خلال الأسابيع القادمة، ينعقد المؤتمر الوطني العام السابع للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على حلقات، في الضفة الفلسطينية والقدس، وفي قطاع غزة، وفي مناطق اللجوء والشتات والمهاجر. وهي خطوة تأتي في سياق إلتزام الجبهة وهيئاتها وعموم منظماتها بنظامها الداخلي ولوائح عملها التي تنص على عقد المؤتمرات الدورية، لمراجعة تجارب العمل، والنتائج  وإعادة صياغة البرامج واللوائح والقوانين الناظمة بما يستجيب للتطورات والخلاصات والنتائج التي تتوصل إليها المؤتمرات المنعقدة من القاعدة حتى القيادة.

ومما لا شك فيه أن انعقاد المؤتمر على حلقات – وهي صيغة تفرضها علينا الأوضاع العامة لشعبنا والحواجز الجغرافية والسياسية التي تحول دون انعقاده في حلقة عامة جامعة لكل الأقاليم والفروع والمنظمات -.. أمر شائك يحتاج إلى صيغ مرنة تأخذ بعين الاعتبار الظروف المتباينة بين الأقاليم، وكذلك الظروف السياسية، وصيغة الانعقاد وعلى حلقات، وكيفية إدارة العملية بصيغة تضمن أرقى مستوى من النقاش الجماعي، وصولاً إلى النتائج المرجوة، بما في ذلك كيفية نقاش الوثائق، والتعديلات والتطويرات، وكيفية إعادة انتخاب الهيئات القيادية الجامعة، كاللجنة المركزية والمكتب السياسي وأمانة السر، ولجنة الرقابة المركزية، واللجنة المركزية، والإعلام وغيرها.

بسبب هذه الصيغة المعقدة، وتحت تأثير الجغرافيا السياسية، وجدت اللجنة التحضيرية نفسها أمام قضية شائكة أخرى تتعلق بالتقرير السياسي الواجب تقديمه إلى حلقات المؤتمر، ليصدر لاحقاً عنه بالتعديلات والتطويرات الضرورية التي سيدخلها المؤتمر عليه.

لاحظت اللجنة التحضيرية أن هناك سباقاً حامياً بين إمكانية صياغة مسودة تقرير تأخذ بعين الاعتبار الواقع الحالي، على الصعيد الاقليمي والوطني، وبين تسارع الأحداث في هذين المجالين. وتؤكد التجارب أن أي تقرير من شأنه، في ظل تطور الحدث بسرعة غير ملحوظة سابقاً، سيبقى قاصراً عن الإحاطة بكل التطورات، بل سيجد نفسه، بعد فترة وجيزة من صياغته، قاصراً عن تلبية وظيفته. فكيف إذا تمت صياغته مسبقاً، ونوقش في الحلقات، ثم أعيد تجميع الملاحظات والتطويرات عليه، ثم أعيدت صياغته وفقاً للسقف الذي رسمته حلقات المؤتمر. وهي فترة قد لا تقل عن شهرين من الزمن، ما يعني أن التقرير، عند نشره سيصاب بالقدم.

لذلك إرتأت اللجنة التحضيرية صيغة بديلة، وهي أن تحال على حلقات المؤتمر عناوين الموضوعات الواجب مناقشتها لتشكل العناصر الرئيسة للتقرير الذي يعاد صياغته بعد انتهاء أعمال المؤتمر، آخذين بعين الاعتبار ما ورد من الحلقات، وما طرأ من تطورات، يمكن أن تضاف، وينشر التقرير بإسم المؤتمر بعد أن تكون قد راجعته اللجنة المركزية الجديدة ومكتبها السياسي الجديد.

«الحرية»، وهي تنشر هذه «الموضوعات السياسية»، التي جرى اعتمادها من اللجنة التحضيرية ، لتكون مادة النقاش السياسي في حلقات المؤتمر، تضع هذه «الموضوعات» بين أيدي قرائها، والرأي العام، انطلاقاً من قناعة أن الأمر السياسي ليس حكراً على الأحزاب وعلى هيئاتها، بل هو ملك للرأي العام، من حق كل مواطن فلسطيني أن يساهم في نقاشه، وأن يكون له رأيه في المسار النضالي لشعبنا وقضيتنا.

