تصدّرت حركة «النهضة» الإسلامية نتائج أول انتخابات محلية (6/5)، منذ ثورة كانون الثاني (يناير) 2011. وأظهرت نتائج أولية نيل «النهضة» نسبة تقارب 27,5 % من الأصوات، متقدمة بفارق 5 نقاط على «نداء تونس»، وهو حزب الرئيس الباجي قايد السبسي، الذي حلّ ثانياً بنسبة لم تتخط 22,5 %، ليفقد بذلك صدارته للمشهد السياسي، في حين لم تحصل بقية الأحزاب والائتلافات الحزبية سوى على 20 % من مجموع أصوات الناخبين.

وقد كسبت «الجبهة الشعبية» اليسارية أربع بلديات في معاقلها التاريخية بالمناطق الغربية والوسطى (محافظات قفصة، وسيدي بوزيد وسليانة وصفاقس)، علماً أنها لم تنافس إلا في مئة من أصل 350 بلدية. وفاز حزب «التيار الديموقراطي» المعارض بدائرتين بلديتين، ونافس بقوة لوائح الائتلاف الحاكم في العشرات من البلديات الأخرى.

وعلى رغم هذه النتائج، رأى البعض أنّ الخارطة السياسية لم تتغيّر كثيراً مقارنة بالانتخابات التشريعية والرئاسية عام 2014، حيث حقّقت كل الأحزاب، في الحكم والمعارضة، نتائج منطقية في معاقلها التاريخية، بما في ذلك حزب نداء تونس، الذي حافظ على وجوده تقريباً في مختلف أنحاء البلاد المحسوبة عليه، وخاصة في مناطق جهة الساحل أو تونس الكبرى.

إلى ذلك، وعلى رغم أنّ هذه الانتخابات تُعدّ أيضاً مجرد فرصة لتثبيت «حكم محلي فعلي والتوجه إلى اللامركزية، بعد عقود من سيطرة الحكومة المركزية على سلطة القرار وتهميش المناطق الداخلية»، إلا أنها جاءت في مرحلة هي من أصعب المراحل التي تمرّ بها تونس، على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما ساهم في ارتفاع منسوب التخوّفات والهواجس التي باتت تُسيطر على عديد القوى السياسية؛ المحلية والإقليمية والدولية، ارتباطاً بما قد يترتب على نتائجها، لجهة تمكين الإسلام السياسي من إحكام سيطرته على البلديات والحكم المحلي.

ومن المؤكد أن «اللامركزية» يمكن أن تشكل سنداً للتنمية المحلية، ووسيلة لإرساء وتدعيم الديمقراطية وتمكين الجماعات المحلية من تسيير شؤونها بنفسها، وخصوصاً إذا ما أعطيت السلطة والمهام والموارد التي تسمح لها بإدارة الشأن المحلي، لا أن تقتصر مهامها على القيام ببعض الأعمال الجانبية (مثل جمع الفضلات وتقديم رخص البناء وغيرها).

تقدم المستقلين

وقد شكل المستقلون مفاجأة الانتخابات، فتصدّرت قوائمهم المقدّر عددها بـ 897 قائمة العديد من الدوائر البلدية، في مختلف المحافظات والمناطق الداخلية، وحتى في بعض الدوائر المهمة المتاخمة للعاصمة، مثل أريانة والمرسى وقرطاج (تونس الكبرى) والمهدية (الساحل الشرقي)، وأخرى تابعة لمحافظة «قفصة» (جنوب غرب). ونافسوا في كل الدوائر البلدية لوائح «النهضة» و«نداء تونس»، وحصلت قوائمهم مجتمعة على النسبة الأكبر، وحسب بعض التقديرات حلّت في المرتبة الأولى قبل قوائم حزبي النهضة ونداء تونس، بنسبة 28 %.

لكنّ وعلى رغم ذلك، فإنّ المستقلين لا يمكن اعتبارهم «كتلة متجانسة» باعتبار أنهم يمثلون توجهات سياسية واجتماعية مختلفة. وإلى ذلك، رأى البعض أنّ الانتخابات البلدية تختلف في فحواها عن الاستحقاقات التشريعية والرئاسية، مشيرين إلى أنها «استحقاق ليس سياسياً بقدر ما يهم حاجات المواطنين الحياتية اليومية، من قبيل الخدمات والبنى التحتية أو المشاريع التنموية».

مشاركة ضعيفة

وحسب الهيئة المستقلة للانتخابات فإنّ نسبة المشاركة بلغت 33,7 %، في مقابل 60 % في الانتخابات البرلمانية عام 2014. وعزا مراقبون مقاطعة شرائح من المجتمع، وخصوصاً الشباب، إلى فقدانهم الثقة في الطبقة السياسية بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغياب الإصلاحات.

وأرجع بعضهم عزوف الناخبين إلى عدم إيلاء التونسيين الانتخابات المحلية نفس الأهمية التي تحظى بها الاستحقاقات الرئاسية والتشريعية، رغم ما بذلته هيئة الانتخابات من جهود للتشجيع على التسجيل والمشاركة فيها.

