عقدت في مدينة الظهران السعودية (15/4)، القمة العربية التاسعة والعشرون التي جرت، وكما بات  معتاداً في القمم الأخيرة، دون أي اهتمام يُذكر، لا على الصعيد الدولي ولا الإقليمي ولا العربي (الشعبي)، وذلك في ظلّ هامشية ومحدودية الفعل والتأثير العربيين في أي ملف من الملفات الساخنة المطروحة في الساحة العربية.

ولم يغير من هذا الأمر، مشاركة أغلب الملوك والرؤساء العرب في القمة، وكذلك مشاركة عدد من رؤساء ومسؤولي منظمات دولية، مثل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي، ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا. وكذلك محاولة جذب الاهتمام إليها، عبر إطلاق اسم القدس عليها من قبل الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، الذي أعلن كذلك عن تقديم 150 مليون دولار لدعم الأوقاف الإسلامية في مدينة القدس، و50 مليون دولار لوكالة «غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (أونروا). وشدّد في كلمته الافتتاحية، على أن القضية الفلسطينية هي «قضية العرب الأولى وستظل كذلك، حتى حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، وعلى رأسها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية».

وقد أقرت القمة مشاريع القرارات التي كانت مدرجة على جدول أعمالها، وتضمنت 18 بنداً تناولت الملفات والقضايا العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. وصدر عن القمة «إعلان الظهران» الذي عكس وجهة نظر القادة العرب إزاء الملفات المطروحة.

مواجهة الأخطار والتحديات

وأكد البيان الختامي للقمة على أهمية الحفاظ على الأمن القومي العربي، وتعزيز العمل العربي المشترك لمواجهة الأخطار والتحديات التي تهدد أمن الدول العربية واستقرارها، ووقف الأطماع الإقليمية التي تستهدف أراضي الدول العربية. ولكن من دون الخوض عميقاً في الأسباب الجوهرية التي تجعل من العالم العربي نهباً للأطماع والتوسع من قبل عواصم إقليمية وعالمية؟!.

 

وفي هذا الصدد، لفت انتباه المراقبين ما تضمنه «إعلان الظهران» من حديث عن «الشعوب العربية التي عانت من ويلات الربيع العربي وما تبعه من أحداث وتحولات كان لها الأثر البالغ في انهاك جسد الأمة الضعيف»، ليوحي بذلك وكأن ذلك «الربيع» هو الذي تسبب بكلّ المصائب والكوارث التي ألمّت وتلمّ بالعالم العربي، مع أنه كان في الأصل «نتيجة» ومحصلة طبيعية للأوضاع المتردّية والبائسة التي كانت تضرب أطنابها في عموم المنطقة، وعلى مختلف الصعد والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمها تراجع التنمية وتفشي الاستبداد السياسي.  

وفي السياق، رفض القادة المشاركون في القمة «التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، مدينين المحاولات العدوانية الرامية إلى زعزعة الأمن وبث النعرات الطائفية وتأجيج الصراعات المذهبية، مؤكدين الحرص على بناء علاقات طبيعية تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون الإيجابي مع دول الجوار».

وشددوا على الاستمرار في محاربة الارهاب وإزالة أسبابه والقضاء على داعميه ومنظميه ومموليه، والحرص على منع استغلال الارهابيين لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر الفكر المتطرف والكراهية، مدينين بشدة «محاولات الربط بين الارهاب والاسلام».

وفي النصوص الصادرة، تمّ التأكيد على رفض توغل القوات التركية في الأراضي العراقية، مطالبين الحكومة التركية بسحب قواتها فوراً من دون قيد أو شرط، باعتبار وجودها اعتداء على السيادة العراقية، وتهديداً للأمن القومي العربي. كما طالبت القمة إيران بأن «تبني علاقتها على احترام الشؤون الداخلية للدول العربية وعدم التدخل فيها».

وفي مؤتمر صحافي مشترك مع أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، اعتبر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن عقد القمة في الظهران ليس مرتبطاً بأي تهديدات، وأوضح أن قضية قطر، التي غاب أميرها تميم بن حمد عن القمة، «لم تُدرج على جدول الأعمال» بوصفها «قضية محدودة وبسيطة يمكن أن تُحلّ داخل المنظومة الخليجية».

أما فيما يخصّ سوريا، فقد تَجنّب البيان الختامي للقمة الإدلاء بموقف حول الضربات الغربية ضدها، مكتفِياً بالقول «تابعنا ما قامت به القوة الغربية في سوريا»، وذلك بعدما برز انقسامٌ واضح بهذا الشأن، حيث أيّدت الرياض وبعض العواصم الخليجية العدوان الغربي، فيما لاقى ذلك رفضاً من أغلب الدول العربية الأخرى. كما تحاشى البيان تحميل أي طرف مسؤولية ما يقال إنه «استخدام للسلاح الكيماوي»، وطالَب بـ«تحقيق دولي مستقل» بشأنه.

