مُنيت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن بخسارة قاسية في انتخابات «نقابة المهندسين» (5/5)، أحد أهم معاقلها النقابية، لتكرّس بذلك حجم التراجع الذي تشهده الجماعة في السنوات الأخيرة، على مختلف الصُعد السياسية والشعبية، وصولاً إلى الصعيد النقابي الذي لطالما كان ميداناً مفضلاً لنشاطها ونفوذها.

وفي هذه الانتخابات، نجحت قائمة «نمو» (الوسطية ذات الخلفية العلمانية)، في إنهاء سيطرة دامت لأكثر من ربع قرن للإخوان على نقابة المهندسين، التي تعدّ أحد أكبر النقابات المهنية في الأردن، وتضم في عضويتها نحو 140 ألف مهندس.

وتمكّنت قائمة «نمو» من حسم النتيجة لصالحها، بعد أن حصلت على ستة مقاعد في مجلس النقابة؛ من بينها النقيب ونائبه، مقابل حصول قائمة التيار الإسلامي «إنجاز» على أربعة مقاعد فقط، الأمر الذي يعني أنّ إدارة مجلس النقابة، ستؤول إلى قائمة «نمو».

وفاز المهندس أحمد سمارة الزعبي، بمنصب نقيب المهندسين الأردنيين، بمجموع 7574 صوتاً، على حساب منافسه عبدالله خالد عبيدات، الذي حصل على 6403 أصوات.

هستيريا إخوانية

وأثارت هذه الخسارة حالة من الهستيريا في صفوف قيادات الإخوان، ترجمها منشور لأحد قيادييها على موقعه في «فيسبوك»، اعتبر فيه أنّ «بقايا اليسار بأنواعه، وكذلك كافة العلمانيين والليبراليين وأبناء الطوائف، وفصائل حركة فتح (...)، وفروع القوميين والناصريين والبعثيين والماسونيين والمستغربين واللادينيين والمثليين، كلهم تحشّدوا ضد قائمة «إنجاز» لإسقاطها»!.

واعتبر سعود أبو محفوظ، النائب عن الجماعة في البرلمان الأردني، أنّ الحكومة سخّرت أيضاً كلّ «مقدراتها وإمكاناتها وأجهزتها وأذرعها وموظفيها وبعض نوابها، في سبيل إقصاء الإسلاميين عن قيادة النقابة».

وأثار هذا الموقف (الذي عكس بالعمق صعوبة تقبل الإخوان للهزيمة في أحد أهم معاقلهم)، ضجة كبيرة، وصُنّف باعتباره «خطاب كراهية»، وانتقد على نطاق واسع حتى من قبل الإسلاميين أنفسهم، أو شخصيات محسوبة عليهم، فضلاً عن العديد من الشخصيات المستقلة التي سارعت إلى الردّ عليه.

ومن هؤلاء النائب السابق ليث شبيلات، الذي طالب بالكفّ عن هذا الأسلوب الذي يوحي بأن «الإخوان مندوبو الخالق في الأرض، وإن الاستقامة حكراً عليهم»، متهماً كثيراً من «الإسلاميين» بأنهم «أداروا ظهورهم للاستقامة»، فضلاً عن أنّ الاستقامة ليست حكراً عليهم أصلاً، بل هي «موجودة عند كل صاحب ضمير».

ولمّح شبيلات إلى وجود فساد في الإدارة الإسلامية للنقابة، مشيراً إلى «تصرفات معيبة وقلة أمانة وجبن (لدى القيادة الإسلامية) في التصدي للقضايا المصيرية». وكان شبيلات على رأس من عملوا علناً ضد «الإسلاميين في نقابة المهندسين».

أسباب الهزيمة

وفيما اعتبر الناطق باسم حزب «جبهة العمل الإسلامي» في الأردن أنّ خسارة الإسلاميين جاءت بسبب «تدخلات رسمية»، عزا مراقبون أسباب هذه الهزيمة، (علماً أنّ جماعة الإخوان ظلّت مسيطرة على «المهندسين» منذ العام 1992)، إلى تشتت جهود الإسلاميين والخلافات الداخلية التي تشهدها الجماعة، والتي أدّت إلى انشقاق العديد من قياداتها. بالتزامن مع بروز «تيار شاب» داخل الجماعة «يبحث عن إطار نقابي ومهني يخلو من أجندات سياسية»، كما أنّ عدة أجنحة عميقة في النقابة الأردنية الأم احتفظت بملاحظات نقدية حادة على أداء التيار الإسلامي.

وفي المقابل، تقدّمت قائمة «نمو» المواجهة لقائمة «انجاز» الإخوانية ببرنامج واضح وعملي لفائدة المنتسبين، في وقت مالت فيه «الكتلة الحرجة» في النقابة إلى «الرغبة في إحداث التغيير».

وبالفعل، فقد اعتبر بعض المهندسين أنّ الانحياز في هذه الانتخابات «كان على أساس مهني ونقابي وعلى أساس الرغبة في التغيير وخدمة أعضاء النقابة، قبل أي اعتبار آخر من تلك الاعتبارات التي حاول أصحابها حشر النقابة في أجندات سياسية».

وفي غضون ذلك، دخل على الخط مباشرة بعض الجهات الرسمية التي وجدت أن «هناك فرصة سياسية لا يمكن التشكيك في شرعيتها لإزاحة الإخوان عن النقابة التي طالما أزعجت الدولة وأرهقتها». والمفاجئ في النتائج كان اكتساح «قائمة نمو» لجميع مقاعد الهيئة العامة، حيث «تحالف نشطاء اليسار والتيار القومي وقدامى حركة فتح والباحثون عن المهنية فقط، خلف خطاب النقيب الجديد ورفاقه الخالي من الأدبيات السياسية».

وبعد المشادّات والتجاذبات التي حصلت، أصدر نقيب المهندسين الجديد بيانه الأول بعد الفوز داعياً إلى «طي صفحة كل ما حصل خلال الحملة الانتخابية وأثناء الاقتراع ومن جميع الأطراف والانتقال إلى مستوى خدمة الوطن والنقابة».