نزل عشرات الآلاف من الفرنسيين إلى الشارع (5/5)، في ما أسموه «حفلة تنديد» بسياسات الرئيس إيمانويل ماكرون الاقتصادية التي ينفذها، وذلك في الذكرى الأولى لتنصيبه. ودعا إليها النائب فرانسوا روفان، من حزب «فرنسا المتمردة» (يسار جذري)، تحت شعار «حفلة لماكرون»، في محاولة من حزبه لاستقطاب جميع المستائين من السياسات الاقتصادية للرئيس.

وضمّت التظاهرات عمالاً وطلاباً ونقابيين وساسة يساريين ومتقاعدين، وشملت باريس ومدناً فرنسية أخرى، وقدّر المنظمون عدد المشاركين فيها بحوالي 160 ألفاً، فيما قدّرتهم مصادر الشرطة بحوالي 40 ألفاً، وندّدوا خلالها بسياسة ماكرون الذي وصفوه بـ «رئيس الأغنياء».

ورفع المتظاهرون صوراً لماكرون يظهر فيها بزيّ ملوك فرنسا، ولافتات كُتب عليها «الثورة إلى أمام»، في إشارة إلى «حركة الجمهورية إلى أمام» التي يتزعمها ماكرون، وأخرى تفيد بأن التظاهرة ليست سوى البداية.

رهان على «المدّ الشعبي»

وقبل انطلاق المسيرة، ألقى زعيم حزب «فرنسا المتمردة»، جان لوك ميلانشون، الذي يسعى إلى فرض نفسه معارضاً رئيسياً لماكرون، خطاباً بالمتظاهرين وصفهم فيه بـ«الشعب المتمرد الذي عليه أن يتحوّل شعباً ثائراً». ورأى أن «هناك مدّاً شعبياً معارضاً بدأ يرتسم»، مؤكداً أنه «سيتحوّل ثورة ترشد فرنسا والعالم إلى الاتجاه الذي يجب اعتماده». كما شبّه ماكرون بـ«ملك»، معتبراً أن فوزه في الانتخابات لا يعني أن «الديموقراطية ستُجمّد وتصبح مجرد مدائح للرئيس ونهجه».

ودعا ميلانشون إلى يوم احتجاج وطني، في 26 الشهر الجاري، وتعبئة شاملة والتفاف حول عمّال سكك الحديد المضربين، دفاعاً عن القطاع العام «المُهدّد» بسياسة ماكرون.

لكن مراقبين وإعلاميين فرنسيين شكّكوا في إمكانية نجاح الرهان على إطلاق حركة احتجاج شعبية عارمة، معتبرين أنّ ما يحصل حتى الآن لا يتعدّى «إطلاق شعارات شعبوية يسارية، لا تشكّل برنامجاً معارضاً»، على حدّ قولهم.

في غضون ذلك، استمر إغلاق كليات جامعية، احتجاجاً على خطط ماكرون لتغيير معدّلات دخول الجامعات، ما سبّب فوضى كبيرة لطلاب يجرون امتحانات فصل الصيف. كما نُظمت تظاهرة جديدة لقطاع السكك الحديد قبل يومين، مع احتجاج سائقي القطارات وعمال آخرين على خطط ماكرون لإصلاح «الشركة الوطنية الفرنسية للسكك الحديدية»، بحجّة «تخفيف ديونها وتحسين قدراتها التنافسية».

الرئيس الأفضل لليمين

في المقابل، وبعد سنة من توليه السلطة، وعلى رغم أنّ 53 % من الفرنسيين على الأقل يعتبرون أنه «لا يتفهّم مشكلاتهم في شكل جيد»، إلا أنّ نسبة لا بأس بها من الفرنسيين ما زالت تمنح الرئيس ماكرون ثقتها لـ«تغيير بلادهم»، وينال نسبة تأييد في استطلاعات الرأي على نحو أفضل بكثير من سلفيه نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند في الفترة ذاتها.

ولكن ماكرون الذي قدّم نفسه لدى ترشّحه للرئاسة، بأنه ليس من اليمين ولا اليسار، يظهر الآن الرئيس الأفضل بالنسبة إلى اليمين الفرنسي. فكل استطلاعات الرأي تُظهر ارتفاع شعبيته لدى اليمين، في مقابل تدهورها لدى اليسار الذي يصفه بأنه «رئيس الأغنياء». بل إن سلفه الاشتراكي فرنسوا هولاند سُئل هل يعتبر ماكرون «رئيساً للأغنياء»، فأجاب بأنه «رئيس أثرى الأثرياء».

وكتب معلّق بارز مقرّب من الحكم، أنّ «ماكرون يُعجِب اليمين الفرنسي لشجاعته، إذ أنه لم يخشَ وصفه بأنه رئيس الأغنياء، لدى إلغائه الضريبة على الثروة واتخاذ قرارات خطيرة في قطاع العمل لصالح ربّ العمل الذي بات يستطيع أن يوقف عمل أي موظف لديه». كما أنه «لم يَخَفْ من إعداد نهج جديد لاختبار الدخول الى الجامعات»، مثلما «لا يخاف من لقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، المكروهَين في أوساط اليسار ولدى كثير من الفرنسيين»، على حدّ قوله.

وحسب استطلاعات الرأي، فهناك انقسام لدى الشعب الفرنسي بعد سنة من حكم ماكرون، بين طبقة مقتدرة مادياً ومالياً، تحكم على أدائه بإيجابية، وتُثمّن عمل السلطة التنفيذية الذي تعتبر أنه يسير في الاتجاه الصحيح، وخاصة في السياسة الخارجية ومساعدة الشركات والاتحاد الأوروبي ومكافحة الإرهاب، وبين طبقة شعبية تنتقده وترى أنه لا يفعل شيئاً لمصلحتها، وخصوصاً تجاه البطالة وإصلاح قطاع التعليم وضمان الأمن، إضافة إلى ما يتعلّق بضبط الهجرة وحماية نظام التقاعد وتحسين القدرة الشرائية وتقليص انعدام المساواة الاجتماعية بين الفرنسيين؟!.