1

@ صمود الدولة الوطنية من شأنه أن يصون المصالح الوطنية والقومية للشعوب في إطار وحدة دولتها ووحدة الأرض والشعب والسيادة الوطنية

@ الانفتاح على إسرائيل من شأنه يعمق تبعية بعض الدول العربية للدور والمصالح الأميركية ويكرس مكانة إسرائيل في المنطقة

2

@ تتنازع الحالة الفلسطينية إستراتيجيتان:

الإستراتيجية الرسمية في الأولوية للحل السياسي عبر المفاوضات وإستراتيجية أولوية المقاومة في الميدان وتدويل القضية والحقوق الوطنية

@ الإستراتيجية الفلسطينية الرسمية شكلت قيداً على النضال في الميدان وفرضت عليه حدوداً كي لا يتجاوزها تحت دعاوى الانتفاضة الشعبية السلمية

@ إستراتيجية المقاومة هي التي تكسب العمل السياسي مضمونه وتفتح له آفاقه، والعمل السياسي بالحدود الوطنية يفتح أمام المقاومة آفاق النهوض والتطور

3

@ خط المقاومة يفترض إعادة النظر بمهام السلطة، الفلسطينية ووظائفها وبرامجها، في مقدمة هذا التحرر من قيود  أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي

@لا أفق حقيقياً للإستراتيجية المحكومة بأولوية العملية السياسية لأنها محكومة على الدوام بالسقفين الإسرائيلي والأميركي

@ السقف السياسي الإسرائيلي يرفض الاعتراف بالحقوق الوطنية، كالقدس، واللاجئين، والدولة المستقلة ذات السيادة ووقف الاستيطان

@ السقف الأميركي انتقل مع إدارة ترامب من السعي ليحقق تسوية « متحيزة» الى محاولة فرض وتمرير الحل الإسرائيلي وتصفية القضية والحقوق

@ التجربة التفاوضية الفاشلة ألحقت بالقضية الكوارث وزرعت الانقسام وأضعفت روح الوحدة الداخلية، والموقع التمثيلي للمنظمة وباقي المؤسسات

4

@ من أجل استعادة عناصر القوة الفلسطينية التي أتلفتها المفاوضات لا بد من أمرين رئيسين: القطع مع أوسلو، وبناء الوحدة الداخلية

@  ما أصطلح على تسميته «رؤية الرئيس للسلام» أي خطابه في مجلس الأمن (20/2/2018) ما هي إلا عودة الى القديم الذي لا يملك مقومات النجاح

@ لا وظيفة للمبادرات الفاشلة سوى فتح الفراغ على الفراغ، والتهرب من إستحقاقات وتحديات «إستراتيجية المقاومة أولاً وتدويل القضية والحقوق ثانياً» ومتطلباتها الوطنية والعربية والإقليمية وأهمها إعادة بناء الوحدة الوطنية

5

@ المصالحة بين فتح وحماس شرط رئيسي لإستعادة الوحدة الداخلية، أي وحدة المؤسسة والقوانين وبنا الوحدة الوطنية الجامعة والإئتلافية

@ من شروط الوحدة الداخلية أيضاً السعي لإستعادة الطابع التمثيلي لمؤسسات م.ت.ف عبر مشاركة جميع مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية فيها

@ ندعو لإحالة قرار عقد المجلس الوطني الى اللجنة التحضيرية ولجنة تفعيل وتطوير م.ت.ف. لعقد دورة ناجحة جامعة وشاملة خارج سياسة التفرد والإستفراد وعقد الصفقات في «المطبخ السياسي»

@ نؤكد على ضرورة تنفيذ قرارات المجلس المركزي والخشية أن تتكرر تجربة العمل مع قرارات الدورة الماضية للمجلس، لكن هذه المرة على يد اللجنة التنفيذية نفسها

@الآلية التي دعت لها مبادرة الرئيس وصادقت عليها اللجنة التنفيذية تشكل تجاوزاً على قرارات المجلس المركزي بفك الإرتباط بأوسلو والتحرر من قيوده

@ إن «مبادرة الرئيس» لا تصلح كأساس لإستراتيجية عمل كفاحي يوحد الصف الوطني على طريق الارتقاء بالمقاومة الشعبية إلى مستوى الانتفاضة الشاملة