وأعاد البيان التشديد على ضرورة «التوصل إلى تسوية سلمية على أساس جنيف 1، تحفظ وحدة سوريا وسيادتها واستقلالها، وتنهي وجود جميع القوات الخارجية والجماعات الإرهابية الطائفية فيها».

تركيز على إيران

وكان من الواضح خلال القمة، أن السعودية تودّ تريكز جهدها الأساسي من أجل التصدي لما أسمته «المطامع الإيرانية» في المنطقة. من هنا، بدا مفهوماً أن ينصبّ جزء كبير من كلمة سلمان الافتتاحية، وكلمة وزير خارجيته عادل الجبير الختامية، والبيان الصادر عن القمة، على «رفض التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية»، وإدانة ما تقوم به طهران بما سميّ «تأجيج مذهبي وطائفي في الدول العربية، بما في ذلك دعمها وتسليحها للميليشيات الإرهابية»، ومطالبة الجمهورية الإسلامية بـ«سحب ميليشياتها وعناصرها المسلحة من كافة الدول العربية، وبالأخص سوريا واليمن».

كما دان البيان الختامي إطلاق الصواريخ الباليستية على أراضي المملكة، مؤكداً «دعم القادة العرب ومساندتهم للسعودية في كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها»، مكرّراً معزوفة الرياض عن «مطالبة المجتمع الدولي بتشديد العقوبات على إيران، ومنعها من تزويد ميليشيات الحوثي بالصواريخ الباليستية». ولم يَفُت المجتمعين تجديد مساندتهم «جهود التحالف العربي لإنهاء الأزمة اليمنية... بما يؤمن استقلال اليمن ووحدته، ويمنع التدخل في شؤونه الداخلية».

وفي ختام القمة، أعلن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، استضافة بلاده للدورة القادمة (30) للقمة العربية العام المقبل، بعد اعتذار البحرين. كما أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الاتفاق على فكرة عقد قمة عربية ثقافية مستقبلاً، وأن تستضيف بيروت القمة العربية الاقتصادية في 2019.

 

 

السيسي: المنطقة العربية تواجه أخطر أزمة منذ استقلالها

 

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «المنطقة العربية تواجه أخطر أزمة منذ استقلالها، وانتهاء حقبة التحرر الوطني»، منتقداً سياسات إيران وتركيا (من دون تسميتهما)، وتدخلاتهما في المنطقة العربية، ومنوّهاً بأن القضية الفلسطينية «توشك على الضياع».

وقال في الكلمة التي ألقاها أمام القمة، إن «الأمن القومي العربي يواجه تحديات لا سابق لها، إذ تواجه دول عربية للمرة الأولى منذ تأسيسها تهديداً وجودياً حقيقياً». وأشار إلى أن «دولاً إقليمية تهدر حقوق الجوار، وتعمل بدأب على إنشاء مناطق نفوذ داخل الدول العربية وعلى حساب مؤسسات الدولة الوطنية فيها».

وأوضح السيسي: «نجتمع اليوم، وجيش إحدى الدول الإقليمية متواجد على أرض دولتين عربيتين، في حالة احتلال صريح لأراضيهما». وأضاف: «هناك اجتماعات تجري لتقرير مصير التسوية، وإنهاء الحرب الأهلية الشرسة، التي أزهقت أرواح ما يزيد على نصف مليون سوري، من دون مشاركة لأي طرف عربي، وكأن مصير الشعب السوري ومستقبله، بات رهناً بلعبة الأمم، وتوازنات القوى الإقليمية والدولية».

ولفت إلى أن «طرفاً إقليمياً آخر زينت له حالة عدم الاستقرار التي عاشتها المنطقة في السنوات الأخيرة، أن يبني مناطق نفوذ باستغلال قوى محلية تابعة له، داخل أكثر من دولة عربية». وأعرب عن أسفه، قائلاً: «مِنَ الأشقاء مَن تورط في التآمر مع هذه الأطراف الإقليمية، وفي دعم وتمويل التنظيمات الطائفية والإرهابية».

ودعا إلى تبني «استراتيجية شاملة للأمن القومي العربي، للتصدي للتهديدات الوجودية التي تواجهها الدولة الوطنية في المنطقة العربية، وإعادة تأسيس العلاقة مع دول الجوار العربي على قواعد واضحة، جوهرها احترام استقلال وسيادة وعروبة الدول العربية، والامتناع تماماً عن أي تدخل في الشأن الداخلي للدول العربية».

وفي ما يتعلق بالملف الفلسطيني، أكد السيسي أن «فلسطين قضية العرب المركزية توشك على الضياع، بين قرارات دولية غير مفعلة، وصراع الأشقاء أصحاب القضية، الذي يستنزف قواهم ومواردهم الضئيلة، ويفتح الباب أمام مَن يريد تكريس واقع الاحتلال والانقسام كأمر واقع، ويسعى إلى إنهاء حلم الشعب الفلسطيني الشقيق في الحرية والدولة المستقلة».