هذا العام، يستقبل الفلسطينيون ذكرى نكبتهم كما لم يفعلوا من قبل. وما يشهده قطاع غزة منذ الثلاثين من آذار الماضي يعبر عن حدوث نقلة نوعية في التعامل مع هذه الذكرى، عبر تحويلها محطة فعل ميداني وضعت دولة الاحتلال أمام حسابات وهواجس «جديدة».

وربما من أهم أسباب هذه النقلة هو إعلان الحرب التي تشنها إدارة ترامب على الحقوق الفلسطينية ،وفي المقدمة حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم، التي طردوا منها إبان النكبة وما بعدها، وانضمامها إلى الرواية الإسرائيلية حول النكبة ومحاولة نزع المكانة السياسية والقانونية عن اللاجئ الفلسطيني.

ولعل أبرز العوامل التي منحت الزخم والتصاعد لمسيرات العودة التي يشهدها القطاع، أنها تجري تحت قيادة واشراف هيئة وطنية ضمت معظم المكونات السياسية والاجتماعية الفلسطينية، لتجسد بذلك وحدة المواجهة الميدانية، في وقت تتفاقم فيه تداعيات الانقسام .. وكوارثه.

يهدف التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي في حربه على حقوق اللاجئين الفلسطينيين إلى شطب الرواية الفلسطينية حول النكبة. وبالتالي، شطب استحقاقاتها كما عبر عنها القرار الأممي 194. ووجدت حكومة نتنياهو في مواقف إدارة ترامب فرصة ذهبية كي تفرض رؤيتها تجاه حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي عبر ما يسمى « صفقة القرن»، التي تعتمد الحل الإقليمي إطاراً أساسيا لحل هذا الصراع. وتدرك تل أبيب أن هذا الإطار هو الذي يمكنها من تحقيق أهدافها، خاصة أن إدارة ترامب تمهد في تطبيق الصفقة بتطويع «الإقليم العربي»، عبر فرض التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، كمقدمة لازمة لقبول «شركاء» عرب في تنفيذ الخطة الأميركية.

ويمكن القول إن مواقف الإدارة الأميركية الأخيرة تساعد تل أبيب في الانتقال من مرحلة إنكار النكبة الفلسطينية إلى مرحلة تسعى فيها إلى شطبها من أجندة التداول الإقليمي والدولي، في الوقت الذي تسعى فيه للقيام بمثل ذلك تجاه القدس وخطوط الرابع من حزيران/يونيو1967،خاصة أن «التسريبات المتداولة» عن الصفقة الأميركية تتحدث عن فصل أحياء من القدس الشرقية عن المدينة، والتعامل معها كعاصمة للكيانية الفلسطينية الهزيلة التي تحاول إدارة ترامب إقناع القيادة الفلسطينية الرسمية بأنها تشكل معادلا لقيام الدولة التي يسعى الفلسطينيون إلى تجسيدها.

وسعى التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي إلى فك الترابط بين القرار 194 وقرار إنشاء «الأونروا» بهدف تغيير وظيفتها، وعدم رهن بقائها في خدمة احتياجات اللاجئين الفلسطينيين بتجسيد حق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم. وعلى خلفية هذا المسعى، نشأت تداعيات و ردات فعل في المجتمع الدولي رفضت الحصار المالي الذي قررته إدارة ترامب على وكالة الأونروا، وقد شكل «مؤتمر روما» تعبيراً عن هذا الرفض.

لقد أدركت تل أبيب، وحلفاؤها، أن إدامة النكبة وإنتاج أنسال لها لم يبعد اللاجئين الفلسطينيين عن تمسكهم بحق العودة، وأن رهانها على «موت الكبار ونسيان الصغار» كان خاسراً. ومع ذلك، تحاول جاهدة إغلاق هذا الملف الذي يقلقها منذ اغتصابها أرض فلسطين وتشريد شعبها.