 

 

 

 

(1)

 

 

في الإقليم: أين نقف؟ وإلى أين نسير؟

 

 

اتجاهان

 

بنظرة على أوضاع الإقليم بتداعياتها المتواصلة وبحراكها المستمر، نلاحظ المزيد من التبلور لإتجاهين رئيسين:

الاتجاه الأول: مع بقاء مخطط استهداف الدولة الوطنية واستمراره واعتماده أشكالاً جديدة، يُسجل صمود الدولة الوطنية، لا بل تقدمها في ميدان المواجهة في بلدين مفتاحيين: سوريا والعراق، ما قاد إلى فشل العدوان الرامي إلى النيل من مكانة الدولة الوطنية وموقعيتها، وإلى ضرب تحالفاتها، من خلال مواصلة محاولات زجها في سلسلة لا تنتهي من الأزمات المتوالية وبهدف حشرها للدفع بها لولوج أحد طريقين:

•   إما الخضوع والاستسلام لسياسة واشنطن واستتباعاً إسرائيل، والالتحاق بالمشروع الإقليمي الأميركي - الإسرائيلي؛

•   أو مواصلة استنزافها بأشكال مختلفة، عبر التدخلات المباشرة، أو بالواسطة، وصولاً إلى ضعضعة مرتكزاتها، بغرض التقسيم الضمني، أو بالأمر الواقع، للبلاد.

الاتجاه الثاني: المزيد من التهافت في موقف عدد من الدول العربية المؤثرة، التي بدعوى مواجهة مخاطر تمدد النفوذ الإيراني في الإقليم، تسير على طريق تلبية شروط الاقتراب من إسرائيل من بوابة التطبيع والتعاون الأمني وتطوير العلاقات الإقتصادية معها، على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والمصلحة القومية العربية الجامعة.

الاتجاه الأول (صمود الدولة الوطنية)، من شأنه أن يصون المصالح الوطنية والقومية للشعوب، في إطار وحدة دولتها الوطنية القائمة على وحدة الأراضي والشعب والسيادة الوطنية؛ وهو، في هذا السياق، يخدم النضال الوطني التحرري لشعوب المنطقة، ويفتح الأفق أمام تطورها الاقتصادي والديمقراطي، في إطار الحرية والتعددية السياسية والتقدم الاجتماعي. كما أنه، وفي السياق نفسه، يخدم النضال الوطني التحرري لشعب فلسطين، الذي يستلزم تقدمه، توفر عمق عربي وإقليمي، يحتضن نضاله ويسانده بالأشكال والصيغ المتاحة كافة.

أما الاتجاه الثاني (الانفتاح على إسرائيل)، فمن شأنه أن يعمق، بسياسته هذه، التبعية للدور والمصالح الأميركية في المنطقة، ويكرس مكانة إسرائيل في الإقليم النازعة لأن تكون القوة العسكرية والإقتصادية المهيمنة. وبالتالي، فهو يلحق أفدح الأضرار بالمصالح الحيوية الوطنية والقومية لشعوب المنطقة، ويهدد مستقبلها. ولعل من أبرز المتضررين في هذا كله هو الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، في نضاله ضد المشروع الصهيوني والاحتلال والاستيطان.

هذان الاتجاهان – اتجاه صمود الدولة الوطنية، واتجاه التقارب مع المشروع الأميركي والإنفتاح على إسرائيل - يسيران في حقلين مستقلين وبحدود معيّنة متداخلين، لكنهما – بالنتيجة - وعلى مستوى معين، متعاكسان، بل ومتصارعان، يؤثر أحدهما بالآخر.

وفي كل الأحوال، فإن الحفاظ على الدولة الوطنية بسماتها المعروفة، مع التطويرات المستحقة على نظامها السياسي، من شأنه أن يحاصر، في الوقت نفسه، الاتجاه الآخر المتساوق مع سياسة الولايات المتحدة،  والمهادن لإسرائيل، والعكس صحيح. ما يعني ـ بالمحصلة ـ أن هذين الاتجاهين، هما في نهاية المطاف، متصارعان، ويخدم تراجع أي منهما تقدم الآخر.