وفي تعليقه على النتائج والمشاركة، قال حمة الهمامي زعيم «الجبهة الشعبية» إن 25 % من الناخبين المسجلين شاركوا في الانتخابات البلدية، معتبراً هذه النسبة الضعيفة «نوعاً من العقاب للائتلاف الحاكم»، خصوصاً حزبي «النهضة» و«النداء»، مقلّلاً من أهمية فوز هذين الحزبين الحليفين، في ظل المشاركة الضعيفة للناخبين. ومشدداً على أن تحالف الجبهة غير راض عن النتائج المسجلة، «لكنه سيعمل بأياد نظيفة في البلديات التي نجح في الفوز ببعض مقاعدها».

وفي المقابل، اعتبر مراقبون أن عزوف الناخبين عن المشاركة في أول استحقاق بلدي منذ ثورة 2011 من جهة، ونجاح القوائم المستقلة من جهة ثانية، كانا بمثابة «صفعة مدوية للأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة التي فقدت مصداقيتها بعد انتخابات 2014 لدى أغلبية الرأي العام، وعكسا توجهاً شعبياً كان يمكن أن يصنع الفارق لولا عملية المقاطعة».

وأبدى هؤلاء خشيتهم من أنّ البلاد قد تكون مُهدّدة بعزوف أكبر عن الطبقة السياسية وانتخاباتها، قبل نحو عام فقط من استحقاقات انتخابية تشريعية ورئاسية ستجرى في 2019. ولاحظ المراقبون أنه على رغم تصدّر «النهضة» للمشهد الانتخابي، إلا أنها فقدت على الأقل قرابة 500 ألف ناخب مقارنة بعام 2014، فيما فقد شريكها في «الائتلاف الحاكم»، حزب «نداء تونس»، ما يقارب ثلثي قاعدته الانتخابية مقارنة بالانتخابات التشريعية أو الرئاسية الماضية؟!.

 

 

استمرار التوافق مع «النداء»

 

أشار راشد الغنوشي، رئيس «حركة النهضة»، إلى إمكانية مواصلة التوافق بين «النهضة» و«النداء»، معلناً أنّ الشعب «انتخب حزبين كبيرين في المقدّمة، وهو أمر معمول به في معظم الديمقراطيات حول العالم»، ومبرزاً أنّ الخريطة السياسية التي أفرزتها انتخابات 2014 ستتواصل بعد الانتخابات البلديّة، كما ستتواصل معها سياسة التوافق التي يدعمها رئيس الجمهورية.

وقد طرح تصدر النهضة للمشهد السياسي، تساؤلات محورية بشأن ذلك، وكيف تمكنت من المحافظة على ثقة الناخب على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي طالتها؟. وفيما رأى البعض أن «النهضة» استفادت بشكل كبير من القانون الانتخابي، الذي يمنع هيمنة أي حزب على الساحة السياسية، اعتبر آخرون أن أحد أهم أسباب قوة «حركة النهضة» يكمن في قاعدتها الانتخابية؛ شبه الثابتة، والتي لا تتغير إلا ببطء شديد.

وإلى ذلك، رأى آخرون أنّ دعوات المقاطعة، التي روّج لها نشطاء وسياسيون وأكاديميون ومثقفون، هي التي سهلت فوز النهضة، التي لم تتأثر قاعدتها الانتخابية التقليدية كثيراً على رغم التراجع الذي لحق بها، في حين تراجعت شعبية «نداء تونس» وتشتت جمهوره بسبب الخلافات الداخلية وانشقاق قيادات مؤسّسة، واضطرارها لتقديم قوائم مستقلة سحبت جزءاً من جمهور النداء إليها.

وفضلا عن دعوات المقاطعة، استفادت حركة النهضة من تشتت قوى الأحزاب الديمقراطية المعتدلة، وغياب جبهة مدنية واسعة كتلك التي تشكلت في انتخابات 2014، للدفاع عن هوية الدولة التونسية أمام سطوة الأفكار الأصولية المتشدّدة الوافدة على البلاد.

 

 

مقاطعة الشباب «المهمش»

 

شهدت تونس مطلع العام الجاري موجة احتجاجات في مختلف المحافظات، تنديداً بقانون المالية الذي تضمن إجراءات  قاسية، اعتبرت الحكومة أنها ضرورية لإنقاذ الاقتصاد المتهالك. وأظهرت بيانات للبنك المركزي التونسي الأشهر الماضية أن تفاقم العجز التجاري أدى إلى تراجع احتياطي العملة الصعبة الذي أصبح يغطي واردات تونس لمدة 78 يوماً فقط، وهو أضعف مستوى في 15 عاماً. كما أن نسب البطالة تبقى في حدود 15 %، والتضخم في مستوى 8 %.

وأرجع محللون عزوف الناخبين وعدم تصويتهم للأحزاب السياسية بكثافة إلى فشل الائتلاف الحاكم في تلبية تطلعات الشعب عقب انتخابات 2014، وأيضاً إلى خفوت صوت المعارضة التقليدية اليسارية، وأيضا الليبرالية، التي انهمكت في مشاكلها، وعوّلت على مخزون سياسي قديم لم تنتبه إلى انتهاء تاريخ صلاحيته.

وشدّد المحللون على أن حصيلة الحكومات والأنظمة والأحزاب المتعاقبة على حكم البلاد منذ الثورة، كان لها دورٌ كبير في فقدان ثقة المواطن في  الأحزاب والسياسيين، وخصوصاً في ظلّ عدم تنفيذ الكثير من الوعود الانتخابية التي قدّمت في استحقاقات سابقة.