المحرر

 

 

@ انتقلت الولايات المتحدة من دولة ترعى العملية السياسية، مع محاولة الحفاظ على مظاهر الحيادية إلى دولة تحاول أن تفرض حلها هي بقوة الانحياز لإسرائيل، والضغط السياسي والمالي

@ منذ التوقيع على اتفاق أوسلو دخلت المؤسسة الوطنية (م.ت.ف) في أزمة سياسية فاقعة، من نتائجها: تعطيل الهيئات الوطنية، أو تهميشها، وتعطيل قراراتها، وإحلال «المطبخ السياسي» محلها

@ الحركة الجماهيرية في الميدان هي السلاح الأكثر قدرة على مراكمة القوى في وجه الاحتلال والاستيطان، والسلاح الأقوى للضغط على القيادة الرسمية الفلسطينية

@ شكل الانقسام ضربة غادرة للحالة الوطنية الفلسطينية، أضعفت بنيانها وبنيان الحركة الجماهيرية، وأغرقتها في صراعات محتدمة، مازالت تجرجر نفسها حتى الآن

@اليسار الديمقراطي الفلسطيني بكل ألوانه، سيبقى مدعواً ليقيّم ويستعيد أدواره المجيدة في مسار الثورة والمقاومة، والمبادرات الوطنية والاجتماعية، والانتقال من صياغات الشعارات والأقوال إلى الأفعال

@ معركة الإصلاح الديمقراطي لا تنفصل عن معركة فك الارتباط باتفاق أوسلو والانعتاق من قيوده وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني الكفاحي الموحدَّ والموحِدّ

 

 

الموضوعات السياسية

 

 

(1)

 

 

السياسة الأميركية في المنطقة

 

مع وصول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض شهدت السياسة الأميركية في المنطقة تحولاً استراتيجياً، في إعادة صياغة المعادلة الإقليمية على أسس جديدة، تنطلق من أن الخطر المباشر على مصالح الولايات المتحدة ودول المنطقة يتمثل في الارهاب، وأن إيران هي الدولة الحاضنة للإرهاب، وهي مصدر الخطر الرئيس على أمن المنطقة واستقرارها، الأمر الذي يملي قيام «حلف إقليمي» في مواجهة إيران وامتداداتها في المنطقة يجمع الدول العربية واسرائيل، وتركيا، بشكل خاص، وتقوم هذه الاستراتيجية على مسارين متوازيين:

• الأول، حل مسألة الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، عبر ما يسمى بـ «صفقة العصر».

•الثاني، تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية بإجراءات متدرجة تتفاعل مع تقدم الحل على مساره الثنائي الفلسطيني- الاسرائيلي، وتدعم هذا المسار في الوقت نفسه.

في هذا السياق، انتقلت الولايات المتحدة إلى سياسة عدوانية سافرة تستعيد فيها كل المظاهر الإمبريالية في إدارة الملفات والصراعات:

•   فعلى الصعيد الاقليمي، بدأت بإطلاق النار على الاتفاق النووي مع إيران، باعتباره اتفاقا فاسداً، وواصلت فرض العقوبات المالية والاقتصادية على طهران بذريعة التصدي لخطر صناعاتها العسكرية خاصة الصواريخ البالستية.

•   كذلك واصلت فرض العقوبات المالية على حزب الله باعتباره الذراع الرئيسة لإيران في المنطقة؛ كما عززت من تدخلها في الشأن السوري، عبر زيادة تواجدها العسكري الميداني في أنحاء من البلاد، ودعم بعض المجموعات السياسية وإسنادها بالمال والسلاح.

أما على الصعيد الفلسطيني – الإسرائيلي، فقد انتقلت الولايات المتحدة من دولة ترعى العملية السياسية، مع محاولة الحفاظ على مظاهر الحيادية، (التي لم تنجح في التغطية على انحيازها السافر لإسرائيل)، إلى دولة تحاول أن تفرض حلها هي بقوة الانحياز لإسرائيل، والضغط السياسي والمالي. وبذريعة إزالة العراقيل التي تحول دون الوصول إلى حل للصراع، عمدت إدارة ترامب إلى التمهيد لحلها المسمى «صفقة العصر» بخطوات كبرى على الصعيد الفلسطيني عبر:

•   إخراج ملف الاستيطان من المفاوضات، باعتباره لم يعد بشكل عقبة أمام «الحل الدائم» مادامت المستوطنات سوف تضم لإسرائيل في نهاية المطاف.

