هذا هو شعار المطبخ السياسي في السلطة الفلسطينية، ليبرر تهربه من الاستحقاقات السياسية التي تمليها عليه قرارات المجلس المركزي الفلسطيني في دورتيه الأخيرتين، وليغطي إلتزامه الدائم والمستمر باتفاق أوسلو وقيوده، وبتعهداته التي قايض بها قرارات المجلس المركزي مع الإدارة الأميركية وسلطة الاحتلال الإسرائيلي، لضمان بقائه في مربع المعادلة السياسية الإقليمية لتسوية المسألة الفلسطينية. هذا الشعار :«أنا أضلل، إذن أنا موجود» هو الشعار الذي يمارس تحت سقفه سياسته الدعاوية في مخاطبة الرأي العام الفلسطيني، معتقداً للأسف أنه بذلك ينجح حقاً في عملية التضليل هذه، مستخفاً بوعي الحالة الشعبية الفلسطينية، وخبرتها وحنكتها السياسية، متجاهلاً أن هذه الحالة باتت تقرأ المكتوب من عنوانه، وأنها فقدت اليقين بأن هذا المطبخ جاد في الخروج والتخلص من قيود أوسلو، ولعل خطاب الرئيس عباس في مجلس الأمن الدولي في 20/2/2018 الذي أعاد فيه التعهد بالسير بإتفاق أوسلو، والتفاوض تحت سقف أوسلو، خير دليل وخير مثال على ذلك.

وإذا ما أردنا أن نعطي مثالاً ساطعاً (من ضمن أمثلة كثيرة) دعونا نأخذ مسألة طلب الحماية الدولية لشعب فلسطين وأرضه وقدسه، ضد الاحتلال، والاستيطان، والحصار.

• في 30/3/2018، ورداً على مجزرة الاحتلال الاسرائيلي ضد «مسيرة الأرض والعودة» في قطاع غزة والضفة الفلسطينية والقدس، وكذلك في مناطق الـ48، أعلنت الرئاسة الفلسطينية أنها ستطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني. تابعنا الأمر، بين رام الله، وبين نيويورك، ولم يتبين لنا أن وزارة الخارجية في السلطة الفلسطينية، أو أن اللجنة التنفيذية، أو أن الرئاسة، قد طلبت إلى البعثة الفلسطينية في نيويورك اتخاذ الإجراءات الرسمية، منفردة، أو بالتعاون مع البعثات العربية والمسلمة، لتقديم طلب الحماية. بعد فترة ليست بالقصيرة، وبعد سقوط شهداء وجرحى جدد في المناطق المحتلة، تحدث رئيس البعثة الفلسطينية في نيويورك عن توجه لدى السلطة لتقديم طلب الحماية الدولية. ثم نام الأمر في الإدراج. منذ أيام، أدلى الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية موضحاً أن «القيادة» تعمل على طلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني. وحتى اللحظة مازالت قضية الحماية الدولية موضوعاً إعلامياً، ولم تنتقل إلى مرحلة العمل الإجرائي.

• مسألة أخرى يعالجها المطبخ الفلسطيني بالأسلوب نفسه هي قضية التقدم بشكوى ضد جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني وأرضه. وهي كثيرة منها القتل العمد، الحصار على قطاع غزة، نهب الأرض والمياه والاستيطان، جدار الفصل والضم العنصري، قضية الأسرى والعقوبات الجماعية...

هذا الأمر، اتخذ به المجلس المركزي قراراً ملزماً في 5/3/2015. وجدده في دورته الأخيرة في 15/1/2018. مرة يصرح أمين سر اللجنة التنفيذية بأن العمل جار على تحضير الملفات لتقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأنه لا ينقص سوى توقيع رئيس السلطة الفلسطينية. ثم نسمع تصريحاً آخر بأن السلطة ترسل تقارير إحاطة إلى محكمة الجنايات الدولية بجرائم الاحتلال. ثم تصريح من خارجية السلطة أن موعداً قد تحدد (متى؟) مع الجنائية الدولية لبحث ملف جرائم الاحتلال. دون أن يواكب هذا كله أية خطوة واحدة (خطوة واحدة منذ أربع سنوات) أما اللجنة التنفيذية، فحاولت هي أيضاً استغباء الرأي العام حين قالت في بيانها الأخير أنها مازالت «تواصل العمل على تفعيل الشكوى ضد الاحتلال إلى محكمة الجنايات الدولية». وعندما تبرعت النائب العام في المحكمة الدولية وأصدرت تصريحاً حول مجازر الاحتلال في «مسيرة العودة» حاول البعض في مؤسسات السلطة أن يستغبي هو الآخر الرأي العام، فصرح أن هذا التصريح الصادر عن المحكمة الدولية يعني أنها بدأت حقاً في التعامل مع الشكوى الفلسطينية. علماً أن بيان النائب العام، واضح وصريح، ويمكن لمن يجيد القراءة أن يفهمه جيداً، ولا داعي للذهاب به، للتستر على تقاعس وتلكؤ السلطة في تقديم الشكوى إلى الجنائية الدولية. قضية الشكوى إلى الجنائية الدولية، هي الأخرى، باتت موضوعاً رئيسياً من مواضيع التضليل الإعلامي والسياسي.

