ليست هذه محاولة لقراءة تفصيلية، لما جاء في مقابلة صحيفة «اتلانتك» مع ولي عهد العربية السعودية محمد بن سلمان (3/4/2018). بل هي رغبة في تصحيح ما جاء على لسانه بشأن إسرائيل، واستتباعاً للقضية الفلسطينية، والصراع العربي ـــ الإسرائيلي.

الأمر الذي يحتاج لتوضيح إن الصراع ليس مع اليهود، لأن إسرائيل ليست هي ممثل الشعب اليهودي في العالم. وإذا ما إنزلقنا للقول إن الصراع هو ديني بين إسلام ويهود، نكون قد إنزلقنا للقول إن إسرائيل هي مشروع يهودي لكل يهود العالم. وبذلك نكون قد تجاهلنا رأي ملايين اليهود في العالم، الذين أعلنوا صراحة أنهم يرفضون أن تدعي إسرائيل التحدث باسمهم، لأنهم مواطنون في بلادهم، قبل أن يكونوا يهوداً، ولأنهم يحترمون انتماءهم لوطنهم ويرفضون الإزدواجية في الجنسية، أي أن يكونوا يهوداً فرنسيين(على سبيل المثال)، وفي الوقت نفسه يهوداً إسرائيليين.

والأمر الذي يجب توضيحه أيضاً أن آلاف، بل عشرات الآلاف من اليهود يرفضون الإحتلال الإسرائيلي للأرض العربية، منهم في داخل إسرائيل نفسها، ومنهم خارجها.

والرأي الآخر الذي يحتاج لتوضيح هو أن جوهر القضية ليست التفاوض من أجل الوصول «الى سلام». فالصراع مع الفلسطينيين ليس صراعاً بين دولة فلسطينية ودولة إسرائيل، على حدود ومياه مختلف عليها. الصراع هو بين دولة تحتل أرضاً وشعباً، وتستعمره بكل الأشكال والأساليب الأكثر تخلفاً وقمعاً، وصولاً الى نهب الأرض، وتدمير المنازل والإقتصاد والقتل والسجن الجماعي والتشريد والحصار. وفي الوقت نفسه ترفض الإنسحاب من الأرض المحتلة وتخطط لضمها، وتخطط لتدمير كيانية الشعب الفلسطيني، وقطع الطريق عليه ليمارس حقه في تقرير مصيره فوق أرضه.

فضلاً عن ذلك، هناك قضية اللاجئين الفلسطينيين التي تجاهلها محمد بن سلمان. ولا غرابة في ذلك، لأن الملك السابق لبلاده، عبدالله بن عبد العزيز، هو صاحب «المبادرة العربية للسلام» التي كانت وظيفها أن تبلغ إسرائيل رسالة واضحة في التخلي عن حق العودة اللاجئين الفلسطينيين مقابل دولة فلسطينية وتطبيع عربي إسلامي مع إسرائيل (ليست مصادفة أن لا يأتي الرئيس عباس على ذكر مبادرة السلام العربية الا مع ربطها بحل قضية اللاجئين) وبالتالي لم يكن بن سلمان واضحاً في الإشارة الى قضية اللاجئين، بل نعتقد أنه تجاهل هذه القضية عمداً لأنه يدرك جيداً الموقف الإسرائيلي، وكذلك الموقف الأميركي من هذه القضية، وهو لا يرغب في صراع سياسي مع الولايات المتحدة، ولا مع إسرائيل، في الوقت الذي يدعو فيه لحلف إقليمي عربي ــ إسرائيلي ضد إيران، وحزب الله، وحماس وباقي أطراف المقاومة الفلسطينية.

 

* * *

 

المسألة الأخرى التي تجاهلها بن سلمان هي قضية الشعب الفلسطيني داخل إسرائيل، الذي يعيش تحت سقف القوانين العنصرية للمنظومة الصهيونية. وبالتالي تجاهل في السياق المنظومة الصهيونية كمشروع سياسي له أبعاده الفكرية والإقتصادية والأمنية بمخاطرها المعروفة على عموم المنطقة العربية وليست على الشعب الفلسطيني وحده. كان أمراً مثيراً للإستغراب أن يذهب بعيداً في شرح ما رآه من «مخاطر الدولة الإيرانية» على المنطقة العربية. وكان أمراً مثيراً للإستغراب أن يقرأ مستقبل العلاقة مع إسرائيل بتفاؤل، وأن يقرأ مستقبل العلاقة مع إيران بإعتباره مستقبل صراع دائم لا يتوقف يقوم على الصدام الفكري والأيديولوجي.