•   إخراج ملف القدس من المفاوضات، بالاعتراف بها عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها، على أن يترك لطرفي الصراع رسم حدود المدينة.

•   إخراج ملف اللاجئين وحق العودة من المفاوضات، لصالح المشاريع والحلول البديلة، وفرض الحصار المالي على الأونروا، والعمل على تجفيف مواردها.

ثم دعوة الطرفين للتفاوض حول حل تقدم الولايات المتحدة عناصره، حل يقوم على تصفية المسألة الفلسطينية بإقامة كيان فلسطيني لا يتجاوز حدود الحكم الإداري الذاتي مع تباينات بين الوضع في الضفة، والوضع في غزة، في ظل شروط وآليات اقتصادية وأمنية،  تُبقي «الكيان الفلسطيني» في حالة تبعية كاملة لإسرائيل، وفي إطار حل يتدرج في التطبيق.

 

(2)

 

 

أوسلو المأزوم والطريق المسدود

 

شكل المشروع الأميركي للحل «صفقة العصر» إعلاناً رسمياً بوفاة اتفاق أوسلو، والتراجع عن مرجعية قرارات الشرعية الدولية وبرعاية للمفاوضات الثنائية تحت سقف الإنفراد الأمريكي. ومع أن الاتفاق وصل إلى طريقه المسدود في تموز (يوليو) 2000 في مفاوضات كامب ديفيد2، لكن القيادة الرسمية الفلسطينية، خاصة بعد رحيل ياسر عرفات، بقيت متمسكة ببقاياه، وبالمفاوضات خياراً وحيداً، ورفض الخيارات الوطنية الأخرى، في تغليب فاقع لمصالحها الفئوية (الطبقية والسياسية) التي راكمتها على مدى سنوات السلطة الفلسطينية، على حساب المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

وإذا كانت الإدارات الأميركية السابقة قد حاولت أن توفر لاتفاق أوسلو ثغرة يتنفس منها (مؤتمر أنابوليس+ محاولات هيلاري كلينتون وجون كيري إحياء المفاوضات بأساليب وعناوين مختلفة)، فإن إدارة ترامب، بنقلتها الإستراتيجية، وضعت القيادة الرسمية الفلسطينية أمام واقع جديد، لا يترك لها مجال الخيار والتفاوض؛ وفرض هذا الحل بقوة الأمر الواقع والإجراءات الميدانية من طرف واحد.

الحالة الفلسطينية واجهت «صفقة العصر»، بسياستين مختلفتين:

•   سياسة القيادة الرسمية، التي، وإن كانت قد استشعرت حقيقة الخطر الذي تتعرض له القضية الوطنية، وإن كانت في الوقت نفسه لا تستطيع أن تماشي السياسة الأميركية الجديدة وأن تستجيب لاستحقاقاتها، فإنها في الوقت نفسه مازالت تراهن على إمكانية الوصول الى «حل وسط»، يفتح أفقاً لاستئناف المفاوضات، خياراً وحيداً، في ظل رعاية «متعددة الطرف» بديلاً للرعاية الأميركية المنفردة، وبحيث تنجح هذه الرعاية بشكل أو بآخر، بالحفاظ على «حل الحد الأدنى»، كما تقدم به رئيس السلطة الفلسطينية الى مجلس الأمن الدولي في 20/2/2018، أي إعادة إحياء مفاوضات الحل الدائم، كما نصت عليها اتفاقات أوسلو، تحت رعاية «فريق دولي»، وما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين هو التطبيق العملي «للحل النهائي الشامل».

•   سياسة أوسع القوى الوطنية والديمقراطية، كما تمت بلورتها في وثائق الإجماع الوطني (وثيقة الوفاق الوطني 2006) وحوارات القاهرة (22/11/2017) ومخرجات اجتماعات  اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني في بيروت (10و11/1/ 2017) وقرارات المجلس المركزي في دورتيه في 5/3/2015 و15/1/2018.

