تعيد دولة الاحتلال إنتاج الآليات المادية والـ«قانونية» التي مكنتها من الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين بعد تهجيرهم من ديارهم وممتلكاتهم إبان وقوع النكبة وما بعدها.

يبدو هذا واضحاً في الإجراءات التي تقوم بها في القدس الشرقية وعزمها الشروع في لعبة «تسوية» الأراضي والبيوت الفلسطينية في «الطابو»، وربط تثبيت عقود البيع والشراء التي تمت ما بين المقدسيين بحدوث هذا التسجيل.

المفارقة، أن سلطات الاحتلال هي مَنْ منع على الدوام تسجيل ملكية الأرض أو المنزل باسم صاحبه الفلسطيني في أحياء القدس الشرقية والقرى والبلدات المحيطة بها.

وهي عندما تبدأ الآن بالتشديد على عملية التسجيل، فإنها تهدف إلى تمكين المستوطنين من الاستيلاء على مئات المنازل الفلسطينية والاحتفاظ بها تحت دعوى أنها «أملاك غائبين»، ولا يوجد ما يثبت أنها تعود إلى صاحبها الذي لم يتمكن من تسجيل هذه الملكية في «الطابو» بسبب تعطيل هذه العملية على يد سلطات الاحتلال.

إعادة إنتاج النكبة الفلسطينية في القدس الشرقية ومناطق عدة في الضفة تقوم على عاملين أساسيين توافرا قبيل نكبة العام 1948 وبعدها وهما: القتل بهدف التشريد والاستيلاء على الأراضي والممتلكات. وكما كانت العصابات الصهيونية في ذلك الوقت تقوم بترهيب الفلسطينيين وقتلهم، تفعل ذلك الآن عصابات المستوطنين مثل «تدفيع الثمن» وغيرها؛ وقد شهدت قرى وبلدات الضفة في السنوات الأخيرة وقوع جرائم قتل واعتداء على ممتلكات الفلسطينيين، ومنها قتل أفراد أسرة الدوابشة وحرقهم. واتضح أن هذه العمليات تتم تحت رعاية جيش الاحتلال وتواطؤ الحكومة الإسرائيلية وحتى «القضاء» الإسرائيلي عندما لم تعتمد النيابة اعترافات مرتكبي جريمة القتل والحرق بحجة أن هذه الاعترافات تم الحصول عليها بطرق غير قانونية.

ومن نافل القول إن المستوطنين باتوا يمثلون للأحزاب الصهيونية المتطرفة خزاناً كبيراً من الأصوات الانتخابية وذراعاً للحكومة وجيش الاحتلال ينفذ أقذر أساليب تطبيق السياسة التوسعية الإسرائيلية، فيما تدعي حكومة الاحتلال أمام المجتمع الدولي بأن ما يجري هو مجرد انفلات «خارج القانون» تقوم به مجموعات صغيرة لا تكتسب أية صفة رسمية، وبالتالي لا تتحمل حكومة الاحتلال تبعات ما تقوم به هذه المجموعات.

وإذا كانت حكومة الاحتلال ومؤسساتها الأمنية والعسكرية وعصابات المستوطنين لا تستطيع تكرار مسلسل النكبة ومشهد التهجير الجماعي لأسباب كثيرة معروفة، إلا أنها تجهد من أحل ترسيم سلب ممتلكات النازحين الفلسطينيين الذين خرجوا من الضفة مع وقوع عدوان العام 1967، وبشكل خاص، المقدسيين منهم. وكما تتنكر للقرار الدولي 194 الذي يكفل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها في العام 1948، تتنكر أيضاً للقرار 425 الذي يكفل حق رجوع النازحين إلى أرضهم وممتلكاتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967.

وتأتي لعبة تسجيل ممتلكات المقدسيين في «الطابو» والتعقيدات التي سببتها إجراءات الاحتلال في وجه إنجاز هذه العملية لتكمل ثنائية القتل وسلب الممتلكات؛ وهنا تلعب محاكم الاحتلال دوراً حاسما في تمرير هذه اللعبة تمهيداً لوضع الأراضي والممتلكات التي لا يستطيع أصحابها إثبات ملكيتهم لها وفق محددات الاحتلال «الجديدة» في خانة «أملاك الغائبين»، تمهيداً لمصادرتها في إطار الحملة المسعورة لتهويد مدينة القدس.

