ركّزت قمة أنقرة الثلاثية الأخيرة (4/4)، التي جمعت الرؤساء؛ الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني إلى جانب التركي رجب طيب أردوغان، على بحث ملف الأزمة السورية والتطورات التي شهدها هذا الملف منذ عقد القمة الأولى للزعماء الثلاثة (وهم قادة الدول الضامنة لمسار أستانا)، أواخر العام الماضي في مدينة سوتشي الروسية.

وبعد أن جدّد الزعماء الثلاثة «التزامهم بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها»، أعربوا عن سعادتهم لـ«الإسهامات الإيجابية لمسار أستانا في إيجاد حل للأزمة فيها»، رافضين «كلّ المحاولات الرامية لخلق واقع ميداني جديد في سوريا تحت ستار مكافحة الإرهاب».

واعتبر البيان الختامي الصادر عن القمة أن مسار أستانا هو «أكثر مبادرة دولية فعالة من ناحية المساهمة في غرس السلم والاستقرار في سوريا عبر تسريع عملية جنيف الرامية لإيجاد حل سياسي دائم للصراع السوري، والمساعدة على خفض وتيرة العنف في عموم سوريا».

وأضاف البيان، أن الزعماء الثلاثة شدّدوا على «مواصلة التعاون الفعال فيما بينهم، بهدف احراز تقدم في المسار السياسي الذي نص عليه القرار 2254 الصادر عن المجلس الدولي، وتحقيق هدنة دائمة بين أطراف النزاع».

صيغ عامة وغامضة

ولكنّ عدداً من المحللين رأوا أن البيان المشترك الصادر تضمّن صيغاً عامة ومطاطة قد تقبل تفسيرات متباينة ومختلفة. وعلى سبيل المثال، فإنّ عبارة «رفض محاولات خلق واقع ميداني جديد في سوريا تحت ستار مكافحة الإرهاب»، يمكن لكل طرف من الأطراف المشاركة في القمة أن يفسرها كما يشاء. فقد يفهم منها أنها «رفض من العواصم الثلاث للوجود الأميركي في سوريا بزعم مكافحة الإرهاب»، كما قد يفهم أنّ المقصود بها هو معركة عفرين والوجود التركي في شمال سوريا، علماً أنّ الرئيس الإيراني حسن روحاني طالب بتسليم عفرين، (التي سيطرت عليها القوات التركية مع جماعات من المعارضة السورية المسلحة)، إلى الجيش السوري، مشيراً على نحو ضمني إلى رفض خيارات تركيا الهادفة إلى خلق منطقة عازلة داخل الأراضي السورية وتثبيتها كأمر واقع.

وفي المقابل، قد يحلو لأنقرة أن تعتبر أن المقصود بذلك هو العمليات العسكرية الأخيرة التي جرت في غوطة دمشق، وما قد يترتب عليها؟!.

تناقض الأجندات

يُذكر أنّ أنقرة تتمدّد في الأراضي السورية تحت غطاء منع قيام كيان كردي أو فيديرالية في شمال سورية، ولكن بما يفسح في المجال أمامها لإحكام سيطرتها على الحدود السورية – التركية التي تصل إلى أكثر من 900 كم. غير أن هذا التمدّد بات يثير قلق طهران، فضلاً عن أنه فرض تعقيداته على العلاقة بين أنقرة وموسكو، إذ تسعى الأخيرة إلى التوصل لاتفاق، من طريق المفاوضات بين أكراد سوريا ودمشق.

وإلى ذلك، ثمة مخاوف روسية- إيرانية من تزايد الحضور والنفوذ التركي في سورية، وخصوصاً في ظلّ الخشية من إمكانية الانقلاب أو التقلب في الموقف التركي من عموم الوضع في سوريا، وعلى حساب مصالح روسيا وإيران.

وكانت القمة قد عقدت على وقع تصريحات أميركية، صدرت عن سيد البيت الأبيض، تتحدث عن قرب انسحاب القوات الأميركية من سوريا، على خلفية أن «القضاء على داعش هو الهدف الرئيسي لمهمتها في سوريا، وأنّ هذا الهدف يوشك على الانتهاء».

ولفتت مصادر دبلوماسية إلى أن مداولات الرؤساء الثلاثة جرت على خلفية تضارب تصريحات المسؤولين الأميركيين حول مسألة وجود القوات الأميركية في سوريا، إضافة إلى غموض الموقف الأوروبي من مستقبل أي تسوية تقرّها الدول الضامنة لمسار أستانا في سوريا.

وعلى رغم الخلاف في بعض المواقف بين روسيا وإيران من جهة، وتركيا من جهة أخرى، إلا أنّ الدول الثلاث سعت للضغط على الولايات المتحدة ودفعها إلى تسريع انسحابها من مناطق سيطرتها في شرق سوريا، مستفيدةً من ارتباك الموقف الأميركي في هذا الشأن، وما يعنيه الانسحاب، في حال حصوله، من إضعاف للموقف الأميركي والغربي عموماً في مفاوضات الحل السياسي، فضلاً عن رفعه الغطاء عن المجموعات الكردية المتحالفة مع واشنطن، علماً أن محاربة «داعش» شكل مبرراً للولايات المتحدة للعمل مع حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبر أنقرة أنها تابعة لحزب العمال الكردستاني، المصنف كمنظمة إرهابية لديها.