نزول القيادة الرسمية عند مواقف الإجماع الوطني وموافقتها على قرارات المجلس المركزي في دورتيه (5/3/2015+15/1/2018) هو تعبير عن حالة التراجع التي أصابت سياسة هذه القيادة، ووصولها إلى الطريق المسدود، وما لجوؤها في الوقت نفسه لتعطيل قرارات المجلس المركزي والالتفاف عليها بأشكال مختلفة، من بينها «مبادرة 20/2/2018» في مجلس الأمن، سوى تعبير عن أزمة حادة تعانيها القيادة الرسمية والشرائح الاجتماعية التي تمثل مصالحها الاجتماعية والطبقية والسياسية الاحتكارية والإقصائية على رأس السلطة وفي أجهزتها البيروقراطية.

تحاول القيادة الرسمية أن تكسب المزيد من الوقت في رهان خاسر على إمكانية التلاقي مع المشروع الأميركي في منتصف الطريق. ومما لا شك فيه أن الضغط الشعبي، عبر النضال في الميدان ضد الاحتلال، وتصعيد سياسة الاشتباك معه، كما والنضال في المؤسسة الوطنية، والدفاع عن دورها، وصونه، في مواجهة سياسات «المطبخ السياسي»، هو الطريق لجر القيادة الرسمية للتسليم بوفاة اتفاق أوسلو، وبفشل الرهان على بقاياه، وفشل الرهان على الوصول الى «حل وسط» مع الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو. أي بكلام آخر، توفير شروط ضاغطة كجعل القيادة الرسمية تسلم بقرارات المجلس المركزي وبرنامج الإجماع الوطني، برنامج الانتفاضة والمقاومة الشعبية الشاملة على طريق التحول إلى العصيان الوطني، وتدويل القضية والحقوق الوطنية في الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية، وهو الأمر الذي يستوجب العمل على تطوير الإستراتيجية الوطنية الكفاحية، مع الأخذ بالاعتبار المهام المطروحة في كل ساحة من ساحات النضال (الضفة، القطاع، الشتات،.. إلخ).

 

(3)

 

 

المؤسسة الوطنية والإصلاح الديمقراطي

 

منذ التوقيع على اتفاق أوسلو دخلت المؤسسة الوطنية (م.ت.ف) في أزمة سياسية فاقعة، من نتائجها: تعطيل الهيئات الوطنية، أو تهميشها، وتعطيل قراراتها، وإحلال «المطبخ السياسي» محلها، وسيادة الإنفراد والتفرد بالقرار السياسي والمؤسساتي والمالي في م.ت.ف... ولعل أزمة تعطيل قرارات المجلس المركزي (منذ 5/3/2015) وتهميش اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتعطيل «لجنة تفعيل م.ت.ف وتطويرها»، التي تشكلت بقرار مؤتمر الحوار الوطني في القاهرة (2005)، كلها دلائل تؤكد حالة العجز التي تعيشها المؤسسة الوطنية وضرورة إصلاحها، عبر إعادة بنائها على أسس ديمقراطية بانتخابات نزيهة وشفافة، بنظام التمثيل النسبي الكامل، للمجلسين التشريعي والوطني والمجالس البلدية والمحلية، والاتحادات والنقابات والجامعات والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني.

إن معركة الإصلاح الديمقراطي للمؤسسة الوطنية لا تنفصل إطلاقاً عن معركة وضع اتفاق أوسلو خلف الظهر، وفك الارتباط به، والإعتاق من قيوده السياسية والأمنية والاقتصادية، وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني الكفاحي الموحدَّ والموحِدّ، وإعادة بناء الوحدة الوطنية الجامعة على أسس ائتلافية وعلى قاعدة تشاركية، وطي صفحة الإنفراد والتفرد بالقرار وإحلال صفحة المطبخ السياسي بديلاً للمؤسسة.

إن معركة الإصلاح الديمقراطي للمؤسسة الوطنية وإعادة بناء الائتلاف الوطني العريض لا تنفصل إطلاقاً عن معركة توطيد أركان الحركة الجماهيرية وتفعيلها، وتطوير دورها في رسم القرار السياسي وصون البرنامج الوطني الفلسطيني.

