وقائع يوم الأرض هذا العام، وخاصة في قطاع غزة، حملت تساؤلين هامين تمحورا حول الأفق الذي يمكن أن يفتح عليه الحراك الشعبي الفلسطيني، ومدى قدرة الحالة الفلسطينية على استعادة التكامل الذي كان قائماً في مرحلة النهوض الوطني ما بين مختلف أشكال النضال ضد الاحتلال.

وربما تكون الفترة ما بين يومي الأرض والنكبة، وما يمكن أن تحمله من تطورات ميدانية، معياراً يدل على الاتجاه الذي تذهب باتجاهه الإجابة على التساؤلين المذكورين، ربطاً بقرار الهيئة العليا استمرار الفعاليات الوطنية حتى تبلغ ذروتها مع إحياء الذكرى السبعين للنكبة، وهو الموعد الذي اختارته أيضاَ إدارة ترامب كي تنفذ قرار نقل سفارتها من تل أبيب إلى مدينة القدس.

لذلك، يمكن القول إن الفترة ما بين يومي الأرض والنكبة، تشكل اختباراً جدياً  للحالة السياسية الفلسطينية بكافة مكوناتها يتضح من خلاله مدى إدراكها لمخاطر التحالف الأميركي ـــ الإسرائيلي على حقوق الشعب الفلسطيني ومستقبله الوطني.

خلصت إحدى الكاتبات الصهيونيات، في معرض تعليقها على وقائع يوم الأرض، إلى أن «المقاومة الشعبية أكبر مصدر تهديد لاستمرار الاحتلال». وهو استخلاص صحيح على الرغم من أنه قيل من زاوية التحذير من المقاومة الشعبية الفلسطينية وحض جيش الاحتلال على مواجهتها باستخدام كل ما يملك من وسائل القتل.

ومنذ الإعلان عن مسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة، قررت حكومة نتنياهو وأجهزتها الأمنية والعسكرية مواجهة المشاركين فيها برصاص القناصة في استهداف مباشر بقصد القتل، وهو ما يفسر العدد الكبير من الشهداء والجرحى الذين سقطوا في يوم الأرض.

 ولم يحسب في سياق البحث داخل المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر أية أهمية لتداعيات قتل الفلسطينيين على المستويين الإقليمي والدولي، واتضح مستوى التنسيق العالي ما بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة ترامب قبيل انطلاق مسيرة العودة وتأكيد الإدارة الأميركية على جاهزيتها لإحباط أي محاولة لمساءلة حكومة الاحتلال في مجلس الأمن، وكان إحباط صدور بيان عن المجلس بخصوص ما وقع في غزة هو تنفيذ هذا لتعهد. ومع ذلك لم يغادر القلق والتوجس حسابات حكومة الاحتلال وهي تنظر لما بعد مسيرة العودة.

لقد أرادت حكومة نتنياهو بقرارها مواجهة المشاركين في المسيرة بالرصاص الحي أن تضعف زخم المشاركة الشعبية الفلسطينية في الفعاليات المفترض تواصلها على امتداد 45 يوماً حتى حلول يوم النكبة. لذلك واصلت إطلاق النار على خيمم المعتصمين شمال القطاع وأوقعت بينهم العشرات من الإصابات. وفي حسابات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية سيناريو افترضته في حال تواصل الفعاليات ويحذر من تطورات ميدانية على جبهة المواجهة الشعبية الفلسطينية مع الاحتلال، خاصة إذا امتدت هذه الجبهة لتصل مواقع «التجاوز» مع المستوطنين. وتوقعت هذه الأجهزة أن يؤدي استخدام القتل على نحو مفتوح ضد الفلسطينيين الى وقوع المزيد من العمليات ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه.

ويزيد من هواجس الاحتلال تداعيات مواقف إدارة ترامب بما يخص مدينة القدس وقضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال الضغط المالي على «الأونروا»، ووصول الحالة الفلسطينية بما فيها الرسمية الى استخلاص بأن إدارة ترامب شريك فعلي في تنفيذ الرؤية التوسعية الإسرائيلية، وأن لا أفقاً، حتى لدى المراهنين على التسوية، لأية عملية سياسية يمكن أن تقدم شيئاً للفلسطينيين طالما الإدارة الأميركية مهيمنة على هذه العملية، وخاصة بعد أن قدمت الحل الإقليمي على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

ومع انسداد الأفق السياسي، وتغول الاستيطان والتهويد، من الطبيعي أن ينفجر الاحتقان الفلسطيني بأشكال مختلفة.

