وصف الكرملين (9/4)، العقوبات الأميركية الجديدة التي فُرضت على رجال أعمال ومسؤولين كبار وشركات روسية، بـ«المشينة»، نظراً لـ«عدم قانونيتها، وانتهاكها جميع المعايير»، وذلك حسب الناطق باسمه، ديمتري بيسكوف، الذي أضاف أنّ الكرملين «يبحث بتمعّن تأثيرها على الأسواق الروسية، وفهم حجم ضررها الحقيقي».

واعتبرت الخارجية الروسية أن الضغوط الأميركية «لن تجعل روسيا تنحرف عن الطريق الذي اختارته، بل ستثبت فقط عجز الولايات المتحدة عن تحقيق غاياتها». ونصحت واشنطن بـ«التخلّص سريعاً من وَهم أنه يُمكن الحديث معنا من خلال استخدام لغة العقوبات».

بيد أنّ السفارة الروسية في الولايات المتحدة اعتبرت أنّ العقوبات الجديدة «تستهدف الشعب الروسي»، متهمة واشنطن بـ«الرغبة في تقسيم المجتمع الروسي»، فيما رأى رئيس مجلس الدوما فياتشيسلاف فلودين أنها «تهدف إلى إضعاف روسيا واقتصادها».

وقد توعّدت الحكومة الروسية بـ«ردّ قاسٍ» على العقوبات قائلة: «لن نترك الهجوم الحالي أو أيّ هجوم جديد مناهض لروسيا من دونَ ردّ قاس». ولكنها في الواقع بدت حائرة بين السعي لاحتواء التداعيات التي بدأت بالبروز، وبين الرد بالمثل؟، أعلنت أنها ستدعم الشركات المستهدفة، بعد أن أدّت العقوبات إلى «تراجع سعر صرف الروبل في مقابل الدولار إلى أدنى مستوى منذ أواخر العام 2016، كما هوَت مؤشرات سوق الأسهم الروسية بنحو 10%، فيما انهارت أسهم شركة «روسال» للألومنيوم، التي خسرت نصف قيمتها في بورصة هونغ كونغ، وتراجعت أسهمها المدرجة في بورصة موسكو بنسبة 27.7 %، وبلغت خسارتها أكثر من 3,5 بليون دولار، علماً أنها تؤمّن نحو 7 % من الإنتاج العالمي. ومع انهيار البورصة، تراجعت ثروات أغنى 50 رجل أعمال في روسيا بنحو 12 بليون دولار، وفق تقديرات مجلة «فوربس».

عقوبات تصعيدية

وفي واحدة من أكثر العقوبات والإجراءات التصعيدية ضد موسكو، كانت واشنطن استهدفت بعقوبات جديدة (6/4)، سبعاً من أكبر رجال الأعمال وأكثر الشخصيات نفوذاً في روسيا، الذين يعتبرون من الدائرة الضيقة المقرّبة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، و12 شركة يملكها أو يسيطر عليها هؤلاء، إضافة إلى 17 مسؤولاً روسياً رفيعاً، وذلك بزعم «تدخلها في انتخابات الرئاسة الأميركية العام 2016، وغيرها مما وصفتها الولايات المتحدة بالأنشطة الخبيثة لتقويض ديموقراطيات غربية».

ومن بين الذين شملتهم العقوبات، قطب تجارة المعادن أوليغ ديريباسكا، الذي يملك مجموعة «روسال» العملاقة للألمنيوم، إضافة إلى إيغور روتنبرغ، وفيكتور فيكسلبرغ، اللذين يعدان من أقطاب قطاع الطاقة. إضافة إلى مدير شركة الغاز الروسية العملاقة «غازبروم» أليكسي ميلر. كما تضم القائمة سليمان كريموف الذي يخضع للتحقيق في فرنسا بسبب ادعاءات بإدخاله ملايين اليورو نقداً في حقائب، وكيريل شمالوف، البليونير الذي يقال إنه صهر بوتين.

