الموقف من الاحتلال وجرائمه ينسحب بالضرورة على إدارة ترامب كشريك في ارتكابها

في الوقت الذي كان فيه جيش الاحتلال يرتكب مجزرة بحق الفلسطينيين المشاركين في «مليونية العودة»، كانت إدارة ترامب ترسِّم إحدى مجازرها السياسية بحق الشعب الفلسطيني وهي ترفع علم بلادها في القدس إيذاناً بتدشين سفارتها في المدينة المحتلة.

وكما تل أبيب، تدير واشنطن ظهرها للمجتمع الدولي،ولا تأبه لاعتراض معظم مكوناته على العدوان الأميركي على مدينة القدس وإعلانه أنها عاصمة لدولة الاحتلال.وبذلك اجتمع الصلف الإسرائيلي مع الغطرسة الأميركية في مواجهة القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة.

ومع تطابق الرواية الأميركية والإسرائيلية حول هوية المدينة، لم تخرج واشنطن فقط من ادعاء وساطتها لأية تسوية للصراع، بل تحولت بشكل علني وعملي إلى شريك للاحتلال بالعدوان على الشعب الفلسطيني، وبذلك باتت إدارة ترامب معنية بالمساءلة أمام القانون الدولي عن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال باعتبارها توفر له الدعم السياسي والمادي لتنفيذها، وحمايته من المحاسبة.

 

 

عبرت ردود الفعل الشاجبة للقرار الأميركي عن تعارضه التام مع قرارات الأمم المتحدة،وحملت في الوقت ذاته تحذيرات من أن قرارات إدارة ترامب تجاه مدينة القدس ستؤدي إلى انفجار الاحتقان الفلسطيني مع احتدام الحرب التي يشنها الحليفان الأميركي والإسرائيلي على الحقوق الفلسطينية.

وقد ربط محللون كثيرون بين ما وقع القدس بترسيم السفارة الأميركية،وبين ما حدث في قطاع غزة على يد جيش الاحتلال الذي قررت قيادته مسبقاً استهداف المشاركين في مسيرة «مليونية العودة» بالرصاص الحي، وهو ما أوقع هذا العدد الكبير من الشهداء والمصابين.

وما وقع في كل من القدس وقطاع غزة عشية ذكرى النكبة يؤكد مجدداً أن «صفقة القرن» تجاوزت الخطط الأميركية السابقة من زاوية أنها لا تطرح أهدافاً وعناوين ينبغي التوصل إلى اتفاق حولها بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. بل هي مجموعة من الخطوات المتدحرجة التي تطرح للتطبيق الفوري رغماً عن إرادة الفلسطينيين،وهي في الوقت نفسه تعبير عن السيناريوهات التي أعدتها إدارة ترامب بشأن ترتيب أوضاع المنطقة التي تشهد صراعات عاصفة.

وقد وضع ترامب على جدول أعمال الدول العربية المعنية بتنفيذ الصفقة مهمة أساسية هي التطبيع المباشر مع الاحتلال بمعزل عن الخطوات والإجراءات العدوانية التي تقوم بها هذه الإدارة بحق الشعب الفلسطيني، أي بمعنى آخر محو آخر مساحات الارتباط بين السياسات الرسمية لهذه الدول وبين ما يجري في الأراضي الفلسطينية، وما يمكن أن تؤول إليه مسارات تطبيق «صفقة القرن» حتى لو كانت على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

وتستفيد إدارة ترامب من حالة الهلع والتوجس التي يعانيها عدد من الرسميات العربية تجاه أخطار تفترضها على وجودها، وخاصة ما تسميه هذه الرسميات بالخطر الإيراني، لتبرير انزياحها الشديد نحو التبعية الكاملة لإرادة الإدارة الأميركية وأولوياتها في المنطقة. ومن الواضح أن هذه الرسميات يمكن أن تقوم بالكثير من أجل تهدئة هواجسها حتى لو وصل الأمر بفك ارتباطها بالقضية الفلسطينية ،وعدم ربط التطبيع مع الاحتلال بإيجاد حل شامل ومتوازن للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وما نشهده حالياً من هرولة نحو التطبيع يؤكد صحة هذا الاستخلاص.

