في عملية استعراضٍ للقوة، قامت كلٌّ من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا فجر يوم (14/4)، بعدوان غاشم على مواقع سورية عدة في دمشق وريفها وفي حمص، وسط البلاد، مستخدمة في ذلك أحدث أنواع صواريخها المجنّحة وطائراتها المقاتلة، وذلك رداً على ما زعمت أن «هجوم بسلاح كيماوي على مدينة دوما في الغوطة الشرقية».

وخلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني حسن روحاني، اعتبر الرئيس السوري بشار الأسد أن «هذا العدوان لن يزيد سورية والشعب السوري إلا تصميماً على الاستمرار في محاربة وسحق الإرهاب». واعتبر أنه جاء «نتيجة معرفة القوى الغربية الاستعمارية الداعمة للإرهاب أنها فقدت السيطرة، وفي الوقت نفسه شعورها بأنها فقدت صدقيتها أمام شعوبها وأمام العالم».

وأعلنت القيادة العامة للجيش السوري أن دفاعاتها الجوية «أسقطت معظم الصواريخ التي أطلقها طيران العدوان الثلاثي الغادر». وقالت في بيان: إن منظومات الدفاع الجوي السورية «تصدّت بكفاءة عالية لصواريخ العدوان وأسقطت معظمها، في حين تمكّن بعضها من إصابة أحد مباني مركز البحوث في برزة الذي يضم مركزاً تعليمياً ومخابر علمية، ولم تقع إصابات».

أما وزارة الدفاع الروسية، فأكدت أن الضربات لم تتسبّب بوقوع «أية ضحية» بين المدنيين والعسكريين. وكشفت أن طائرات أميركية من طرازات بي1 بي، وأف 15 وأف 16، شاركت في الهجمات، معززة بطائرات «تورنادو» البريطانية فوق البحر المتوسط، وسفينتي «لابون» و«مونتيري» الأميركيتان من البحر الأحمر. وأوضحت أن المهاجمين أمطروا سورية بـ 103 صواريخ مجنحة؛ بما فيها «توما هوك» أطلقت من السفن الحربية، وقنابل جوية وصواريخ «جو-أرض».

ولفت ناطق باسم الجيش الروسي إلى أن قوات الدفاع الجوي السوري تمكنت من اعتراض وإسقاط 71 صاروخاً باستخدام منظومات «إس-125» و«إس-200» و«بوك» و«كفادرات» و«أوسا»، من أصل 103 صواريخ أطلقت. معتبراً أن ذلك يؤكد «الفعالية الكبيرة لهذه المنظومات، والخبرة الكبيرة للعسكريين السوريين الذين تم تدريبهم على يد خبراء روس». كما شدد على «عدم وجود أي مؤسسات لإنتاج السلاح الكيماوي في سورية بشهادة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية».

الموقف الروسي

وأكدّت وزارة الدفاع الروسية أن الضربات الغربية لم تستهدف مواقع قريبة من القاعدتين الجوية والبحرية الروسيتين في سورية. وقالت في بيان إن «أياً من الصواريخ (...) لم يدخل منطقة مسؤولية الدفاعات الجوية الروسية التي تحمي المنشآت في طرطوس وحميميم».

واعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن العمليات العسكرية الغربية «تمت دون تفويض من مجلس الأمن، ما يعتبر انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد ومبادئ القانون الدولي، وهو عمل من أعمال العدوان ضد دولة ذات سيادة في طليعة مكافحة الإرهاب».

ودان بوتين «بأقصى درجات الحزم الهجوم على سورية، حيث يساعد عسكريون روس الحكومة الشرعية في مكافحة الارهاب». واعتبر أن الغربيين أظهروا «ازدراء وقحاً بمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية»، التي كان من المفترض أن تبدأ تحقيقها في مدينة دوما، بتنفيذهم «عملية عسكرية من دون انتظار نتائج التحقيق».

 

إعاقة عمل «منظمة الحظر»

 

وكانت العملية العسكرية الغربية جاءت في وقت كان يفترض ببعثة «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» التي وصلت إلى دمشق، البدء بعملها للتحقيق في التقارير عن الهجوم الكيميائي المزعوم في دوما. وعليه، فقد اعتبرت الخارجية السورية أن توقيت العدوان «يهدف أساساً إلى إعاقة عمل البعثة واستباق نتائجها والضغط عليها».

وتساءل مندوب سورية لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، لماذا «لم يتشارك سفراء أميركا وبريطانيا وفرنسا الذين ادعوا أنهم قصفوا مراكز انتاج مواد كيماوية في سورية، ادعاءاتهم مع خبراء منظمة الأسلحة الكيماوية التي وصلت بعثتها إلى سورية؟».

ولفت الجعفري إلى أن «الدول الغربية مهدت لعدوانها الغاشم بإصدار تصريحات عدوانية من كبار مسؤوليها، تقول فيها ضمناً إن ذريعتها الوحيدة لمنع تقدم الجيش العربي السوري في مواجهة الجماعات الإرهابية المسلحة، هي مزاعم استخدام الأسلحة الكيماوية».

وخلص إلى أن «المجموعات الإرهابية عملت في سباق مع الزمن على فبركة مسرحية استخدام المواد الكيماوية في دوما، واستجلبت شهود الزور وتلاعبت بمسرح الجريمة المزعوم»!.