 

(2)

 

 

فلسطينياً : أين نقف؟ وإلى أين نسير؟

 

 

إستراتيجيتان

 

تتنازع الحالة الفلسطينية إستراتيجيتان:

•   الأولى، هي الإستراتيجية الرسمية المعتمدة القائمة على أولوية العمل السياسي بأشكاله المتعددة تحت عنواني المفاوضات والتدويل؛ والأخير يعني توسيع دائرة الإعتراف بدولة فلسطين + إكتساب عضوية الوكالات والإتفاقيات الدولية، بما في ذلك العضوية العاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة + محاسبة إسرائيل على جرائمها المقترفة بحق شعبنا من خلال مقاضاتها (محكمة الجنايات الدولية..) ومقاطعتها (الـ BDS وغيرها من أشكال المقاطعة) الخ..

والمشكلة في هذه الإستراتيجية المعتمدة رسمياً أنها أبقت الحالة الفلسطينية أسيرة لعملية أوسلو وإلتزاماتها، وبالذات التنسيق (التعاون) الأمني مع الإحتلال والتبعية الإقتصادية للإقتصاد الإسرائيلي، مما أضعف حالة اليقين لدى الحالة الشعبية الفلسطينية وأضعف وتيرة نموها وإتساعها وتطورها، كما أضعف روح التضامن الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية ونضالات شعبها، فضلاً عن تدمير الإقتصاد الوطني الفلسطيني، وتعطيل مشاريع إعادة بنائه تحت الإحتلال، وحوّل السلطة الفلسطينية  - موضوعياً – إلى جزء من آلية إدامة منظومة الاحتلال، فباتت «سلطة بلا سلطة» «لإحتلال بلا كلفة»، ما جعل رئيس اللجنة التنفيذية يطلق صرخته أمام أعلى محفل دولي، أي مجلس الأمن (20/2/2018): «نحن نعمل عند الاحتلال، لذلك نقول فلتتحمل إسرئيل مسؤولياتها كقوة قائمة بالاحتلال، ليس لدينا مانع أن تتحمل مسؤولياتها بالضفة وغزة، إما أن يبقى الوضع على ما هو عليه، فهذا غير مقبول».

كما أن هذه الإستراتيجية أدت الى إدارة الظهر لموضوع الوحدة الداخلية، تقديراً من مركز القرار الرسمي أن من شأن هذه الوحدة أن تفرض قيودها الوطنية على حرية حركته السياسية وعلى إلتزاماته نحو إتفاق أوسلو وبروتوكول باريس؛ إلى جانب أن هذه الإستراتيجية أدت إلى مفاقمة حالة الانقسام، بين حركتي فتح وحماس، الذي انطلق بشكله الدموي في 14/6/2007.

مثل هذه السياسة شكلت قيداً على النضال في الميدان، وفرضت عليه حدوداً لا يتجاوزها، كالإدعاء بالتمسك بالمقاومة الشعبية «السلمية»، والحديث – على خلفية دفع التهمة عن الذات - عن رفض وإدانة العنف والإرهاب، حتى لا يؤثر النهوض الشعبي، وتطور الحراك والنضال في الميدان، وإتساع مساحة المساهمة الشعبية، على إدارة القيادة الرسمية الفلسطينية للملف الوطني وتكتيكاتها بشأنه، إن إلى طاولة المفاوضات، أو في المحافل الدولية.

•   الإستراتيجية الثانية تقوم على أولوية خط المقاومة، وبالذات المقاومة الشعبية في الميدان، وبأشكالها المختلفة، والمقاومة في المحافل الدولية لنزع الشرعية عن الاحتلال، وعزل دولة إسرائيل، ولو أدى ذلك الى الصدام مع سياسة الولايات المتحدة، التي باتت منحازة بلا شروط لإسرائيل ورؤيتها للحل في المنطقة.