ومن المعروف أن دوراً خطيراً مارسته ولا تزال سياسات إدارة ترامب تجاه مدينة القدس عبر الاعتراف بها عاصمة للاحتلال، وتقصد الإعلان عن نقل السفارة الأميركية إليها بشكل متزامن مع ذكرى النكبة الفلسطينية.

وكما ساهمت واشنطن وعواصم الاستعمار في أوروبا بصناعة النكبة الفلسطينية في العام 1948، فإن إدارة ترامب تكرر هذا الدور بما يخص القدس الشرقية، وعموم الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967، وقد سبق لها قبل الإعلان عن موقفها العدواني من القدس واللاجئين الفلسطينيين، أن رأت في الاستيطان حقاً إسرائيلياً، وأعطت بذلك الضوء الأخضر كي ينفلت الاحتلال على نحو أوسع في نشر الاستيطان وتهويد القدس.

ومع ذلك، وعلى الرغم من تنمر إدارة ترامب وتهديداتها المتواصلة ضد من يسعى لوضع الاحتلال الإسرائيلي أمام المساءلة القانونية الدولية، إلا أن خطوات إيجابية تمت في الأمم المتحدة بدءاً من الاعتراف في العام 2012 بفلسطين دولة تحت الاحتلال على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية مروراً بقرار مجلس الأمن في نهاية العام 2016 الذي أدان الاستيطان الإسرائيلي، وصولاً إلى رفض المجلس ومعه الجمعية العامة لقرار ترامب حول القدس؛ بالإضافة إلى عشرات القرارات التي صدرت عن مؤسساتها الأمم المتحدة وأنصفت فيها الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية.

وهذا مناخ سياسي أممي يشجع على مواصلة المعركة السياسية ضد الاحتلال في المحافل الأممية، وهو ما يفترض على القيادة الرسمية الفلسطينية الإقلاع عن ترددها وإحجامها عن تقديم شكاوى ضد جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني وحياة أبنائه وممتلكاتهم.

ومن البديهي القول إن استمرار هذا التردد والإحجام يشجع الاحتلال على المضي بمخططاته التوسعية والتي وصلت مؤخراً إلى السعي لإحداث تغيير ديمغرافي في القدس لصالح تهويدها، كما يشجعه على مواصلة دعمه لجرائم عصابات المستوطنين في قتل الفلسطينيين ونهب ممتلكاتهم.

في المقابل، يواصل الفلسطينيون في قطاع غزة وفي الضفة انتفاضتهم وهبتهم الشعبية دفاعاً عن القدس وتمسكاً بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم. وأكدت مسيرات العودة في القطاع تواصل الزخم الجماهيري والالتفاف حول أهداف المسيرة وفعالياتها على الرغم من الواقع الصعب الذي يعيشه أهالي القطاع في ظل الحصار وعدوان الاحتلال وتداعيات الانقسام.

ويشكل ما يجري في الضفة والقطاع رافعة وطنية شعبية هامة في التصدي لسياسات الاحتلال وإلا أن ذلك يحتاج دعماً سياسياً وفرته قرارات المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين، لكن هذا الدعم بقي حبيس نصوص القرارات التي عملت القيادة الرسمية الفلسطينية على تجميدها، بل، واتبعت سياسات معاكسة من خلال تمترسها تحت سقف أوسلو الهابط عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، والتمسك بقيود هذا الاتفاق الأمني والسياسي والاقتصادي.

لقد شكل الحراك الشعبي المتعاظم في الضفة والقطاع إمكانية تحقيق إنجازات مهمة، كما حصل في هبة القدس ضد إجراءات الاحتلال في الأقصى، مع الإشارة إلى أن ما يحصل الآن مفتوح على التطور والتصاعد في مواجهة التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي الذي يسعى عبر خطوات عملية في السياسة والميدان لتصفية القضية الفلسطينية، وتكريس حل إقليمي تهمش فيه حقوق الشعب الفلسطيني ويفتح الباب واسعاً للتطبيع الرسمي مع الاحتلال على حساب هذه الحقوق.