اختتم رئيس السلطة الفلسطينية، كلمته المطولة في الجلسة الافتتاحية لدورة المجلس الوطني الفلسطيني(30/4/2018) بأن أعادنا مرة أخرى إلى خطابه في مجلس الأمن الدولي، في 20/2/2018، والذي منحته اللجنة التنفيذية لقب «رؤية الرئيس»، والتي روجها الإعلام الرسمي للسلطة الفلسطينية، بأنها مبادرة فلسطينية للسلام. والخطاب، بوضوح شديد، يعيدنا مرة أخرى إلى اتفاق أوسلو، ويعيد تأكيد التزام صاحبه بالاتفاق، ويدعو لاستئناف المفاوضات لإنجاز ما بات يعرف «بقضايا الحل الدائم» في مفاوضات ثنائية، تفتتحها مجموعة من الدول، تحت اسم مؤتمر دولي، على غرار مؤتمر أنابوليس ومؤتمر باريس.

ومن الطبيعي القول أن هذه العودة لاتفاق أوسلو، من على منبر المجلس الوطني، أثارت ردود فعل سلبية لدى صف واسع من القوى السياسية لأسباب عدة أهمها:

1) أن الأمر نوقش في الساعات الأخيرة، ما قبل انعقاد المجلس الوطني، وقد اتفقت الأطراف كلها، برئاسة رئيس المجلس سليم الزعنون، باعتماد قرارات المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين أساساً لوجهة العمل السياسي في المرحلة القادمة. وهي التي نصت على فك الارتباط باتفاق أوسلو، وبروتوكول باريس، واعتماد استراتيجية سياسية جديدة وبديلة، هي استراتيجية المقاومة الشعبية في الميدان، واستراتيجية نقل القضية إلى الأمم المتحدة، بمؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة وبموجب قراراتها ذات الصلة، التي تكفل للشعب الفلسطيني دولة مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 حزيران 67، وحل قضية اللاجئين بموجب القرار 194، الذي كفل لهم حق العودة إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها منذ العام 1948. وهذا للأمانة، ما ورد حرفياً في الكلمة الافتتاحية لرئيس المجلس سليم الزعنون، ودعا المجلس لتبنيه في قراراته.

2) إن العودة إلى أوسلو (تحت أي مسمى كان) هي انقلاب سياسي فاضح ومكشوف على قرارات المجلس المركزي الفلسطيني، واستخفاف بهذه القرارات، وبالمؤسسة الوطنية، كما من شأن هذه العودة أن تطرح تساؤلات جدية حول جدية المؤسسة الوطنية، وجدية تماسكها، وكيف يمكن للمجلس الوطني أن يتبنى قرارات تشكل انقلاباً على قرارات المجلس المركزي، علماً أن رئيس الهيئتين واحد، وأن الأطراف التي حضّرت لاجتماعات هاتين الهيئتين هي نفسها. دون أن يغيب عن بالنا، أن خطاب أبو مازن ألقي في مجلس الأمن في 20/2/2018، بينما اتخذ المجلس المركزي قراراته في 15/1/2018. أي أن رئيس السلطة هو من انقلب على قرارات المجلس المركزي، وهو من استفرد وانفرد بموقفه في مجلس الأمن، وبالتالي لا أساس قانوني، ولا أساس سياسي، لخطابه، وإن انجر المجلس الوطني إلى موقف 20/2/2018 فمعنى ذلك أنه سيدخل القضية والعلاقات الوطنية الفلسطينية في حقل من الألغام، وفي مخاطر وتداعيات واسعة.

*    *    *

 

«رؤية الرئيس» تحمل في طياتها تناقضات واسعة:

 

• هي من جهة تدعو إلى مفاوضات تحت سقف قرارات الشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه، تلتزم اتفاق أوسلو أساساً لاستئناف هذه المفاوضات. ومن ضمن القضايا الموقعة بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، في إطار المفاوضات العبثية المديدة أن ما يتفق عليه الطرفان هو التطبيق العملي لقرارات الشرعية. أي بتعبير آخر، مرجعية المفاوضات هي المفاوضات نفسها، وليست قرارات الشرعية الدولية، بل وبوضوح أكثر فأن مرجعية المفاوضات هي ما يفرضه الجانب الاسرائيلي على الجانب الفلسطيني. والدليل على ذلك أن التفسير الاسرائيلي للاتفاقات الموقعة هو السائد، وأن التطبيق لهذه الاتفاقات يتم على الدوام وفقاً للتفسير الاسرائيلي.

• وهي من جهة تدعو لاعتماد حدود 4حزيران 67 أساساً للحل، وتوافق في الوقت نفسه على تبادل متفق عليه للأراضي.

