تتعامل إدارة ترامب مع الحقوق الفلسطينية، والأهداف التي يناضل الشعب الفلسطيني لتحقيقها على أنها مسألة «افتراضية» عمل الفلسطينيون على إنتاجها «وفبركتها» وفق رواية خاصة بهم وحدهم، ولا علاقة لها بالواقع العملي.

وربما من هذه الزاوية، نظرت هذه الإدارة إلى مدينة القدس، واستسهلت الطلب من الفلسطينيين أن يبنوا «قدسهم» الخاصة بعيداً عن «القدس»،التي اعترف بها ترامب عاصمة لإسرائيل، وقرر نقل سفارة بلاده إليها.

بالمقابل، ترى إدارة ترامب في التوسع الاستيطاني تلبية لحاجة إسرائيلية ملحة فرضها «الاكتظاظ» السكاني في المستوطنات والأحياء الاستيطانية في الضفة والقدس الشرقية. وكان واضحاً أن ترامب لا يرى في ذلك اعتداء فاضحاً على الأراضي الفلسطينية، لأنه بالأساس لا يعتبرها محتلة.

 ولذلك، عندما أصدرت الخارجية الأميركية تقريرها السنوي وخلا من توصيف هذه الأراضي بالمحتلة، لم يكن الأمر سوى تجسيد للرؤية التي تعمل وفقها إدارة ترامب .. منذ مجيئها.

نصت مبادرات دولية كثيرة ـ ومنها «خارطة الطريق» الأميركية ـ على وجوب «إنهاء الاحتلال الذي بدأ في العام 1967»، وقبل ذلك، تحدث «اتفاق أوسلو» على سوئه، عن آليات تسليم مناطق فلسطينية إلى السلطة الناشئة بفعل الاتفاق؛ وعن مرحلة انتقالية توصل إلى قيام دولة فلسطينية. وعندما قبلت الحكومات الإسرائيلية التعامل مع اتفاق أوسلو ودخلت في مفاوضات ماراتونية مع المفاوض الفلسطيني، كانت مطمئنة إلى عاملين مهمين لن يوصلاها إلى المرحلة التي تنسحب فيها من الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967. والعاملان هما: الأسس التي قام عليها الاتفاق والتي غيبت قرارات الشرعية الدولية، والثاني احتكار واشنطن لرعاية المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ربطاً بالتزام الولايات المتحدة بعدم ممارسة أية ضغوط جدية على تل أبيب لحملها على القيام بما لا تريده.

 وساعد توافر كلا العاملين الاحتلال على مواصلة سياساته التوسعية دون مساءلة. كما ساعداه على التنصل من استحقاقات ما بعد المرحلة الانتقالية، وقلب بالتالي طاولة التفاوض في وجه الجميع.

ومع ذلك، بقي الخطاب الرسمي الأميركي يتحدث عن لا شرعية الاستيطان، وعن أراضٍ فلسطينية محتلة. وسبق للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أن قال بحق الفلسطينيين بدولة مستقلة، وانتقد التوسع الاستيطاني وهدم منازل الفلسطينيين. وأصدرت في حينها «الرباعية الدولية» (17/3/2010) بياناً قوياً قارب ما جاء في خطاب أوباما صيف العام 2009 في القاهرة، فدعت إلى تجميد الاستيطان ووقف هدم منازل الفلسطينيين، وإلى مفاوضات ينتج عنها قيام دولة فلسطينية.

من الصحيح القول، إن جميع هذه الدعوات لم تمتلك آليات تنفيذها الملزمة، لكنها كانت تعكس مناخاً سياسياً على الصعيدين الدولي والإقليمي يتبنى حلاً سياسياً للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي يقوم على الاعتراف أولاً بأن الأراضي الفلسطينية محتلة، وأن هدف أية مفاوضات هو قيام دولة فلسطينية، وإن كنا نختلف تماماً مع غياب محددات قيام هذه الدولة بما يجسد الحقوق الوطنية الفلسطينية ويضمن الاستقلال الناجز وسيادة الدولة الفلسطينية على جميع أراضيها المحتلة بعدوان العام 1967؛ بما فيها القدس الشرقية كعاصمة لهذه الدولة.

