلطة رياض المالكي، في إشارة واضحة إلى أن الاتجاه الغالب لدى المطبخ السياسي التوغل أكثر في تهميش مؤسسات م.ت.ف، وتغليب مؤسسات السلطة من خلال اقتحام رموز السلطة لمؤسسات م.ت.ف، وبالتالي، وبدلاً من الفصل بين صلاحيات مؤسسات م.ت.ف، وصلاحيات السلطة، لصالح م.ت.ف، شكلت لائحة المطبخ السياسي خطوة إضافية نحو تذويب المنظمة ومؤسساتها في السلطة الفلسطينية. من هذ الإرباك تخوفت القيادة الرسمية من طرح عضوية «التنفيذية» على التصويت بالإنتخابات السرية، حتى لا تفقد السيطرة على التشكيل الجديد للجنة التنفيذية. لذلك دخلت في مفاوضات مع أطراف اللجنة المركزية لفتح، بشكل رئيس، إلى أن تبلورت الصيغة الجديدة التي لم تطرح على الإنتخاب، بل جرى «الترحيب» بها بالتصفيق، بما لهذا من دلالة على طبيعة وآلية وصيغة ولادة اللجنة التنفيذية الجديدة.

في السياق نفسه يلاحظ أن التشكيل الجديد للجنة خالف ما تمً التوافق عليه بين القوى السياسية مع المطبخ السياسي عشية إنعقاد المجلس الوطني، بحيث تتشكل من فتح (3 أعضاء) وباقي الفصائل (ممثل واحد لكل فيصل) وخمسة مستقلين، على أن يكونوا حقاً مستقلين ولا يجري تهريب أحد، من فتح، بإعتباره مستقلاً.

ما جرى فعلاً أنه تم «تهريب» اثنين كحد أدنى من المستقبلين، هما في واقع الحال أعضاء في فتح وهما: أحمد بيوض التميمي وأحمد أبو هولي، أما باقي المستقلين فأن اثنين منهم على الأقل محسوبون على رئيس السلطة شخصياً، وأن لم يكونا من فتح. ما يعني أن اللجنة التنفيذية باتت في غالبيتها الساحقة من فتح والموالين للرئيس عباس، خاصة إذا ما احتسبنا ممثلي جبهات النضال، والفلسطينية، والعربية. ونقلاً عن مراقبين فإن اللجنة التنفيذية الجديدة تشكل خطوة إلى الوراء مقارنة مع اللجنة السابقة.

.. و«المركزي» أيضاً

• وما جرى مع «التنفيذية»، جرى مثله مع تشكيل المجلس المركزي، إذ لوحظت هجمة على عضوية المجلس من بين «المستقلين». وعندما انتهت المشاورات، جرت تسمية 37 عضواً «مستقلاً» في المجلس، على أن تسمى الفصائل، والإتحادات ممثليها. لكن، وكما وقع مع «التنفيذية»، وقع مع المجلس المركزي، إذ تبين أن 12 عضواً «مستقلاً»، هم أعضاء في فتح، بمن فيهم أعضاء في المجلس الثوري للحركة. وأن معظم الباقين من المحسوبين مباشرة وبصلة وصل وثيقة مع المطبخ السياسي. ما يعني أن المطبخ السياسي نجح في إغراق المجلس المركزي بالأغلبية «العددية»، كما كان قد أغرق المجلس الوطني بأغلبية مماثلة. وما يعني أيضاً أن سطوة المطبخ السياسي مازالت قبضتها قوية على اللجنة التنفيذية، وعلى المجلس المركزي، وبالتالي فإن الرهان على دور متميز لهاتين الهيئتين، يتجاوز سلبيات الماضي، هو رهان ضعيف جداً.