بالمقابل، يحتاج استمرار المقاومة الشعبية الفلسطينية الى إجماع سياسي فلسطيني بشأنها، بما يوف لها القدرة على الاتساع ويعطيها زخماً ميدانياً عبر انخراط معظم فئات الشعب الفلسطيني في فعالياتها. ومن نافل القول إن النظام السياسي الفلسطيني القائم وما هو عليه من انقسام وتردي وضع مؤسساته لن يكون قادراً على تقديم هذا الدعم للمقاومة الشعبية. وقد رأى كثيرون أن حجم التحديات التي تواجه قضية الشعب الفلسطيني ومحاولات تصفية حقوقه ينبغي أن حافزاً لمكونات هذا النظام كي تتحرك لتجاوز هذا الواقع. وفي هذا المجال، ثمة فرص كثيرة ضائعة، وفرص أخرى متاحة في حال توافرت الإرادة السياسية الموحدة على القيام بذلك.

لقد توقفت أعمال اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني عند عتبة انعقاد اجتماعها اليتيم بداية العام الماضي، وبدلاً من استكمال دورها باتجاه عقد اجتماع مجلس جديد يوحد الفلسطينيين تحت راية برنامج وطني موحد يقطع مع تداعيات الرهانات الفاشلة وما أنتجته من كوارث، تجهد القيادة الرسمية الفلسطينية باتجاه عقد اجتماع شكلي للمجلس بعضويته القديمة مع ترميمه وفقاً لسجل الوفيات، وحسابات حزب السلطة الأساسي حركة فتح ربطاً بنتائج مؤتمرها الأخير.

وبدلاً من التزام قرارات المجلس المركزي بدورتيه الأخيرتين بالقطع مع اتفاق أوسلو وقيوده، أعادت القيادة الرسمية التأكيد على أن سقف هذا الاتفاق وسيبقى هو المحدد لسياساتها تجاه أية عملية تسوية قادمة وبقيت متمسكة بقيود الاتفاق الأمنية والسياسية والإقتصادية. وفي مجال المصالحة، استمر طرفا الانقسام برمي كرة المسؤولية عن استمراره  كل إلى مرمى الآخر، في سجال عبثي يؤكد، تمترس كل طرف خلف سياساته الفئوية. وإذا كانت الفعاليات التي جرت في يوم الأرض وضعت الجميع على دريئة استهداف الاحتلال، إلا أن ذلك لم يكف حتى الآن ـــــــ للأسف ــــــــ كي ينظرا إلى  قضية استعادة الوحدة باعتبارها مهمة وطنية كبرى تتجاوز حسابات كل منهما المصلحية.

وإذا كان من المفترض دعم المقاومة الشعبية الفلسطينية، وماجرى الضفة والقدس وقطاع غزة ، فالأولى أن ينظر إلى مشاكل القطاع بمسؤولية وطنية، والعمل الفوري على حلها بما يتصل بواجبات حكومة الوفاق والتزامات «حماس» في بنود اتفاق المصالحة ونتائج اجتماع القوى والفصائل في القاهرة خريف العام الماضي، وليس الحديث مجدداً عن عقوبات إضافية على القطاع على خلفية التفجير الذي وقع بالقرب من موكب رئيس الحكومة.

ومع ذلك، يؤكد الشعب الفلسطيني تمسكه بحقوقه وقدرته المتجددة على مواجهة الاحتلال في الضفة والقطاع والقدس التي خاض فيها معارك عدة دفاعاً عن هوية المدينة ومستقبلها الوطني، وأرغم الاحتلالعلى التراجع مرات عديدة ، وقبل ذلك أطلق الإنتفاضة الشبابية في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر، وعلى الرغم من حديث البعض عن أنها خبت إلا أن الاحتلال ذاته إعترف بأنها لا تزال متواصلة.

هي المقاومة الشعبية التي تزيد من قلق الاحتلال وهواجسه، لكن مهام كبرى تقع على عاتق الحالة السياسية الفلسطينية كي تساعد هذه المقاومة على شق طريقها باتجاه الانتفاضة الشاملة.