وإذا كان بن سلمان حاول أن يبدو في حديثه الى الصحيفة الأميركية، من موقع «المتسامح الحضاري»، وصاحب الإنفتاح، بما ذلك الإنفتاح على إسرائيل نفسها، لا لشيء سوى لأنها قوة إقتصادية، فإنه لم يستطع أن يخفي في الوقت نفسه أن موقفه من إسرائيل هو في خلفيته، إلتزام من نظام العربية السعودية «بصفقة القرن»، التي تقوم على «حلف إقليمي» تكون «إسرائيل» عماده الرئيس، وتدور الأنظمة العربية في فلكه تحت الرعاية الأميركية.

ولا يحتاج الأمر لأدلة كثيرة ليؤكد صحة هذا التقدير، ومدى ما يمليه على الرياض من مواقف عملية متناقضة مع الإعلانات اللفظية. ففي قضية القدس مثلاً، التي إختصرها بن سلمان بالمسجد الأقصى (عملاً بفتوى ابن تيمية الذي نزع القداسة عن القدس و أحلها على الأقصى وحده) لم تتخذ الرياض أية مواقف عملية في مواجهة إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها، بل على العكس من ذلك، هي تذهب نحو تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة بعقود إقتصادية، وتسليحية، الأمر الذي دفع ترامب نفسه ليعلن أن بلاده أصبحت شريكاً للعربية السعودية في ثروتها المالية.

وفي إجتماعات لجنة المتابعة الوزارية، لجامعة الدول العربية، رفضت الرياض، عبر وزير خارجيتها أي موقف عربي ذي قيمة عملية، مكتفية بإصدار بيان يعيد التأكيد على قضايا لا تحتاج لإجتماع وزاري لتأكيدها. وعندما تباينت المواقف بين الرياض وعمان، لجأت العربية السعودية الى الضغط على الدولة الأردنية بوقف مساعداتها المالية، الى أن تتخذ مواقف تلتقي مع موقف العربية السعودية، في شأن القدس، وشأن اللاجئين، وشأن الحل الدائم مع إسرائيل.

 

* * *

 

من القضايا المهمة التي نستطيع قراءتها من المقابلة، واللهجة، التي أدار فيها بن سلمان الحديث، أن العربية السعودية بصدد سياسة إقليمية تقوم على أن تتصدر الرياض الموقف العربي في قضايا الإقليم، بعدما كانت تتصدره القاهرة في زمن الرئيس مبارك. اذ يبدو أن إنشغال القاهرة بالهم الداخلي المتشعب في ميادينه المختلفة، عطل عليها هذا الدور. كما يبدو أن الأردن، في موقعه الإقليمي المعروف، من حيث الوزن الإقتصادي وحجم البلاد، لا يستطيع هو الآخر أن يلعب هذا الدور. العربية السعودية هي التي تتقدم الصفوف الآن، في «المواجهة» مع إيران، ومع حزب الله، كما تتصدر الصفوف في شق الطريق أمام الحلف الإقليمي الذي أعلن عنه ترامب في مؤتمر الرياض بحضور أكثر من خمس وخمسين دولة عربية ومسلمة. وما خطوات التطبيع التراكمية بين بعض دول الخليج وإسرائيل، إلا على طريق بناء هذا الحلف. وما جاء في حديث بن سلمان عن العلاقة المستقبلية مع إسرائيل، خاصة في الإقتصاد (وبالضرورة الأمن ما دامت إيران هي «القاسم المشترك» بين الإثنين)، إلا في سياق الخطوات التراكمية لبناء «الحلف الإقليمي».

وإذا كانت القضية الفلسطينية هي «العقدة» أمام هذا الحلف، فإن في جعبة بن سلمان من الأفكار والفتاوى، ما يمكنه من حل هذه العقدة.

وما جاء في حديثه الأخير إلا إحدى هذه المحاولات.