 

(4)

 

 

تطوير بنى الحركة الجماهيرية وتوسيع آفاقها

 

عبّرت الحركة الجماهيرية الفلسطينية، على الدوام، عن استعداد متقدم لتقديم التضحيات في مواجهة الاحتلال ومشاريعه، خاصةً كلما توفرت لها القناعة، وتعزز لديها اليقين بمصيرية المعركة وخطورتها، ووضوح الأهداف، وعناصر الصمود واللحمة الوطنية، بعيداً عن الشعارات الرنانة، والجمل الإنشائية، وزرع الأهداف الوهمية الخيالية. فمن الصمود البطولي لشعبنا وقواه السياسية وفصائله المقاومة ضد العدوان الإسرائيلي الدموي على قطاع غزة عام 2014، إلى التحركات الجماهيرية الكبرى، للمعلمين والضمان الاجتماعي والموظفين العموميين دفاعاً عن مصالحهم الاجتماعية وضد سياسات الفساد، إلى انتفاضة الشباب، التي مازالت تعلن عن نفسها، منذ خريف العام 2015، وبدأت تباشيرها تنتقل حتى إلى مناطق الـ 48، إلى الإضراب البطولي للأسرى رغم محاولات القيادة الرسمية كسره، إلى معركتي الدفاع عن القدس والأقصى، والكنائس المسيحية ضد سياسات التطاول والتهويد الإسرائيلية.. وأخيراً وليس آخراً، انتفاضة الغضب ضد قرار ترامب، إنتفاضة «القدس والحرية».

إلى جانب ما أحدثته الحركة الجماهيرية في نضالها في الميدان من نتائج كبرى، فإنها لعبت، بلا شك، دوراً متقدماً، بقيادة قواها الوطنية والديمقراطية، في الضغط على القيادة الرسمية الفلسطينية في أكثر من محطة، آخرها محطة المجلس المركزي الفلسطيني وقراراته في 15/1/2018، وستبقى الحركة الجماهيرية في الميدان هي السلاح الأقوى والأكثر قدرة على صنع الوقائع اليومية ومراكمة القوى في وجه الاحتلال والاستيطان. كما ستبقى الحركة الجماهيرية هي السلاح الأقوى للضغط على القيادة الرسمية الفلسطينية، للتخلي عن الخيارات السياسية الفاشلة، والالتزام بقرارات الوفاق والإجماع الوطني، والبرنامج الكفاحي لشعب مناضل تحت الاحتلال في المدينة والقرية والمخيم، وفي أقطار اللجوء والشتات والمهاجر. وستبقى الحركة الجماهيرية هي القوة الفاعلة لإدخال الإصلاحات السياسية والمؤسساتيه والبرنامجية على أداء السلطة والقيادة الرسمية، في الميدان السياسي ضد الاحتلال والاستيطان، وفي الميدان الاجتماعي دفاعاً عن مصالح أوسع الشرائح الشعبية، وأصحاب الدخل المحدود والشرائح الدنيا من الفئات الوسطى، في مواجهة السياسات الاقتصادية الجائرة التي تتبعها السلطة الفلسطينية، في صياغة موازناتها السنوية، أوسن القوانين القمعية  وخنق الحريات الديمقراطية، لإضعاف تماسك الحركة الجماهيرية، وإضعاف دورها على التأثير.

وفي ظل وحدة وطنية جامعة، وفق مبدأ التشاركية، تتوفر للمعركة الأجواء الصحية للمزيد من النهوض، ولزج المزيد من القوى الاجتماعية في نضالاتها، الأمر الذي يتطلب الاهتمام بالأجيال والعناصر الشابة قولاً وعملاً، وتقديمها للمواقع القيادية في الحركة الجماهيرية، كما يتطلب النضال من أجل تمكين المرأة وإخراجها من دوائر الحصار وإطلاق طاقاتها النضالية سياسياً وإجتماعياً، ونقابياً، كما يتطلب الأمر كذلك إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الداخلية وإطلاق سراح المؤسسة التشريعية، لفرض الرقابة الشعبية، على أداء الحكومة وأداء القيادة الرسمية.

