نشط بنيامين نتنياهو منذ عودته إلى مقعد رئاسة الحكومة قبل تسعة أعوام في «تحصين» السياسات العنصرية الإسرائيلية وتحويلها تشريعات عبر ترسيمها في الكنيست.

وإذا كانت الحكومات التي سبقته قد حافظت على إبقاء سياسات التمييز ضد فلسطينيي الـ48 «فعلاً مستتراً» خلف يافطة المساواة والديمقراطية، فإن نتنياهو لا يجد سبباً يمنعه من إعلان هذه السياسات، مستفيداً من الانزياح الكبير نحو اليمين والتطرف في أوساط المجتمع الإسرائيلي، والذي عمل هو وحزبه على تعميقه، ومستثمراً التراجعات الكبيرة في الأوضاع العربية والفلسطينية، والحماية الأميركية لسياسات دولة الاحتلال والتي وصلت إلى مستوى التحالف مع مجيء إدارة ترامب وقراراتها المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني.

ضمن هذا السياق جاءت مصادقة الكنيست الإسرائيلي مؤخراً بالقراءة الأولى على ما يسمى «قانون القومية».

على الرغم من همجية العصابات الصهيونية وارتكابها عشرات المجازر بحق الشعب الفلسطيني تمكن نحو 170 ألفاً من أصحاب الأرض من البقاء فيها أو بالقرب من قراهم وبلداتهم المدمرة. ورسم القائمون بمحاولة إظهار ديمقراطية الدولة العبرية الوليدة عبر إعطائهم الجنسية ومنحهم حق الترشح والتصويت في انتخابات الكنيست منذ دورتها الأولى في العام 1949، ومنذ ذلك الوقت، تضخ الدعاية الصهيونية اسطوانة «واحة الديمقراطية» في منطقة يسودها الظلم والتسلط. وفي سياسة متممة، وضع القائمون على المشروع الصهيوني الفلسطينيين في خانة «الاحتواء»، عبر تشكيل قوائم انتخابية عربية ملحقة بالأحزاب الصهيونية الكبيرة، وركزوا على ترشيح شخصيات عشائرية وعائلية بهدف تعميق هذه الظواهر والاستفادة منها في تحويل الوجود الفلسطيني إلى كتلة انتخابية تصب في مصلحة هذه الأحزاب وسياساتها. وكان واضحاً أن الهدف الرئيس من إعطاء الجنسية ومنح حق التصويت والترشح للفلسطينيين هو وضعهم تحت المتابعة، ومراقبة الاتجاهات السياسية التي تظهر في أوساطهم، للتدخل السريع لقمع اية ظاهرة أو بوادر تحرك يمس مصالح المشروع الصهيوني في فلسطين.

وخلف المشهد «الديمقراطي» الدعائي، سنت الدولة العبرية عشرات القوانين التي تشرع نهب ممتلكات الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم وممتلكاتهم، بدءاً من «مرسوم المناطق المهجورة بعد أقل من أربعين يوماً على وقوع النكبة الفلسطينية؛ وبعده بأشهر قليلة صدور مرسوم دائرة الاختصاص والصلاحيات»؛ وتوالت القوانين تحت ستار إعلان نظام الطوارئ الموروث من عهد الانتداب البريطاني.

ومنذ قيام الدولة العبرية، لم تقتصر سياسات النهب على «أملاك الغائبين» من الشعب الفلسطيني، بل طاولت أملاك من بقي منهم في فلسطين، فمنعت سلطات الدولة العبرية أصحاب القرى المدمرة من العودة إليها ومحاولة إعادة إعمارها والسكن فيها؛ وقيدت من بقي في قريته وبلدته بسلسلة من القرارات والقوانين تمنع عنهم حق التوسع العمراني الأفقي، وحصرت هذا الحق بالمهاجرين اليهود وعبر خطط بناء رسمية تتولى حكومة دولة الاحتلال تمويلها وإنشائها. وأدت قرارات المصادرة والهدم ونهب ممتلكات من تبقى من الفلسطينيين في بلادهم إلى انفجار الاحتقان الفلسطيني كما عبر عنه في يوم الأرض العام 1976.

