أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب (8/5)، انسحاب بلاده من الاتفاق النووي المُبرم مع طهران، وإعادة العمل بعد ستة أشهر على «أعلى مستوى من العقوبات»، التي كانت مفروضة على طهران على خلفية برنامجها النووي.

وفي 14 تموز/ يوليو 2015، كان أعلن عن توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا. ونصّ الاتفاق على التزام طهران بالتخلي عن أجزاء حيوية من برنامجها النووي وتقييده، مقابل رفع العقوبات عنها.

وقد أقدم ترامب على خطوته هذه بعدما أمهل في مطلع العام الماضي، مع بدء ولايته الرئاسية، الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) حتى 12 من الشهر الجاري لإصلاح «عيوب جسيمة» في الاتفاق، ولكن من دون تحقيق النتائج التي يرجوها. وبذلك يكون قد نفذ «وعيده» الذي هدّد به خلال حملته الانتخابية، والذي استبعد كثيرون إمكانية تنفيذه، للعواقب الخطيرة التي يمكن أن تترتب عليه، ولكنّ يبدو أنّ سيد البيت الأبيض ضرب بها كلّها عرض الحائط!.

 وخلال إعلان موقفه عاد ترامب ووصف الاتفاق النووي، (الذي كان أبرز إنجازات سلفه باراك أوباما في مجال السياسة الخارجية)، بـ«الكارثي»، معتبراً أنه «لا يقيّد نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار، بما فيها دعم الإرهاب»!. وبأنه كان يُفترض به أن «يحمي أميركا وحلفاءها لكنه لم يحقق ذلك، بل مكّن إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم، وتطوير منظومة الصواريخ الباليستية»، على حد قوله، محذراً ايران من «مواجهة مشكلات أكبر إذا واصلت نشاطاتها النووية»، قبل أن يستدرك ليقول: إنه يريد «حلاً شاملاً ودائماً للتهديد النووي الإيراني»، زاعماً أن طهران «سترغب في إبرام اتفاق جديد ودائم، وبأنه مستعد وقادر على التفاوض على اتفاق جديد معها، عندما تكون مستعدة»!.

ردود الفعل

وتوقع محللون أن يزيد قرار ترامب من التوتر في العلاقات عبر الأطلسي، والذي يتصاعد منذ وصوله إلى السلطة. وتوجه الزعماء الأوروبيون إلى واشنطن واحداً تلو الآخر وناشدوه أن يحافظ على الاتفاق، ولكن دون جدوى.

وفي بيان مشترك، قال زعماء بريطانيا وألمانيا وفرنسا، إن قرار ترامب يدعو «للأسف والقلق». وسيكون له عواقب في سياساته عالية المخاطر والرهانات «أميركا أولا»، والتي قادته إلى الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، وقربه من حرب تجارية مع الصين، ومن الانسحاب من الاتفاق التجاري لمنطقة آسيا والمحيط الهادي.

وفي إطار ردود الفعل المسجّلة على القرار، سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القول إن «فرنسا وألمانيا وبريطانيا تأسف للقرار الأميركي»، مضيفاً: «سنعمل بشكل جماعي على إطار عمل أوسع يشمل النشاط النووي والفترة التي تتصل بتاريخ ما بعد عام 2025، حين تنتهي القيود المفروضة على أنشطة طهران النووية، وكذلك برنامج الصواريخ  الإيرانية الباليستية، فضلاً عمّا تسميه واشنطن «تدخلات إيران الإقليمية المزعزعة للاستقرار».

وتوقعت مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، أن يواصل باقي المجتمع الدولي تطبيق الاتفاق النووي بعد إعلان ترامب، معتبرة أن «الاتفاق يحقق نتائجه، ويضمن ألا تطور طهران أسلحة نووية».

وحذر الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، من «عواقب حتمية وخيمة لأيّ تصرفات تؤدي إلى كسر الاتفاقات»، فيما نبّه مسؤولون عرب إلى «تداعيات خطرة وسباق تسلّح محتمل في المنطقة». وحضّوا على ضرورة مواصلة النقاش والحوار مع إيران.

أما إسرائيل فقد رحبّت بالانسحاب من الاتفاق، وأعرب رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو عن «دعمه الكامل» للقرار الذي وصفه بـ«الشجاع»!. لكن، وقبل دقائق من إلقاء ترامب خطابه، أمرت إسرائيل بتحضير الملاجئ ضد الصواريخ في الجولان، بعد رصد جيشها «نشاطاً غير عادي للقوات الإيرانية في سورية»، على حد زعم وسائل الإعلام الإسرائيلية. ونشر الجيش الإسرائيلي أنظمة دفاعية، ووضع قواته في «حال تأهب قصوى، تحسباً لهجوم»، مشدداً على أنه «مستعد لمواجهة سيناريوات مختلفة ويحذر من أن أي هجوم على اسرائيل سيستدعي رداً شديداً».