ومن الطبيعي أن يجد نتنياهو وحكومته في هذا الأمر ما يشجعه على التغول في سياساته العدوانية والتوسعية مع إدراكه أن معظم الرسميات العربية قد غيرت أولويات سياساتها تجاه الموضوع الفلسطيني. وعلى هذا الأساس، لا تبالي كل من حكومة نتنياهو وإدارة ترامب كثيراً بالانتقادات الدولية لما تقومان به بحق الشعب الفلسطيني، بسبب غياب موقف عربي جماعي يدعم الشعب الفلسطيني، ويشكل سنداً سياسياً له.

وبذلك، حصلت نقلة في سيناريوهات الضغط على الجانب الفلسطيني، فكان يتم حشر المفاوض الفلسطيني في الزاوية الضيقة من حلبة التفاوض والتعامل معه وفق ثنائية الترغيب والترهيب، لكنه الآن بات غير معني بالمشاركة في صياغة أي حل في التسوية، وهو معني فقطط بالتنفيذ، وبالتالي فإن الضغط المباشر لا يحمل في طياته أية وعود أو «محفزات». وهذا يعني باختصار أن المفاوض الفلسطيني طرد من التسوية وبات من جمهور تطبيقها فقط.

على خلفية هذا الاستخلاص، لن تجد السياسة الرسمية الفلسطينية أي حجة لها في التردد عن اتخاذ الخطوات والإجراءات التي نصت عليها قرارات الإجماع الوطني في محطات مختلفة، منها قرارات المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين وقرارات المجلس الوطنية، كما قرارات الحوارات الوطنية الشاملة.

وبات غير مجدٍ التوقف عند حدود الإعلان عن عزم القيادة الرسمية الفلسطينية التقدم بشكاوى ضد الاحتلال أمام محكمة الجنايات الدولية وغيرها من المؤسسات الدولية ذات الصلة؛ فالخطوة المباشرة المطلوبة هي القيام بذلك وفوراً؛ فليس هناك من عروض تفاوضية يمكن أن تنتظرها، لا على يد الإدارة الأميركية ولا غيرها.

وعلى اعتبار أن الشعب الفلسطيني يتعرض الآن إلى مجازر ميدانية وسياسية، لابد أن تتعامل القيادة الرسمية الفلسطينية على أنها في حالة حرب، وبالتالي ليس مفهوماً عدم الخروج من أوسلو، وفك الارتباط بقيوده، والانطلاق نحو الأمم المتحدة لتدويل القضية والحقوق الفلسطينية، والمبادرة إلى طلب عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة، ربطاً بتجربة العام 2012 التي نجحت بترقية وضع فلسطين والاعتراف بها دولة تحت الاحتلال بحدود 4 حزيران /يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وقد فتحت تلك المعركة المجال واسعاً أمام الدول المؤيدة للحقوق الفلسطينية أن تمارس دورها وتتحمل مسؤولياتها بعد أن كانت مقصية غبر الإشراف الأميركي الحصري على التسوية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وإدراكها أن كل ذلك كان يتم بقبول ورغبة القيادة الرسمية الفلسطينية.

ومن نافل القول إن الموقف من الاحتلال وجرائمه ينسحب بالضرورة على إدارة ترامب التي لا تكتفي بحمايته، بل تشاركه الجرائم بحق الفلسطينيين؛ لذلك من الضروري أن تبادر القيادة الرسمية الفلسطينية إلى قطع العلاقات مع الولايات المتحدة والتحرر من أية اتفاقات معها وخاصة «التفاهمات» الأمنية التي تكرست منذ قيام السلطة بعد توقيع اتفاق أوسلو.

وفي سياق مواجهة الحرب التي تشنها واشنطن وتل أبيب على قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه، يجب أن يفسح المجال للمقاومة الشعبية أن تنطلق بحماية سياسية من قبل الحالة السياسية الفلسطينية بكافة مكوناتها، والإسراع بطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني الذي يواجه هذه الحرب الضروس بصدور عارية.

هي حالة الحرب التي يفرضها كل من الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو على الشعب الفلسطيني الذي يحق له ـ وليس الاحتلال ـ الدفاع عن نفسه وعن مستقبله الوطني.