إن إعتماد خط المقاومة يتطلب توفير روافعها، وأهمها العمل على إعادة بناء الوحدة الداخلية. فوحدة الشعب ووحدة قواه السياسية، ووحدة مؤسساته على قاعدة البرنامج المشترك، هي عناصر رئيسية من شأنها أن تولد في الرأي العام الفلسطيني حالة من اليقين بجدوى المقاومة، في ظل أفق سياسي مفتوح على تحقيق الأهداف الوطنية في الخلاص من الإحتلال والإستيطان، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وتوفير حل لقضية اللاجئين بموجب القرار 194 الذي يكفل حق العودة.

 المقاومة تفترض في الوقت نفسه استنهاضا للعمل السياسي والدبلوماسي، أي ما يصطلح على تسميته «تدويل القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية»، إنما مع تقدير دقيق وواقعي لمثل هذه العملية وما يمكن أن يتمخض عنها من نتائج، يرسم حدود هذه النتائج الخلل القائم على صعيد نسبة القوى في الصراع الدائر. هذا دون أن نتجاهل واقع أن المقاومة المرتكزة إلى إسمنت الوحدة الداخلية، إنما تُكسب العمل السياسي أبعاده الوطنية المجدية، كما أن العمل السياسي بالحدود الوطنية المطلوبة يفتح أمام المقاومة آفاق النهوض والتطور واكتساب المزيد من الفعالية.

 

(3)

 

 

فلسطينياً.. أين نقف؟ وإلى أين نسير؟

 

 

خلاصتان

 

الخلاصة الأولى التي يمكن الوصول إليها، مما سبق في رؤيتنا للإستراتيجيتين تتيح لنا القول إنه، رغم التشابه في العناوين بما خص العمل السياسي وتدويل القضية، إلا أن الفارق بين الإستراتيجيتين يبقى كبيراً، إن في الأولويات، أو في التعريف لمضمون عناوين العمل السياسي ووظائفه وأدواته. فخط المقاومة، على سبيل المثال، يضع شروط تقديم المقاومة الشعبية وصولاً إلى الانتفاضة الشاملة، وعلى طريق التحول إلى العصيان الوطني، في الموقع الأول بكل ما يتطلبه ذلك من تأمين الحماية السياسية للحراك الشعبي، وتوفير عناصر تطوره ونهوضه وصموده، والزج بالمزيد من القوى والشرائح الشعبية، وغيرها من ضرورات توحيد الشعب ونسق حركته الكفاحية وتوحيد قواه السياسية في الميدان.

في هذا الشأن، من المهم التوقف أمام وظائف السلطة الفلسطينية ودورها، فخط المقاومة لا ينطلق من الرأي الذي يعتبر السلطة القائمة بوزاراتها وإداراتها إنما تشكل بنية دولة جاهزة لا ينقصها سوى الولاية السيادية؛ بل يعتبر، على العكس من ذلك، أن تغيير وظائف السلطة خدمة لمتطلبات المقاومة الشعبية أمر لازم، بغرض توفير صمود المجتمع الفلسطيني في معركته المديدة والقاسية ضد الاحتلال.

وهذا يفترض بدوره إعادة صياغة مضمون السلطة وبرامجها الاجتماعية والاقتصادية، لتعديل وظائفها، وفي مقدمة شروط هذه العملية هي التحرر من قيود أوسلو، وبروتوكول باريس الإقتصادي، عبر وقف كل أشكال التنسيق والتعاون الأمني مع الإحتلال، وفك الإرتباط والتبعية للاقتصاد الإسرائيلي، عبر خطوات متدرجة، بما في ذلك وفي سياق تأمين البدائل الكريمة، سحب اليد العاملة الفلسطينية من المستوطنات الإسرائيلية ومقاطعة المنتج الإسرائيلي، لصالح المنتج الوطني الفلسطيني، ووضع الدراسات والخطط العملية لوقف التعامل بالشيكل الإسرائيلي، وهو الأمر الذي ينتقل بالسلطة من كونها – موضوعياً – متوضعة ضمن منظومة الاحتلال، إلى سلطة وطنية لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، ويجعل من بقاء الاحتلال والاستيطان، أمراً باهظ الكلفة مادياً وبشرياً وسياسياً، ومعنوياً.