قلق غربي

وعلى ذلك، لم تخف واشنطن وعدد من العواصم الغربية قلقها من نتائج قمة أنقرة، على خلفية الخشية من «خلق تكتل إقليمي جديد يستهدف مصالح تلك العواصم كلها في المنطقة»، وهو ما حدا، في نظر البعض، بوزير الدولة الألماني للشؤون الخارجية، نيلس آنن، إلى وصف اللقاء الثلاثي بأنه «قمّة حرب»!.

ويبدو أن إدارة ترامب قد استشعرت خطر تلويحها بالانسحاب، رغم حصول شبه إجماع على كونه «مناورة في التوقيت الخطأ»، فأطلقت تصريحات جديدة لإشعار الجميع بأنها لا تزال موجودة في سوريا، وأنها لن تخلي الساحة بشكل كامل.

ورأى محللون أنه على خلفية مناقشة الملف السوري، حضرت ملفات أخرى ربما أكثر تعقيداً، أولها موقع واشنطن من طموحات الدول الثلاث، فثمة فتور أميركي في العلاقة مع أنقرة، وتوتر لا تخطئه عين مع طهران على خلفية التهديد بإلغاء اتفاق البرنامج النووي الإيراني؛ إضافة إلى التجاذب بين موسكو وواشنطن في عدد من الملفات الساخنة، ومنها الملف السوري!.

 

 

مزاعم «الكيماوي» وتقلبات الموقف التركي

 

انتهزت واشنطن وبعض العواصم الغربية مزاعم وقوع هجوم باستخدام أسلحة كيمياوية في دوما (غوطة دمشق الشرقية)، فبادرت إلى التهديد بشن ضربات عسكرية «عقابية» على دمشق، في محاولة منها لزيادة الضغط على روسيا لإضعاف موقفها بعد المكاسب والانجازات العسكرية التي حققتها مع دمشق من جهة، والسعي لإجبارها على التراجع في ملفات خلافية أخرى، من جهة ثانية.

وفي سياق ذلك، تحول مجلس الأمن إلى ساحة مواجهة دولية بين العواصم المعنية، حيث استخدمت موسكو الفيتو مجدداً في وجه مشروع قرار أميركي غربي يدعو لمعاودة إنشاء آلية تحقيق مستقلة مشتركة في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في دوما.

أما دمشق، فقد وجهت دعوة رسمية، عبر خارجيتها، لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية لإرسال فريق من بعثة تقصي حقائق لمدينة دوما، و«التحقيق في الادعاءات المتعلقة بحادث الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيماوية»، التي تروّج لها بعض الأطراف الغربية، «تبريراً لنواياها العدوانية وخدمة لأهدافها السياسية»، وفق بيان صادر عن الخارجية السورية.

وقد سارع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى تبني خطاب التصعيد الأميركي الأوروبي ضد دمشق، على خلفية الهجوم الكيمياوي المفترض، وبدأ «يهيّئ نفسه، كما يبدو، لإعادة التموضع مجدداً، ضمن الحلف الأميركي في سوريا»، كما توقع بعض المحللين.

وأثار مثل هذا الاحتمال غضب الأوساط الرسمية الروسية، وسط شكوك متزايدة في إمكانية حدوث انقلاب في الموقف التركي، وهو ما ترجم نفسه في تصريحات لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف طالب فيها أنقرة بتسليم منطقة عفرين إلى الحكومة السورية، كما طالبت طهران من قبل. وهذه المرة الأولى التي تطالب فيها موسكو علناً بذلك، علماً أنها تحاشت التطرق لهذا الأمر سابقاً.

وقد استفز ذلك على ما يبدو الرئيس التركي الذي سارع إلى الرد، مؤكداً أن «هذا الموقف خاطئ»، وأن «بلاده ستسلم عفرين إلى سكانها عندما يحين الأوان»، مشدّداً على أنه هو من يحدد هذا الوقت، وليس وزير الخارجية الروسي؟!.

وعلى ذلك، فقد حذر مراقبون من إمكانية إعادة أنقرة لحساباتها في سوريا، وبأنّ على موسكو أخذ الحيطة و«الاستعداد لانقلاب تركي جديد؟»، على حدّ قولهم.

 

 

عدوان إسرائيلي جديد على «التيفور» السوري

 

اتهمت كلٌّ من دمشق وموسكو وطهران إسرائيل باستهداف قاعدة التيفور الجوية العسكرية السورية في وسط سوريا (9/4)، موقعة عدداً من الضحايا؛ من القوات السورية والحليفة.

ورفض الجيش الإسرائيلي التعليق على الضربة، لكنها ليست المرة الأولى التي تقصف فيها إسرائيل أهدافاً في سورية خلال السنوات الاخيرة، بما في ذلك مطار التيفور، الذي استهدفته في العاشر من شباط/ فبراير الماضي، بعدما اتهمت إيران بإرسال طائرة مسيرة من تلك القاعدة للتحليق في أجوائها.

كما صرح وزير الدفاع الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان بأن «إسرائيل لن تسمح لإيران بترسيخ أقدامها في سورية، مهما بلغ الثمن».

وفي المقابل، أعلنت طهران أن عدداً من مستشاريها العسكريين قتلوا في هذا العدوان الجديد، وتوعدت بأنه «لن يمرّ دون ردّ».