وتعرف حكومة نتنياهو أن المس بحقوق اللاجئين الفلسطينيين وتجاوز مدينة القدس الشرقية كعاصمة فلسطينية في أي عرض تفاوضي، لن يمر، ولن يستطيع أي مفاوض فلسطين تسويقه أمام الشعب الفلسطيني. لذلك، تجد أن الفرصة لتحقيق ذلك هو فرض هذا الحل، وهو ما توفره الآليات التي أعلنت في سياقة الحديث عن الصفقة الأميركية، وقد أعلن مساعدون ومستشارون لترامب أن «الفلسطينيين معنيون بالحل لكنهم ليسوا شركاء في اتخاذ القرار بشأنه». وبالتالي لا تهتم تل أبيب بمحاولة إقناع المفاوض الفلسطيني بالموافقة على عناصر الحل الأميركي ـ الإسرائيلي المتداول.

بالمقابل، قابل الفلسطينيون قرارات ترامب بشأن القدس واللاجئين بغضب عارم، وبات الخطاب الفلسطيني تجاه ذلك موحداً في الموقف من الحرب الأميركية على الحقوق الفلسطينية. وتوج الغضب الشعبي الفلسطيني بانتفاضة القدس والحرية في الضفة والقدس، وجاءت ذكرى يوم الأرض لتشهد تطورا في الحراك الشعبي الفلسطيني مع الإعلان عن انطلاق مسيرات العودة وامتداد فعاليات التمسك بحق العودة واستمرارها حتى حلول ذكرى النكبة.

وإضافة لما مثلته هذه المسيرات من تجسيد لوحدة مواجهة الاحتلال في الميدان، أكدت في الوقت نفسه أن معارك الدفاع عن الحقوق الفلسطينية تدور على جبهة واحدة. حيث يتكامل النضال الوطني من أجل حق العودة مع النضال من أجل حق تقرير المصير والاستقلال الناجز. وفي سياق النضال من أجل تحقيق الأهداف الكبرى، تتوزع جبهات المواجهة ضد الاستيطان والتهويد والحصار وغيرها من محاور السياسة العدوانية والتوسعية الإسرائيلية.

ومع انطلاق فعاليات الأرض والنكبة، أكد اتساع رقعتها وحدة الشعب الفلسطيني في أراضي الـ48 والضفة والقطاع ومواقع اللجوء والشتات، ووجهت هذه الفعاليات رسالة واضحة للاحتلال وحلفائه تؤكد أن الهجمة الأميركية ـ الإسرائيلية الشعواء عل الحقوق الفلسطينية وما يرافقها من تهديد واجراءات عدوانية في  لن تنجح في ثني الفلسطينيين عن التمسك بحقوقهم والنضال من أجل تحقيقها.

لكن الحلقة الضعيفة في مجرى الصراع مع الاحتلال ومواجهة قرارات إدارة ترامب العدوانية تكمن في مواصلة القيادة الرسمية الفلسطينية التمسك بسياساتها السابقة والاصرار على تحركها السياسي تحت سقف اتفاق أوسلو، وإدارة الظهر لقرارات الإجماع الوطني وخاصة قرارات المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين وقرارات المجلس الوطني التي انعقد مؤخراً.

لقد شهدت مسيرات العودة في قطاع غزة جرائم اسرائيلية موصوفة بحق المشاركين، وأجمعت مؤسسات ومراكز حقوقية وطنية ودولية على أنها ترقى لمصاف جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية كما يصنفها القانون الدولي. وسبق للمجلس المركزي أن قرر وجوب التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية والتقدم بشكاوى نافدة ضد جرائم الاحتلال، في سياق قراراته لتدويل القضية الفلسطينية، والمؤسف أن القيادة الرسمية الفلسطينية أعلنت مرارا عزمها على القيام بذلك .. ولم تفعل.

كما أكد المجلس على وجوب القطع مع اتفاق أوسلو وقيوده السياسية والأمنية والاقتصادية، كما أكد على إرساء أية عملية سياسية وفق قرارات الشرعية الدولية وفي المقدمة القرار 194 الذي يكفل للاجئين حق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، ودعا في الوقت نفسه إلى إطلاق المقاومة الشعبية وحمايتها سياسياً ودعمها في الميدان. لكن هذه القرارات وغيرها جمدت منذ اتخاذها.

من نافل القول إن التزام تنفيذ هذه القرارات يكفل التقدم على سكة تحقيق الأهداف الوطنية ، مثلما ينعكس عدم تنفيذها سلبا على مجرى النضال الوطني وفي المقدمة «انتفاضة القدس والحرية» و«مسيرات العودة» .