أما الخلاصة الثانية، والمستمدة من الأولى، ولا تنفصل عنها، فهي أن الإستراتيجية المحكومة بأولوية العملية السياسية، وكما أثبتت التجربة، لا أفق حقيقياً لها. لأنها محكومة على الدوام بسقفين لا إمكانية بالسياسة الحالية، ووفق موازين القوى القائمة لإختراقهما:

•   السقف الأول هو السقف الإسرائيلي الذي تلتقي فيه القوى الحاسمة في المجتمع، كما في النظام السياسي، على هدف تصفية القضية والحقوق الوطنية لشعب فلسطين، بمثال شطب حق العودة وقضية اللاجئين من جدول الأعمال، كما بمثال رفض الانسحاب من القدس المحتلة باعتبارها العاصمة الأبدية لإسرائيل، وكذلك ضم الضفة الفلسطينية الذي لا تتباين الرؤى فيه بين مختلف القوى السياسية الصهيونية سوى من زاوية المدى والتوقيت ليس إلا.

•   أما السقف الثاني فهو السقف الأميركي الذي انتقل مع إدارة ترامب في التعاطي مع المسألة الفلسطينية من أسلوب «إدارة الصراع» إلى أسلوب «إنهاء الصراع»، أي الانتقال من السعي لتحقيق تسوية متحيزة بشكل واضح لإسرائيل، إلى محاولة فرض وتمرير الحل الإسرائيلي القاضي بتصفية القضية والحقوق الوطنية.

هذا ما عبرت الإدارة الأميركية الجديدة بوضوح منذ انتقال ترامب إلى البيت الأبيض من خلال الإعلان بأن الاستيطان «لا يشكل عقبة في طريق السلام»(1)، ومن ثم الموافقة على أي حل يُتفق عليه بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني (دولة، دولتان، أو أي صيغة أخرى)(2) ؛ ما يعني – عملياً - تمرير الموافقة الضمنية على الصيغة الإسرائيلية للحل.

بعد هذه المقدمات ذات الدلالة أتى خطاب ترامب المفصلي في 6/12/2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها، وما تلا ذلك من مواقف تقوم على تصفية حق العودة وقضية اللاجئين، من مدخل إعادة تعريف اللاجيء الفلسطيني، وتغيير وظائف وكالة الغوث، فضلاً عن الموافقة على ضم الكتل الاستيطانية إلخ.. إلى سائر نقاط «صفقة العصر» التي باتت معروفة، وكشف عنها بوضوح التقرير الذي تقدم به أمين سر اللجنة التنفيذية في م.ت.ف، إلى المجلس المركزي في دورة 15/1/2018، تلك «الصفقة» التي مازالت تتنظر انعقاد شرطها الإقليمي العربي والفلسطيني قبل أن تعلن رسمياً.

ولعل عودة منا إلى التجربة التفاوضية البائسة تحت سقف أوسلو، بالرعاية الأميركية المنفردة، والتي إستمرت حوالي ربع قرن، توضح لنا فشل الرهان على العملية السياسية كأولوية في إستراتيجية العمل الوطني، في مواجهة هذين السقفين، خاصة وأنها ألحقت بالقضية الوطنية العديد من الكوارث، وزرعت الانقسام في الصفوف، وأضعفت روح الوحدة الداخلية، فضلاً عن إضعاف الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية وباقي المؤسسات الوطنية.

 

(4)

 

 

كي نستعيد عناصر القوة الفلسطينية (I)..

 

 

القطع مع أوسلو

 

لتحرير الحالة الوطنية الفلسطينية من القيود التي تكبلها، ومن أجل شق طريق التقدم نحو إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني ـــــ لا يملك الشعب الفلسطيني وقواه السياسية وحركته الوطنية سوى خيار اعتماد إستراتيجية تقوم على أولوية المقاومة، وما يحيط بهذا الخيار من محاور عمل أخرى، سياسية ومؤسساتية وسواها، تدعم هذا الخيار بروافد تُعظِّم زخمه وفعله وتأثيره في مجريات الصراع. إن هذا التوجه لا يعني أقل من استعادة عناصر القوة الفلسطينية المتمثلة بأمرين رئيسين: القطع مع اتفاقات أوسلو، وبناء الوحدة الداخلية.