• كذلك تخلى المجلس الوطني على صلاحياته في تشكيل اللجان البرلمانية المعنية بالرقابة التشريعية الدورية على أداء اللجنة التنفيذية ورئيسها، خاصة وأن المطبخ السياسي يدرك أن تشكيل هذه اللجان سيأخذ بالإعتبار التوافق الوطني بين الفصائل، مما قد يشكل قيداً على دوره في إدارة الملف الوطني, لذلك أحيلت هذه القضية إلى إطار مشترك من اللجنة التنفيذية، ورئاسة المجلس الوطني، وهو أمر مثير للإستغراب، إذ كيف يحق للسلطة التنفيذية (أي اللجنة التنفيذية) أن تكون شريكاً في تشكيل لجان الرقابة التشريعية على أدائها هي. وهو ما يقود إلى التوقع أن هذه القضية قد لا ترى النور، وأن قرارها سيبقى حبراً على ورق كغيره من باقي قرارات المجلس الوطني، وقبله المركزي.

• أما الصندوق القومي الفلسطيني، الذي شكل عنواناً رئيسياً في مسألة الإصلاح الديمقراطي لمؤسسات م.ت.ف، فقد جرى تغييبه. إذ كان يفرض أن يشكل المجلس الوطني إدارة هذا الصندوق، وأن ينتخب رئيسه، ليكون عضواً في اللجنة التنفيذية وخارج سيطرة رئيس اللجنة ورئيس السلطة، ويمارس دوره باستقلالية تامة وفقاً لقرارات المجلس الوطني. غاب ملف الصندوق القومي. وغاب ملف المراجعة المالية لأوضاع م.ت.ف، ولأوضاع السلطة الفلسطينية. وغاب ملف المصادقة على الموازنات المالية للمؤسسات، وعلى حقوق القوى والفصائل والإتحادات وغيرها. وبالتالي بقي الصندوق القومي في قبضة المطبخ السياسي على أن يعالج وضعه لاحقاً. وهو أمر كثير الاحتمالات، خاصة في ظل إصرار المطبخ السياسي على إلقاء القبض على الصندوق القومي، والقرار المالي، وإبقائه سلاحاً بيده، لتصفية الحسابات مع القوى والأفراد، ومكافأة الموالين على حسن موالاتهم، في سياسة زبائنية إفسادية همها التغطية على سياسات الفساد السياسي للمطبخ، ونزوعه الدائم للتفرد بالقرار وتهميش المؤسسات وربما تعطيلها لسنوات كما هو حال المجلسين الوطني والمركزي. 

مسألتان لم تسقطا سهواً!

تبقى مسألتان كانتا مثار نقاش في المجلس الوطني، واتخذ بشأنهما قرارات واضحة وبالإجماع، تم إسقاطهما عمداً من البيان الختامي، في خطوة فهمت أنها لشطب هذين القرارين، لعدم موافقة المطبخ السياسي عليهما.

• الخطوة الأولى قرار اتخذه المجلس الوطني، بمبادرة من كتلة الجبهة الديمقراطية برفع العقوبات الجماعية عن قطاع غزة، واستئناف دفع الرواتب والاستحقاقات المالية لأصحابها، واستئناف توفير الموازنات التشغيلية لمؤسسات السلطة في القطاع. هذا القرار تمً إسقاطه من البيان الختامي. وتم استبداله، بقرار من المطبخ، بإشارة إلى «وعد» من الرئيس عباس بدفع الرواتب صباح اليوم التالي لإنتهاء أعمال المجلس. وقد أصدرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بياناً كشفت فيه التزوير بهذا الشأن. وحتى لحظة كتابة هذه الكلمات (16/5/2018) لم يفِ الرئيس عباس بوعده، ولم تلتزم السلطة الفلسطينية بقرار المجلس الوطني، ومازال قطاع غزة، المثخن بالجراح، والغارق في مآتم الشهداء وجنازاتهم، «معاقباً» على جريمة لم يرتكبها، وهي أنه تحت السيطرة الفعلية لحركة حماس، وعلى «جريمة» إرتكبها، وهي أنه إنتفض ضد الإحتلال ولم ينتفض ضد حماس ولصالح السلطة في رام الله.