وشملت العقوبات أيضاً «روسوبورونكسبورت»، الشركة الروسية الحكومية المصدرة للأسلحة، والتي تعد أداة رئيسية في جهود بوتين لدعم تحديث جيشه من خلال بيع المعدات العسكرية المتطورة في العالم. وأعلنت الشركة أن العقوبات ليست سوى «ذريعة لاستبعاد روسيا من سوق الأسلحة العالمية».

وضمّت اللائحة كذلك سكرتير مجلس الأمن الروسي، نيكولاي باتروشيف، ووزير الداخلية فلاديمير كولوكولتسيف، ومساعد الرئيس الروسي يفغيني شكولوف، إضافة إلى المدير التنفيذي لمصرف «في تي بي» أندريه كوستين.

«قانون» العقوبات الأميركي؟

وكانت واشنطن فرضت، في 16 أذار/ مارس الماضي، عقوبات على 19 كياناً روسياً بتهمة «شن هجمات إلكترونية خبيثة، والتدخل في الانتخابات الرئاسية»، التي فاز بها دونالد ترامب على حساب منافسته هيلاري كلينتون.

وقد فرضت حزمة العقوبات الجديدة بموجب نهج وقانون أميركي تم تمريره لمعاقبة روسيا على خلفية الاشتباه بمحاولتها التدخل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والانخراط في هجمات عبر الإنترنت والتدخل في أوكرانيا وسوريا.

ووقع ترامب على مضض على قانون «مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات» في آب/ أغسطس من العام الماضي، رغم إصراره على أن بنوده «تتضمن خللاً كبيراً»، كما أنه يقوض صلاحياته في قيادة السياسة الخارجية.

ولطالما عارض الرئيس ترامب القول إن «نشاطات موسكو عبر الإنترنت ساهمت في فوزه في الانتخابات»، هذا فضلاً عن سعيه إلى توطيد علاقاته ببوتين، لكن الكونغرس أصر على ما وصفه بـ«التدخل الروسي، استناداً إلى أدلة من الاستخبارات الأميركية».

وادعى مسؤولون أميركيون أن تحركهم ضد أصحاب النفوذ الروس مرتبط جزئياً بقضية التدخل الروسي في السياسة الأميركية، لكنهم أصروا على أن الأمر لا يقتصر على ذلك. وزعم وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوتشين، أن الحكومة الروسية تعمل لمصلحة من أسماهم بـ«الأوليغارشية والنخبة الحكومية». وقال إن «الأثرياء النافذون وأفراد النخبة الروسية لن يعود في إمكانهم النأي بأنفسهم عن عواقب نشاطات حكومتهم»، التي وصفها بأنها «مزعزعة للاستقرار».

وقد جاء الإعلان عن العقوبات الجديدة في وقت ما زالت تداعيات محاولة تسميم عميل سابق روسي مزدوج على الأراضي البريطانية مستمرة، بعد أن أدت إلى أكبر أزمة دبلوماسية بين موسكو والغرب، اعتبرت أنها تمهّد لـ«حرب باردة جديدة»، حيث بادرت واشنطن وأغلب العواصم الغربية إلى طرد عشرات الدبلوماسيين الروس، «تضامناً مع لندن في أزمتها مع موسكو»، فيما ردت روسيا بالمثل.

واللافت في الأمر أنّ العقوبات الجديدة جاءت أيضاً في وقت كان أعلن فيه عن قمة مرتقبة بين الرئيسين الأميركي والروسي. وهو اللقاء الذي رأى مراقبون أنه، في حال حصوله، «سيكون أشبه بلقاء ضرورة أكثر منه لقاءً لتحسين العلاقات بين البلدين»، خاصة بعد إقرار العقوبات الأخيرة، ووجود ملفات خلافية معقدة بين الطرفين؛ كالملف الأوكراني وملف نشر الصواريخ في أوروبا، إلى جانب قضية سكريبال التي عمقت هوة الخلافات بينهما.