القطع مع اتفاقات أوسلو وبروتوكول باريس الإقتصادي والتحرر من إملاءاتهما والتزاماتهما، يقتضي الإقدام على ثلاث خطوات رئيسية نصت عليها – من بين قرارات أخرى - قرارات المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين (2015 + 2018)، وهي: سحب الاعتراف بإسرائيل، وقف التنسيق والتعاون الأمني مع الاحتلال، الإنفكاك من التبعية الاقتصادية لإسرائيل.

المطلوب، بعد ما جرى التوافق على هذه القرارات، وأصبحت ملزمة للمؤسسة الوطنية الفلسطينية أي للجنة التنفيذية، هو العمل على تنفيذ هذه القرارات، وليس العمل على إحالتها إلى لجان اختصاص تحيلها هي الأخرى إلى لجان، في لعبة باتت معروفة، الهدف منها تعطيل هذه القرارات، ترحيلها، لصالح إدامة السياسات الفاشلة المستندة إلى اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس. فمنذ أن اتخذت هذه القرارات في 5/3/2015 وأعيد التأكيد عليها في 15/1/2018، وهي معلقة، في سوق المساومة السياسية، على وهم التلويح بها، للوصول إلى مكاسب سياسية، فشلت هذه الإستراتيجية في تحقيقها حتى في ظل حكومة إسرائيلية أقل تصلباً وتشدداً، وفي ظل إدارة أميركية أقل انحيازا. إن العودة إلى سياسة بناء الأوهام على إمكانية الوصول إلى حلول معيّنة عبر الإستراتيجية الرسمية التي مازالت معتمدة، لا يخدم تطور الكفاح الوطني، بل يسهم في تبديد الوقت الذي نجح الجانب الإسرائيلي في تجنيده لصالحه، عبر زرع الوقائع على الأرض، لفرض النتائج المسبقة، على أية عملية تفاوضية قد تستأنف في يوم ما.

بالتالي فإن ما اصطلح على تسميته «رؤية الرئيس للسلام» أي المبادرة التي أطلقها رئيس اللجنة التنفيذية في خطابه في مجلس الأمن الدولي في 20/2/2018، ما هي إلا عودة إلى القديم الذي لا يملك مقومات النجاح، خاصة وأنه يستعيد تجارب فاشلة، كتجربة مؤتمر أنابوليس (27/11/2007) التي انتهت المفاوضات الثنائية المنبثقة عنه بالفشل الذريع، وبحرب دموية شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي نهاية العام 2008 على قطاع غزة، أو كتجربة مؤتمر باريس (15/1/2017)، الذي جرى التمهيد له تحت الشروط الأميركية، وفي ظل تنازلات فلسطينية مسبقة وكانت جلسته الأولى هي الأخيرة، وانتهى إلى الفشل الذريع.

إن مثل هذه المبادرات، الفاشلة مسبقاً، لا وظيفة لها سوى فتح الفراغ على مزيد من الفراغ، والتهرب من استحقاقات وتحديات «إستراتيجية المقاومة أولاً، وتدويل القضية والحقوق الوطنية ثانياً»، ومتطلباتها الوطنية والعربية والإقليمية. وأهمها إعادة بناء الوحدة الداخلية.

 

(5)

 

 

كي نستعيد عناصر القوة الفلسطينية(II)..

 

 

بناء الوحدة الداخلية

 

بناء الوحدة الداخلية يملي التمسك الحازم بالنتائج التي تحققت في أواخر العام 2017 على يد ورقة التفاهم بين حركتي فتح وحماس في 12/10/2017، بالرعاية المصرية، لإنهاء الإنقسام وإنجاز المصالحة، والتي أعيد التأكيد عليها في بيان الفصائل الفلسطينية في القاهرة (أيضاً) في 22/11/2017، وتأكيداً لبيان القاهرة في أيار (مايو) 2011.

إن المصالحة بين فتح وحماس شرط رئيسي لاستعادة الوحدة الداخلية، أي إستعادة وحدة المؤسسة، والقوانين، والشروع في العمل لإعادة بناء الوحدة الوطنية الجامعة والإئتلافية. وهذا يملي على الحركتين التحلي بأعلى درجات المسؤولية لعدم تبديد الفرصة المتاحة أمام الحالة الفلسطينية لاستعادة وحدتها الداخلية وإغلاق ملف الإنقسام، ووقف نزيفه.