• القرار الثاني الذي إتخذه المجلس بالإجماع وأسقط عمداً من البيان الختامي، أنه قرر إعتبار الدورة الـ 23 هي دورته الأخيرة، وأن يكون المجلس القادم مجلساً جديداً توحيدياً يتشكل بالإنتخاب، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل حيث يمكن، أو بالتوافق الوطني حيث لا يمكن، على أن لا يتجاوز عدد أعضائه 350 عضواً، 150 من الداخل، و 200 من الخارج. هذا القرار تجاهله البيان في إشارة فهم منها أن المطبخ السياسي غير جاد في تشكيل مجلس وطني جديد، بل إن البعض توقع أن تكون الدورة 23 هي الدورة الأخيرة للمجلس الوطني، ولن يتلوها أية دورة جديدة، لا لمجلس قديم، ولا لمجلس جديد، خاصة وأن مهمة ملء الشواغر في اللجنة التنفيذية وغيرها من المؤسسات أحالها المجلس الوطني إلى المجلس المركزي، وبالتالي أياً كانت التطورات، فإن المجلس المركزي بات هو المعني بها، وأن المجلس الوطني «أحيل على المعاش» كما يحال آلاف الموظفين والعسكريين في السلطة الفلسطينية دون مبرر أو مسوغ قانوي، بل وبموجب قرارات تعسفية، ومراسيم رئاسية، دون أية رقابة تشريعية من المجلس التشريعي الغائب عن الوعي منذ 14/6/2007 تاريخ الإنقلاب العسكري لحركة حماس.

خلاصة

الخلاصة تقول بوضوح إن ضمانات تنفيذ قرارات المجلس الوطني رهن بمدى إصلاح أوضاع م.ت.ف، وإعادة الإعتبار لمؤسساتها، وتحريرها من قبضة المطبخ السياسي، وإستعادة صلاحياتها المنهوبة على يد مؤسسات السلطة الفلسطينية.

نتائج المجلس الوطني، لا تلبي هذه الخلاصة بل تقود إلى الإستنتاج أن الجانب الوحيد من المسألة التنظيمية الذي تحقق هو إعادة تشكيل اللجنة التنفيذية (خطوة إلى الوراء مقارنة مع اللجنة السابقة) والمجلس المركزي (المغرق بالإغلبية العددية لصالح المطبخ السياسي) وبالتالي فإن ضوء الإصلاح لم يظهر حتى الآن في نفق أوسلو المظلم ونفق قيوده المهيمنة على المؤسسة وأدائها. بل تشير الأمور إلى إحتمالات أكثر سوءاً. ومنها:

• أن المطبخ السياسي يتجه لإلغاء الدائرة السياسية بشكل رسمي، من بين دوائر اللجنة التنفيذية، بعد أن أحال مهامها إلى وزارة الخارجية في السلطة الفلسطينية. وهذا هدف إضافي يتحقق لصالح السلطة وعلى حساب الدور القيادي للمنظمة.

• كما تفيد المعلومات أن المطبخ السياسي يتجه لإلغاء دائرة شؤون المغتربين، التي يتولاها تيسير خالد، ممثل الجبهة الديمقراطية وعضو مكتبها السياسي، بعد أن تحولت وزارة الخارجية في السلطة إلى وزارة للمغتربين أيضاً. وهذا هدف إضافي لصالح السلطة في مرمى م.ت.ف، وعلى حساب دورها.

 

• كذلك يتجه المطبخ السياسي لإلغاء دائرة الثقافة والإعلام مادامت هناك وزارة للثقافة في السلطة ومادامت هناك هيئة عامة للإعلام تدير الإذاعة والتلفزيون ووكالة وفا، وغيرها. ويجري الحديث أيضاً عن إلغاء الدائرة العسكرية، مادامت الشؤون العسكرية باتت تتعلق بأجهزة السلطة التابعة لوزارة الداخلية وبمجلس الأمن القومي تحت رئاسة الرئيس عباس.

وهكذا، تكون قد تقلصت صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية أكثر فأكثر، وتكون مؤسساتها قد ذابت في مؤسسات السلطة، رغم النتائج التي تؤكد فشل السلطة في بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية تحت الإحتلال، ورغم إعتراف رئيس السلطة في 20/2/2018 أمام مجلس الأمن أن صلاحيات السلطة الفلسطينية في تقلص دائم لصالح سلطات الإحتلال، ورغم إعترافه، أنه ورجال السلطة، أصبحوا مجرد موظفين لدى الإحتلال.