وكان هذا الحدث الوطني الكبير مفصلاً هاماً في سياق بلورة المشهد السياسي والحزبي في أوساط فلسطينيي الـ48، مع انتهاء مرحلة القوائم العربية الملحقة بالأحزاب الصهيونية ومصالحها، ومع نمو وجود وتأثير الأحزاب العربية في الكنيست وخارجه، أعلنت الحكومات الإسرائيلية حربها الشعواء على هذا الحضور عبر محاولة احتوائه وتقييد دوره عبر سلسلة من مشاريع القوانين من بينها ما سمي بـ «قانون الولاء» الذي يفرض على النائب العربي في الكنيست أداء قسم يعلن فيه ولاءه للدولة العبرية  ومصالحها.

جميع هذه المحاولات فشلت في تحجيم الحضور السياسي لفلسطينيي الـ48، وردت الأحزاب العربية على المحاولات الإسرائيلية بتشكيل القائمة المشتركة التي خاضت الانتخابات الأخيرة بقائمة موحدة وباتت تشكل القوة البرلمانية الثالثة في إسرائيل؛ وتمثل الإنجاز الأهم في مسار العمل السياسي لفلسطينيي الـ48 في التأكيد المعلن لجميع الأحزاب العربية على وحدة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وتكامل أهدافه الوطنية.

واتبعت الدولة العبرية السياسات التي مارستها في فلسطين بعيد النكبة، في الأراضي الفلسطينية التي احتلتها في عدوان العام 1967، وكانت خطوتها الأولى نشر الاستيطان والشروع في تهويد القدس؛ وأسست لذلك بقانون يعتمد تصنيف أراضي الضفة كأراضٍ أميرية «متروكة» لتستخدمها في نشر معسكرات جيش الاحتلال وتحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية. ومنذ العام 1967 ربطت دولة الاحتلال بشكل عضوي استمرار الاحتلال وتأبيده بنشر الاستيطان وتثبيته كشبكة متواصلة تمتلك عوامل البقاء والديمومة. لهذا السبب، لم تدخل في نقاش أية تسوية للصراع إلا إذا كان الاستيطان ومستقبله خارج هذا النقاش، ويرتبط الأمر كذلك بعملية التهويد، ولهذا السبب أيضاً أخرجت تل أبيب القدس الشرقية من أي بحث في المفاوضات الماراثونية التي جرت مع المفاوض الفلسطيني عقب توقيع اتفاق أوسلو.

والأخطر فيما تمارسه دولة الاحتلال تجاه القدس، يظهر من خلال مخططاتها؛ إخراج العديد من الأحياء والقرى في محيطها من خارطة القدس ليساهم ذلك في التسريع بسيادة الأغلبية اليهودية على المدينة.

ومن الطبيعي أن تجد حكومة نتنياهو في قرارات الرئيس الأميركي ترامب بشأن القدس والاستيطان ما يشجعها على تسريع وتصعيد سياساتها التوسعية في المدينة متسلحة باعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال.

وكما فعلت مع ممتلكات اللاجئين الفلسطينيين بعيد النكبة، تسعى حكومة نتنياهو لتطبيق ذلك بشأن ممتلكات النازحين الفلسطينيين منذ العام 1967، وأشر على ذلك عزم حكومة الاحتلال ربط اعترافها بملكية المقدسيين لبيوتهم واراضيهم بإنجاز تسجيلها في «الطابو» مع أنها هي من منع ذلك خلال الخمسين عاماً الماضية، وكونها تعرف الصعوبات التي تعترض طريق هذا التسجيل، فإنها «مستعدة» للتعامل مع هذه الممتلكات والأراضي كـ«أراضي غائبين».. وتصادرها في خدمة الاستيطان والمستوطنين.