على هذا الأساس، يفترض أن تتوفر لحكومة السلطة الفلسطينية الشروط الضرورية لتمكينها من أداء واجباتها وتحمل مسؤولياتها في إدارة قطاع غزة، ورفع والحصار عنه، وإعادة بناء بنيته التحتية، وإطلاق مشاريع التنمية الطارئة والإستراتيجية، بما يرفع عن كاهله الظلم الذي لحق به خلال أكثر من عشر سنوات من الانقسام، والحصار، والاحتراب السياسي والعدوان الإسرائيلي المتكرر.

وكل هذا مع الأخذ بالاعتبار تباين الظروف في إدارة السلطة بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، خاصة على الصعيد الأمني وفي العلاقة مع سلطات الاحتلال، مع حفظ المكانة المميزة لبندقية المقاومة، في صيغة تضمن سلامة الأمن الداخلي بإشراف الحكومة ومسؤوليتها، وسلامة بندقية المقاومة في غرفة عمليات مشتركة بمرجعية سياسية وطنية موحدة، تمتلك قرار القتال والتصعيد، كما تملك قرار التهدئة.

كذلك من شروط بناء الوحدة الداخلية السعي الجاد لاستعادة الطابع التمثيلي الشامل لمؤسسات م.ت.ف، عبر توفير الشروط لمشاركة جميع مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية في هذه المؤسسات وبخاصة في المجلسين الوطني والمركزي، واللجنة التنفيذية في م.ت.ف.

أما بشأن دعوة اللجنة التنفيذية لعقد المجلس الوطني الفلسطيني في 30/4/2018، فإن صون شروط إستعادة الوحدة الداخلية، وشروط تعزيز الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية كإطار جامع لكل مكونات الحالة السياسية الفلسطينية، تتطلب دعوة اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني التي إلتأمت في بيروت (10-11/1/2017) لاستئناف أعمالها، ودعوة «لجنة تفعيل وتطوير م.ت.ف»، التي يعود آخر إجتماع لها إلى العام 2013، إلى اجتماع عاجل وفوري لتجهيز الأوضاع لعقد دورة ناجحة ومثمرة للمجلس الوطني، خارج سياسة التفرد والاستفراد، وسياسة عقد الصفقات في «المطبخ السياسي»، أو سياسة فك وتركيب الهيئات والمؤسسات الوطنية في خدمة سياسات ومصالح فئوية، لا تجاري المصالح الوطنية والوحدة الداخلية ولا تخدمهما.

في هذا الاطار نؤكد على الأهمية الفائقة للالتزام بتنفيذ قرارات المجلس المركزي، أعلى هيئة مشرعة ومقررة في م.ت.ف في ظل انقطاع دورات المجلس المركزي منذ أكثر من عقدين من الزمن، كما نشير إلى سلبيات استخدام هذه القرارات في غير مقاصدها، كما جرى مع قرارات المجلس المركزي في دورة آذار (مارس) 2015، عندما تم الإتفاق مع الإدارة الأميركية على تجميد 3 قرارات ملزمة للجنة التنفيذية: وقف التنسيق الأمني + مقاضاة إسرائيل على جرائم الحرب أمام محكمة الجنايات الدولية + طلب الانضمام إلى 22 وكالة دولية.. مقابل تعهد واشنطن بعدم نقل سفارتها إلى القدس، إلى جانب تجميد البناء الاستيطاني خارج كتل الاستيطان الرئيسية(!).. وجميعنا شاهد على هذه المقايضة البائسة التي لم تحل دون نقل السفارة إلى القدس، لا بل بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، هذا إلى جانب إرتفاع وتيرة الاستيطان، داخل الكتل الرئيسية وخارجها.