 

 

 

«مجلس الأمن» منصّة لصراع محتدم بشأن سوريا

 

في ظلّ الاستقطاب الدولي الشديد القائم بشأن الأزمة السورية، تحول مجلس الأمن الدولي إلى ساحة نزال وتنافس بين العواصم الكبرى بما يخصّ سوريا، وخصوصاً بين واشنطن وبقية العواصم الغربية المؤيدة لها من جهة، وبين موسكو وبكين وبعض العواصم الحليفة لها، من جهة أخرى.

فبعد ساعات على الضربات الجوية، دعت موسكو إلى اجتماع عاجل للمجلس، دعت فيه إلى «إدانة العدوان الغربي ضد سورية»، إلا أن مشروع قرارها لم يحصل على التأييد المطلوب؛ حيث اعترضت عليه ثماني دول وامتنعت أربع أخرى عن التصويت.

بعد ذلك مباشرة، وفي محاولة للعودة إلى الديبلوماسية من العواصم الغربية التي قامت بالعدوان، أو الايحاء بذلك، عمدت تلك العواصم ذاتها (14/4)، على التلويح بجزرة «التسوية»، في مقابل التهديد بعصا «ضربة عسكرية جديدة»، على رغم إقرارها بأن الضربات التي وجهتها «لم تغير الوضع على الأرض».

وتقدّمت تلك العواصم بمشروع قرار تضمن ثلاثة جوانب معاً؛ كيماوية وإنسانية وسياسية، فهو يدعو إلى إنشاء آلية تحقيق جديدة حول استخدام الأسلحة الكيماوية، وإلى إيصال المساعدات الإنسانية، وبدء محادثات سلام سورية برعاية أممية. وقال ديبلوماسي غربي إن الغرض من اقتراح هكذا مشروع هو الايحاء بأن «التدخل العسكري الغربي في سورية هو في خدمة استراتيجية سياسية».

وفي المقابل، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من «فوضى في العلاقات الدولية». وأوضح الكرملين أن بوتين بحث هاتفياً مع نظيره الإيراني حسن روحاني في الوضع في سورية، بعد الهجوم الصاروخي للولايات المتحدة وحلفائها. وحذر من أن هذا العمل غير القانوني قد «يلحق ضرراً بآفاق التسوية السياسية».

في غضون ذلك، استمرّت واشنطن بإرسال إشارات متضاربة في شأن الوجود الأميركي في سورية. فبعدما أعلنت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي (15/4)، إن بلادها لن تسحب قواتها من سورية، إلا بعد تحقيق أهداف ثلاثة؛ (هي «ضمان عدم استخدام الأسلحة الكيماوية بأي شكل يمكن أن يعرض مصالح الولايات المتحدة للخطر»، وهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، و«ضمان وجود نقطة مراقبة جيدة لمتابعة ما تقوم به إيران»)، عاد البيت الأبيض ليؤكد (16/4)، عبر الناطقة باسمه ساره ساندرز، أن المهمة الاميركية في سورية «لم تتغير»، وأن الرئيس ترامب «يريد عودة القوات الأميركية إلى بلادها في أقرب وقت ممكن». وتوقعت ساندرز أن «يتحمل حلفاء واشنطن وشركاؤها الإقليميون مسؤولية أكبر عسكرياً ومالياً من أجل تأمين المنطقة».

والمفارقة أن هذا التأكيد، جاء أيضاً بعد ساعات من قول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن «باريس أقنعت ترامب ببقاء القوات الاميركية في سورية لمدة طويلة»!.

 

 

«الديمقراطية» تدين العدوان الغاشم

 

أدانت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بأشد العبارات العدوان الغاشم الذي شنته الولايات المتحدة وحلفائها الغربيون على الجمهورية العربية السورية الشقيقة.

ورأت فيه انتهاكاً فظاً وغير مبرر على الإطلاق للسيادة السورية ومبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وحذرت من أن يشكل «فاتحة لسياسة جديدة، تعمد إليها الإدارة الأميركية بتشكيلاتها الجديدة تنسف فيها مبادئ القانون الدولي في العلاقات الدولية، وتمارس سياسة من شأنها أن تجر العالم إلى توترات واضطرابات وحروب تلحق أوسع الضرر بمصالح الدول وشعوبها، وفي خدمة المصالح الإمبريالية للإدارة الأميركية المتوحشة، وسياستها العدوانية».

كما حذرت الجبهة من أن تستغل إسرائيل هذا العدوان، والسياسة المتوحشة التي تقف خلفه، لتوسع هي بدورها سياستها الدموية ضد شعبنا الفلسطيني، وتواصل انتهاكاتها للسيادة السورية في عمليات عدوانية تكررت أكثر من مرة.

كما أبدت الجبهة أسفاً عميقاً أن تتحول بعض الدول العربية إلى قواعد عسكرية أميركية تنطلق منها موجات العدوان على دول عربية أخرى أعضاء في جامعة الدول العربية والمنظمة الدولية للأمم المتحدة لها سيادتها وكرامتها الوطنية.

ودعت الجبهة المنظمة الأممية إلى اتخاذ الإجراءات التي تصون سيادة الدول الأعضاء، وتصون مبادئ القانون الدولي التي تضمن العلاقات الدولية، وتؤسس لعالم خالٍ من كل أشكال الاستعمار، وفي مقدّمه الاستعمار الاسرائيلي للأرض الفلسطينية، وخالٍ من كل أشكال العدوان والتدخل في شؤون الدول الأخرى، على غرار السياسة الفظة والمتوحشة التي تتبعها إدارة ترامب.