ولا يحتاج المرء ليكون عبقرياً ليدرك أن المعنى بذلك هو ضم المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الفلسطينية لدولة إسرائيل، مقابل ضم «أراض» - هي على الدوام فلسطينية – من تخوم دولة إسرائيل إلى تخوم الكيان الفلسطيني. وبالتالي، إذا ما كان هذا التبدل من شأنه أن يشرع شيئاً فهو سيشرع أمرين معاً: أولاً الاستيطان، الذي سيعترف به جزءاً من إسرائيل، وثانياً التهجير الجماعي للفلسطينيين داخل إسرائيل، نحو الكيان الفلسطيني بحيث تضرب إسرائيل عصفورين بحجر واحد : تلتهم ما أمكن من الضفة الفلسطينية ومن مدينة القدس، وتتخلص بقدر ما هو ممكن من الوجود العربي الفلسطيني، في إطار استكمال مشروع بناء الدولة اليهودية.

• وهي من جهة ثالثة تدعو لقرارات الشرعية، بينما بشأن قضية اللاجئين تدعو إلى «حل عادل ومتفق عليه»، بموجب القرار 194 ومبادرة السلام العربية. الحل «المتفق عليه» لن يكون عادلاً البتة. لأنه يحتاج إلى موافقة إسرائيل، التي مازالت تلحق الظلم باللاجئين الفلسطينيين من خلال منعهم من العودة إلى وطنهم وديارهم وممتلكاتهم. والحل بموجب القرار 194 يصطدم بمبادرة السلام العربية. هنا علينا أن نلاحظ أن رئيس السلطة لا يستعين ويستنجد بالمبادرة العربية إلا عند ذكر قضية اللاجئين، لأنه يدرك جيداً أن هذه المبادرة أسقطت حق العودة وقدمته على مذبح التنازلات العربية الرسمية لإسرائيل في مشروع «السلام العربي». أي باختصار، إن العودة إلى اتفاق أوسلو، هي دعوة لإسقاط حق العودة. وتتناقض مع قرارات المؤسسة الوطنية(المجلس المركزي) وقرارات الاجماع الوطني (وثيقة الوفاق /2006/ وحوارات القاهرة، وغيرها) كما تتناقض بشكل صارخ مع الكلمة الافتتاحية لرئيس المجلس الوطني سليم الزعنون.

*    *    *

لِمَ  هذا الإصرار وهذا التهالك على اتفاق أوسلو، وعلى انتهاك قرارات الشرعية الفلسطينية،  والانقلاب عليها، وتحدي المؤسسة الوطنية والاصرار على تهميشها، واعتماد سياسة التفرد والانفراد بالقرار السياسي، وتكريس المطبخ السياسي بديلاً للمؤسسة الوطنية؟

 

نعتقد أن الجواب بسيط وهو:

 

• نحن أمام قيادة سلطوية مازالت تعتقد أن الحل هو في يد الولايات المتحدة الأمريكية، وأن واشنطن هي الطرف الدولي الوحيد القادر على الضغط على تل أبيب للدخول في تسوية، وأن سقف أية تسوية لن يتجاوز على الاطلاق ما يمكن أن «تتنازل» عنه إسرائيل.

• نحن أمام قيادة سلطوية لا تؤمن بالشارع ولا بقدرة الشارع على صنع النتائج. وحتى عندما تدعو لدور ما للشارع، فإنها ترسم لهذا الدور حدوداً ضيقة. وعندما تشعر أن الشارع بدأ يتفلت من بين أيديها، تراها تحاول محاصرته والتضييق عليه، على غرار موقفها من مسيرات العودة في قطاع غزة. وتؤمن بالمقابل أن «الصفقات» هي السبيل إلى الحل، كصفقة أوسلو، التي مازالت الحالة الفلسطينية تعاني كوارثها.

 

• نحن أمام قيادة سلطوية، هي أول من رحب «بصفقة العصر»، التي نادى بها ترامب. وهي كانت الأكثر حماسة للإعلان عن هذه «الصفقة» (مرض البحث عن الصفقات) إلى أن تبين أن هذه «الصفقة» هي أقل من المطلوب وبدلاً من أن ترفضها جملة وتفصيلاً، وتتبنى البدائل الوطنية، مازالت تراهن على تقاطعات، ومسارب تقودها إلى هذه «الصفقة» في رهان على دور ما للدول العربية المعتمدة في المنطقة من قبل الولايات المتحدة. وما «رؤية الرئيس» في مجلس الأمن، إلا إعلان عن الاستعداد لمقابلة «صفقة القرن» في منتصف الطريق. أما الضجيج الإعلامي ضد الدور الأميركي وغيره، فما هو إلا قنابل دخانية، من تحتها يتم التسلل نحو مفاوضات لن تكون خارج «صفقة القرن».