وسيحوّل قرار ترامب حلفاءه الأوروبيين من أطراف في الاتفاق النووي إلى وسطاء، ولن يكون أمامهم سوى التعامل مع واقع جديد يفرض عليهم التعاطي مع إيران باعتبارهم «وسيطاً» تنحصر مهامه في تسهيل عملية قبول إيران لتقديم تنازلات، ومن ثم البدء في مفاوضات بشروط جديدة والعودة إلى المربع الأول.

وستكون هذه العملية في غاية التعقيد، إذ سيسعى خلالها ترامب إلى ترجمة سياسته الجديدة، التي تقوم على ضمّ «البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية ونفوذ إيران الإقليمي، في حزمة واحدة»، تمثل العمود الفقري لأي اتفاق جديد. علماً أن انسحابه من الاتفاق يعكس في هذا الوقت «النفوذ المتنامي داخل إدارته لأصحاب النهج المتشدد تجاه إيران، مثل وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون. وهما من المحسوبين على «الصقور» في السياسة الخارجية الأميركية.

طهران تتحدى

وقد اتخذت طهران نبرة تحدٍ في ردّها على القرار الأميركي، واعتبرت أن «قرار ترامب غير قانوني وغير مشروع ويقوّض الاتفاقات الدولية». وتعهد الرئيس الإيراني حسن روحاني أن تتجاوز بلاده في غضون شهور «مشكلات قد يسبّبها» ترامب. وفي إشارة إلى الأخير، قال روحاني: «رجل واحد في بلد واحد قد يسبّب لنا مشكلات لشهور، لكننا سنتجاوزها، سواء كنا في ظل عقوبات أم لا».

وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن بلاده ستبقى في الاتفاق النووي دون واشنطن. غير أن قرار ترامب قد يرجّح كفة المحافظين الساعين إلى الحد من قدرة روحاني على الانفتاح على الغرب

أما رئيس مجلس الشورى (البرلمان) الإيراني، علي لاريجاني، فاعتبر أن «الأميركيين لم يفوا بالتزاماتهم»، وزاد: «يبدو أن المرء لا يستطيع التحدّث مع الأميركيين إلا بلغة القوة، ولا حلً آخر».

وبدوره، شدّد رئيس الأركان الإيراني، الجنرال محمد باقري، على أن «لا تهديد يخيف» بلاده، فيما ذكّر الجنرال حسين سلامي، نائب قائد «الحرس الثوري»، أن إيران «لا تخشى العقوبات الأميركية أو هجوماً عسكرياً»، وزاد: «على أعدائنا، بينهم أميركا والنظام الصهيوني، أن يدركوا أن إيران مستعدة لأسوا السيناريوات والتهديدات».

موقف روحاني

ورأى محللون أن روحاني سيكون أحد «الضحايا» المحتملين لمواقف ترامب الخرقاء، وخصوصاً أنه استثمر في الاتفاق كثيراً، باعتباره «بصمته الخاصة في السياسة الخارجية». وهناك من يقول في إيران إنّ روحاني سيخسر كل شيء؛ فـ«جميع خططه الاقتصادية والسياسية بناها على استمرار الاتفاق النووي».

وأضاف هؤلاء أنه، إلى جانب الأوروبيين يعتبر الرئيس روحاني الطرف الأكثر تأثّراً بالقرار، حيث كان توقيع الاتفاق وإخراج إيران من عزلتها الدولية ورفع العقوبات الرهان الانتخابي الذي أوصله إلى سدة الحكم خلال انتخابات ولايته الأولى (2013)، وولاية الثانية في انتخابات 2017.

وعلى ذلك، فإن التداعيات المحتملة لإلغاء الاتفاق لن تصبّ في صالح روحاني الذي يواجه حرباً معلنة من المحافظين والحرس الثوري، فيما لا تزال الجمهورية الإسلامية التي تواجه أزمة مالية متصاعدة، تنتظر تداعيات الاتفاق الاقتصادية.

ومع عودة العقوبات نتيجة لانهيار الاتفاق النووي، فإن مكانة الحرس الثوري قد تتعزّز وخصوصاً في ظل قدرته على تجنّب العقوبات وآثارها السلبية.

 

«الحرس الثوري الإيراني»: أوروبا عاجزة عن إنقاذ الاتفاق النووي

قال قائد الحرس الثوري الإيراني، الميجر جنرال محمد علي جعفري (9/5)، إن الأوروبيين مرتبطون بالولايات المتحدة ولا يمكنهم اتخاذ قرار مستقل. وشكك جعفري في قدرة الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) على التصرف من تلقاء نفسها أو إنقاذ الاتفاق.

واعتبر أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق «أظهر أن مسألة تخصيب اليورانيوم ليست سوى ذريعة لمحاولة الحد من برنامج الصواريخ في الجمهورية الإسلامية ونفوذ إيران في المنطقة». وأضاف أن إيران لديها خبرة طويلة فيما يتعلق بتنمية البلاد في ظل العقوبات.