إن الخشية، كل الخشية أن تتكرر ممارسات التجاوز على قرارات المجلس المركزي الأخيرة، لكن هذه المرة على يد اللجنة التنفيذية، التي قررت في الفقرة 3 من بيانها الصادر في 7/3/2018 «اعتماد رؤية الرئيس محمود عباس لعقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات  بمظلة دولية» [لاحظ الخلط المتعمد والرطانة: «مؤتمر دولي بمظلة دولية» (!!)]، بينما تنص الرؤية المذكورة في أحد البنود التنفيذية للخطة التي تتقدم بها، وفي الفقرة ج من البند التنفيذي أولاً بالتحديد على «تشكيل آلية دولية متعددة الأطراف تساعد الجانبين في المفاوضات لحل جميع قضايا الوضع الدائم حسب إتفاق أوسلو الخ..»؛ كما تنص نفس «الرؤية» في البند التنفيذي ثانياً من الخطة على «عدم انضمام دولة فلسطين للمنظمات التي التزمنا بها سابقاً. (وهي 22 منظمة دولية من أصل 500 منظمة ومعاهدة)».

«إن آلية دولية متعددة الأطراف تساعد الجانبين الخ..» تختلف تماماً عن المؤتمر الدولي كامل الصلاحيات، الذي ينعقد على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بمشاركة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ويواكب العملية التفاوضية من ألفها إلى يائها. إن الآلية الدولية المقترحة في «الرؤية»، والتي تستند بنصها إلى سابقتي مؤتمري أنابوليس وباريس، لن تكون أكثر من محطة افتتاحية لإطلاق مفاوضات ثنائية فلسطينية – إسرائيلية، على غرار مسار أوسلو، لكن هذه المرة بمسار إضافي، هو المسار الإقليمي الذي سيبحث بقضايا التطبيع والتعاون الإقتصادي والأمني بين إسرائيل وعدد من دول الإقليم. وغني عن القول، أن المسار الإقليمي سيكون هو الغالب، لأن «صفقة العصر» بالأساس، وكما ورد على لسان غرينبلات، ليست مطروحة للتعديل مع الجانب الفلسطيني الذي عليه الالتزام بها، باعتبار أن الطرف المقرر في هذه «الصفقة» ستكون دول الإقليم المعنية بالترتيبات الأوسع.

قد تستهدف «المبادرة/ الرؤية» التي عُرضت في 20/2/2018 أمام مجلس الأمن تهيئة الحالة الفلسطينية للقبول بها كقرارات صادرة عن الدورة القادمة للمجلس الوطني في حال إنعقاده. وقد تكون «للمبادرة/ الرؤية» وظائف أخرى لسنا مطلعين عليها، لكنها قطعاً، وفي عدد من البنود التنفيذية التي تقترح، ولأنها تتعاكس بوضوح مع قرارات المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين، لا تصلح كأساس لاستراتيجية عمل كفاحي يوحد الصف الوطني على طريق الارتقاء بالمقاومة الشعبية إلى مستوى الانتفاضة الشاملة.

 

 

هوامش

(1) فيما يلي النص الحرفي لبيان البيت الأبيض بشأن الإستيطان الصادر في 2/2/2017: «إن الرغبة الأميركية في إحلال السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ظلت دون تغيير منذ خمسين عاماً. بينما نحن لا نؤمن أن وجود المستوطنات يشكل عقبة في طريق السلام، فإن بناء مستوطنات جديدة أو توسيع المستوطنات القائمة خارج حدودها الحالية قد لا يساعد في تحقيق هذا الهدف. وكما أوضح الرئيس أكثر من مرة، فإنه يأمل في تحقيق السلام في عموم منطقة الشرق الأوسط. إن إدارة ترامب لم تتخذ بعد موقفاً رسمياً بشأن النشاطات الاستيطانية ونتطلع إلى مواصلة البحث بهذا الشأن بما في ذلك مع رئيس الوزراء نتنياهو عند لقاءه بالرئيس ترامب في وقت لاحق من هذا الشهر». (سطور التشديد من عندنا).

 

 (2) في 15/2/2017 ورداً على سؤال حول ما إذا كان سيدعم حل الدولتين خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو، أجاب ترامب بما يلي: «أدرس كلاً من حل الدولتين، والحل الذي ينص على وجود دولة واحدة، وسيعجبني الاتفاق الذي سيعجب كلا الطرفين».