لذلك، يقطع تقرير الخارجية الأميركية الذي صدر مؤخراً، مع الرؤية الأميركية الرسمية السابقة تجاه الواقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويقدم مقاربة مستحدثة تضع فيها الحل المفترض للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي كعنوان فرعي وهامشي تحت يافطة الحل الإقليمي، والذي يبدأ وينتهي بإعلاء المصالح الأميركية والإسرائيلية على حساب مصالح دول المنطقة وشعوبها.

 

ويشير خلو تقرير الخارجية الأميركية من تعبير «الأراضي المحتلة» لتوصيف واقعي للضفة والقدس وقطاع غزة والجولان السوري المحتل إلى أن إدارة ترامب تدفع بـ «صفقة القرن» على شكل خطوات متدحرجة بدأت، على الجانب الفلسطيني، بإعلان الموقف المؤيد للاستيطان، وقبل ذلك مهاجمة إدارة أوباماً لتمريرها قرار مجلس الأمن الذي ندد به؛ وتدرجت عبر الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال ومن ثم قرار نقل السفارة الأميركية إليها وصولاً إلى الحصار المالي على الأونروا.

وتندمج في إطار هذا الحل خطة نتنياهو حول  «السلام الاقتصادي»، وهي تنطلق أساسا من التعامل مع قضايا الفلسطينيين الوطنية باعتبارها مشاكل يعانيها السكان الفلسطينيون، و حل هذه المشاكل تأتي على يد خطة اقتصادية (غير تنموية) تقام في إطار مجموعة من المشاريع الاستثمارية وهي عادة تعود بالفائدة أولا على الجهات القائمة بالاستثمار.

ويحافظ نتنياهو في خطته هذه على جميع المميزات التي نالتها إسرائيل في اتفاق أوسلو، وخاصة بروتوكول باريس الاقتصادي والاتفاقات الأمنية مع السلطة وفي المقدمة التنسيق الأمني وتطويره إلى تعاون من جهة واحدة، بحيث تقوم أجهزة الأمن الفلسطينية بمراقبة نشاط الفلسطينيين، وقمع أي «نشاط مريب» يتصل بمقاومة الاحتلال.

ويركز الحل الإقليمي أساساً على ترسيم التطبيع بين دول عربية وإسرائيل دون ربط ذلك بإنجاز حل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يستجيب للحقوق الوطنية الفلسطينية. وتكون إدارة ترامب بذلك قد تطابقت مع الرؤية الإسرائيلية، وعبر تحالف أميركي ـ إسرائيلي في مواجهة دول المنطقة وشعوبها.

لكن نزع صفة «المحتلة» عن الأراضي الفلسطينية يشكل مؤشراً على القطع مع قيام دولة فلسطينية، والحقوق الوطنية الفلسطينية بمجملها، وهو الأمر الذي ينبغي أن تأخذه القيادة الرسمية الفلسطينية بنظر الاعتبار، وتتخلى عن سياسة التردد والانتظار، وخاصة أن إدارة ترامب لم تترك لها أي عنوان لمحاولة تسويق وتبرير سياستها الانتظارية.

والدور الفاعل الوحيد الذي يمكن للحالة الفلسطينية مجتمعة القيام به هو توحيد الإمكانات الوطنية في مواجهة «صفقة القرن»، وهذا يفترض أولاً تنفيذ قرارات المجلس المركزي الفلسطيني في دورتيه السابقتين، وأولاً تدويل القضية الفلسطينية عبر طلب العضوية العاملة لدولة فلسطين وطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، والدعوة لمؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة وحضور قراراتها ذات الصلة، بما يكفل للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية كاملة في العودة وتقرير المصير والاستقلال والسيادة؛ وإحالة جرائم الحرب الإسرائيلية إلى محكمة الجنايات الدولية بشكاوى نافذة، ومنها الجرائم المرتكبة بحق المشاركين في مسيرات العودة في قطاع غزة.