*     *      *

يمكن أن نمد الأمور حتى نهايتها، فنتوقف أمام مسائل أخرى اتخذت بها قرارات ملزمة على أعلى المستويات. منها تقديم طلب العضوية العاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة. طلب عقد مؤتمر دولي للمسألة الفلسطينية تحت سقف الأمم المتحدة وبموجب قراراتها وتحت رعايتها، طلب الإنتساب الى 22 وكالة دولية حذرت الولايات المتحدة السلطة من القيام بهذه الخطوة نظراً لمخاطرها على إسرائيل ومكانتها في المجتمع الدولي. وقف التنسيق الأمني مع الإحتلال بسحب الإعتراف (أو حتى تعليقه) بإسرائيل...

الحقيقة تقول إن المطبخ السياسي الفلسطيني يمارس التضليل الإعلامي والسياسي بكل هذه القضايا وغيرها لأنه تعهد أمام الولايات المتحدة الأميركية بعدم الإقدام على هذه الخطوات، مقابل الإعتراف به ركناً من أركان المعادلة السياسية الإقليمية ومقابل العمل على إستئناف العملية التفاوضية. هذا التعهد تقدمت به القيادة الرسمية الفلسطينية الى إدارة الرئيس السابق أوباما. وهذا التعهد جددت القيادة الرسمية الفلسطينية إلتزامها به في خطاب 20/2/2018 حين جددت التزامها بإتفاق أوسلو، وبخيار المفاوضات خياراً وحيداً للحل، وحين أدانت «العنف والإرهاب»، وتعهدت بمكافحته (أي تعهدت بعدم اللجوء الى المقاومة والإلتزام بما تسميه «المقاومة الشعبية السلمية») وبالتالي نحن نقف أمام مطبخ سياسي يغلب التزاماته أمام الولايات المتحدة، وأمام سلطات الإحتلال، على التزامه بقرار الهيئات الفلسطينية المقررة، كالمجلس المركزي، واللجنة التنفيذية في م.ت.ف. وللتغطية على ذلك، يضلل الرأي العام ببيانات وتصريحات ذات بلاغة جوفاء، ويقدم للجانبين الإسرائيلي والأميركي والأوروبي، ما يؤكد التزامه بالإتفاقات التي وقع عليها في 9/9/1993 (الإعتراف بإسرائيل) وفي 13/9/1993 (اتفاق أوسلو) ومن بعده بروتوكول باريس الإقتصادي.

 

 

*     *      *

 

ما الذي يسمح للمطبخ السياسي وللقيادة الرسمية ممارسة هذه السياسة؟

الجواب واضح: الأوضاع المهترئة في مؤسسات م.ت.ف، وتهميش هذه المؤسسات، لصالح السلطة الفلسطينية حين يمكن للون سياسي واحد، من ألوان الحالة الفلسطينية أن يتحكم بالقرار السياسي، أو أن يتحكم بتنفيذه.

فاللجنة التنفيذية، هيئة تجتمع عند الإستدعاء، ولا جدول أعمال منظم يرتب اجتماعاتها وليست «معنية» باتخاذ القرارات. وحدود دورها هو النقاش وتداول الآراء. علماً أن هذه اللجنة، في الموقع النظري هي القيادة اليومية للشعب الفلسطيني، وهي المرجعية اليومية للسلطة الفلسطينية. الأمور تسير عكس ذلك. فقرار السلطة وحكومة السلطة هو النافذ، ولا قرار للجنة التنفيذية. مثال ذلك أن التنفيذية أحالت الى حكومة السلطة قرارات «المركزي» بشأن القضايا الأمنية والإقتصادية لتقدم بشأنها اقتراحات بآليات للتطبيق. النتيجة: لا شيء وما زالت التكليفات حبراً على ورق. وما زالت قرارات «المركزي» هي الأخرى حبراً على ورق.

والمجلس المركزي الفلسطيني هو أيضاً هيئة تجتمع عند الإستدعاء دورة في 5/3/2015 بعد طول انقطاع. أما الدورة الثانية ففي 15/1/2018. علماً أن المجلس المركزي هو الهيئة الوسيطة بين المجلس الوطني، وبين اللجنة التنفيذية. وقراراته ملزمة للجنة التنفيذية، وبالضرورة للسلطة الفلسطينية ورئيسها وحكومتها. وهو الذي صادق على قيام السلطة. وبالتالي هو مصدر «شرعية» السلطة الفلسطينية ومن حقه أن يستعيد صلاحيات حكومة السلطة اذا ماشاء. لكن الواقع يقول إن الأمور تسير عكس ذلك. فالسلطة ورئيس السلطة هما كل شيء. واللجنة التنفيذية والمجلس المركزي: لا شيء.

وخطورة أن يستمر الأمر على ما هو عليه، أن الجانبين الإسرائيلي والأميركي يواصلان تطبيق صفقة القرن، خطوة خطوة، وآخرها نزع عبارة الأرض المحتلة عن الضفة والقدس والقطاع والجولان السوري، تمهيداً لإعلان الضم، حيث ترى إسرائيل مصلحتها. بينما المطبخ السياسي يراوح مكانه:

• من جهة يواصل التزاماته بإتفاق أوسلو وبروتوكول باريس، وتعهداته للإدارة الأميركية.

• ومن جهة ثانية يواصل تضليل الرأي العام الفلسطيني والعربي، ولسان حاله يقول: «أنا أضلل.. إذن أنا موجود»