تعرّض التوافق القائم بين حركتي «النهضة» و«النداء» إلى هزّة عميقة، وذلك على خلفية التضارب في مواقف الحزبين الكبيرين خلال المداولات الحادة التي شهدها البرلمان التونسي حول عمل هيئة «الحقيقة والكرامة».

ووقف «نداء تونس» ضد التمديد للهيئة، واتهمها بـ«عدم الحياد ومحاباة الإسلاميين ودفع البلاد إلى الفتنة»، إضافة إلى تشكيكه في «الدور المختل والمشوّه» الذي لعبته رئيستها، سهام بن سدرين، الناشطة الحقوقية المعارضة لحكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وفي المقابل، دعمت «النهضة» وعدد آخر من أحزاب المعارضة استمرار الهيئة لمدة سنة إضافية. وكان لافتاً خلال هذه «المعمعة» أن النهضة (الإسلامية) لم تتردّد في الاصطفاف مع حلفاء الأمس الذين حكمت معهم البلاد خلال فترة «الترويكا» التي امتدت من العام 2011 إلى نهاية العام 2013.

وفي نهاية الجلسات البرلمانية (26/3)، صوّت 68 نائباً ضد التمديد للهيئة، (أغلبهم من حزب «نداء تونس»، الذي يضم كوادر من النظام السابق، ويقود الائتلاف الحكومي إلى جانب «النهضة» وحلفاء آخرين)، فيما تحفّظ نائبان من أصل 70 شاركوا في التصويت، بينما اختارت النهضة الانسحاب من الجلسة قبل دقائق من بدء عملية التصويت.

وقد يدخل هذا التصويت البلاد في أزمة سياسية جديدة، بسبب تباين الآراء والمواقف حول «شرعيته» ومعارضته من كتل نيابية عدة، ترفض «انهاء مسار العدالة الانتقالية من دون اكتماله». وسرعان ما ثار الجدل بشأن مدى «قانونية التصويت»، على خلفية عدم اكتمال النصاب القانوني للحضور، الذي يتطلب توفر ثلث عدد النواب (أي 73)، إضافة إلى أنّ هناك من اعتبر أنه «لا يحق للبرلمان النظر في قرارات الهيئات المستقلة، وأن التدخّل في شؤونها يشكّل نوعاً من المساس باستقلاليتها»، فضلاً عن القول بأن «تصويت البرلمان استهدف تعطيل مسار العدالة الانتقالية والتغطية على فساد الأنظمة السابقة»، من منطلق أنّ الهيئة «لم تُكمل أعمالها المتمثلة في كشف الحقيقة وتعويض ضحايا الاستبداد والمصالحة الوطنية».

وقد أخفى هذا الخلاف القانوني خلافاً سياسياً أعمق حول عمل هيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها بن سدرين، التي تُعتبر من المعادين لحزب «نداء تونس» والرئيس الباجي قائد السبسي، وكل المنظومة التي حكمت تونس قبل ثورة 2011، في حين حظيت الهيئة بدعم المعارضة وحركة «النهضة» المشاركة في التحالف الحكومي.

مسار «العدالة الانتقالية»؟

وتتكفل «هيئة الحقيقة والكرامة» وفق «قانون العدالة الانتقالية» بتقصي الحقائق في «كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان؛ كالقتل العمد أو الاغتصاب والتعذيب والإخفاء القسري، إضافة إلى قضايا الفساد المالي والاعتداء على المال العام، وذلك خلال الفترة الممتدة بين 1 تموز (يوليو) 1955 (تاريخ الاستقلال) وحتى 31 كانون الأول (ديسمبر) 2013».

وتنص المادة 18 من «قانون العدالة الانتقالية» الصادر في 2013، على أن «مدة عمل الهيئة حُدّدت بأربع سنوات بداية من تاريخ تسمية أعضائها (مايو 2014)، قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة سنة بقرار معلل من الهيئة يرفع إلى المجلس التشريعي قبل ثلاثة أشهر من نهاية مدة عملها».

ولكن الأطراف السياسية انقسمت بشأن هذه المادة؛ حيث اعتبرت بن سدرين وأنصارها أنّ المادة لا تنص على ضرورة تصويت مجلس النواب على قرار الهيئة بالتمديد، وإنما الاستماع إليها فحسب. وعلى ذلك، تعهدّت الاستمرار في أعمال الهيئة. أما معارضوها فأصروا على ضرورة تصويت المجلس على القرار.

كما ثار جدل آخر حول «منهجية عمل الهيئة»، وتعرضها إلى مسائل حساسة وخلافية في تاريخ البلاد الحديث، ولا سيما في ما يرتبط بفترة حكم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، مؤسس دولة الاستقلال منذ خمسينات القرن الماضي. وهو ما اعتبرته بعض الكتل البرلمانية «انحراف عن مهام الهيئة، وانخراطٌ منها في أجندة سياسية تجلّت بالخصوص في تشويه تاريخ دولة الاستقلال وإهانة رموزها».

وكانت الهيئة نشرت في موقعها الإلكتروني وثائق تشير إلى أن المستعمر الفرنسي قام بتكوين شركات منحها حقوق استغلال الحقول النفطية والمقاطع في إطار عقود استغلال أو رخص تفتيش لضمان وضع يد فرنسا على الثروات الباطنية لتونس.

التوافق «الهشّ» بين النداء والنهضة

وإلى ذلك، فقد اعتبر مراقبون أن المعركة تتعلق ظاهريا بمسار العدالة الانتقالية، لكنها تُخفي في تفاصيلها وعناوينها، معركة أخرى سياسية مُتشعبة تُبقي الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات، خاصة وأن القوى السياسية في البلاد على اختلافها مازالت تتمسك بشعارات وعناوين صدامية وسط حراك متداخل لا يجتمع على كلمة سواء.

وقد كشفت المداولات البرلمانية بشأن «الهيئة» أن التوافق بين حركتي نداء تونس والنهضة الإسلامية، هش وقابل للكسر، إذ سرعان «ما طفت التناقضات والخلافات بين الحركتين على السطح عند أول منعرج»، على حد قول عدد من المراقبين.

ودعا بعضهم القوى الديمقراطية إلى «التقاط هذه الفرصة، والدفع نحو قلب موازين القوى باتجاه تشكيل مشهد سياسي جديد على قاعدة القواسم المشتركة التي تخدم المشاريع الوطنية المدنية والحداثية الكبرى في البلاد».

ورأى المراقبون أن كل المؤشرات تدل على أن ما تم تحت قبة البرلمان عكس «معركة سياسية ستدور بين فريقين أساسيين؛ الأول وطني مدني حداثي ديمقراطي، والثاني بقيادة حركة النهضة التي لم تتردد في العودة إلى مربع المظلومية والتهديد المُبطن، والاصطفاف مع حلفاء الأمس، الذين حكمت معهم البلاد خلال فترة الترويكا».

وبدأت ملامح هذه المعركة تتبلور وسط الاتهامات المتبادلة بين الفريقين المذكورين، وعلى وقع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية الهامة، لكن ذلك لا يمنع القول إن التوافق بين حركتي نداء تونس والنهضة الإسلامية يبقى محكوماً بعوامل وحسابات أخرى تجعل مآلاته ضبابية لا سيما في هذه المرحلة الحرجة والدقيقة التي تمر بها البلاد؟!.