 

(5)

 

 

الانقسام ... العقبة الكأداء

 

شكل الانقسام ضربة غادرة للحالة الوطنية الفلسطينية، أضعفت بنيانها وبنيان الحركة الجماهيرية، وأغرقتها في صراعات محتدمة، مازالت تجرجر نفسها حتى الآن، رغم وصول الطرفين، فتح وحماس، في 12/10/2017، وبرعاية مصرية، إلى مذكرة التفاهم لإنهاء الانقسام، صادقت عليه الفصائل الفلسطينية في 22/11/2017. لكن إصرار الطرفين على الإنتقال من حالة الانقسام إلى حالة تقاسم السلطة والمال والنفوذ، هو الذي ما زال يعيق إنجاز ما تم الاتفاق عليه، وهو الذي يرمي بأحماله الثقيلة على كاهل شعبنا في قطاع غزة، خاصة في ظل امتداد الحصار لأكثر من عشر سنوات، وفي ظل القرارات العقابية الجائرة للسلطة الفلسطينية ورفضها رفعها وربط ذلك بما يسمى «تمكين» الحكومة، أي توفير شروط تسمح للحكومة بأن تمارس دورها – بما في ذلك- الدور الأمني – كما لو أنها تمارسه في مناطق ولايتها في الضفة الغربية.

إن الانقسام سوف يبقى عقبة شديدة القدرة على التعطيل، مما سيوفر للقيادة الرسمية الذرائع لممارسة سياسة التفرد والإستفراد وتعطيل الإصلاح الديمقراطي، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية التشريعية، والنقابية، والاجتماعية وباقي مؤسسات المجتمع المدني بالانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة، بنظام التمثيل النسبي الكامل، وتعميق وحدة الشعب في المناطق المحتلة والشتات، ومناطق الـ 48، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وتعويمه بمشاريع تنموية طارئة، وبعيدة المدى، لمعالجة ملفاته الاجتماعية والاقتصادية والصحية والبيئية، وصون أمنه.

 

(6)

 

 

الفئات الوسطى

 

تشكل الفئات الوسطى، خاصة في ظل السلطة الفلسطينية، موضوعاً للتجاذب بين مختلف التيارات السياسية:

•   تيار السلطة الذي يحاول على الدوام إغراقها بالمصالح الفئوية من خلال الوظيفة العمومية والتسهيلات المصرفية التي توفر لها إحساساً مزيفاً بالصعود الاجتماعي، وإن وضعتها تحت رحمة سداد الأقساط الشهرية للقروض المتوجبة، ما يبقيها منجذبة إلى مصالحها الفئوية، مشدودة إلى السلطة وسياساتها، تقف من العديد من القضايا الوطنية موقفاً يعطل دورها الفاعل، في لو تم الزج بها في النضال، وفي التأثير على صياغة الرأي العام، وفي أخذ دورها في صفوف الحركة الجماهيرية. ولعل تحركات الموظفين العمومين، والمعلمين، وقانون الضمان الاجتماعي، تشكل نموذجاً واضحاً على الطاقات الكفاحية الكبرى التي تختزنها.

•   تيار الإسلام السياسي، الذي يحاول على الدوام غزوها بأفكاره وعقيدته السياسية، مستغلاً حالة القلق التي تعيشها هذه الفئات، من وقوع انهيارات اجتماعية تمس مصالحها، أو تراجع في مكاسبها الاجتماعية.

•   التيار الديمقراطي، الذي يفترض به أن يقدم لهذه الفئات الوضوح البرنامجي، والحلول العلمية والواقعية، والثورية في آن، كونها تنتمي إلى الفئات المثقفة التي من المفترض أن تعطي للعقل وللرؤية العلمية النقدية المكانة اللازمة في قراءة المشاهد والبرامج السياسية على اختلاف تطوراتها.

مما لاشك فيه أن اليسار الديمقراطي الفلسطيني بكل ألوانه، سيبقى مدعواً ليقيّم ويستعيد أدواره المجيدة في مسار الثورة والمقاومة، والمبادرات الوطنية والاجتماعية، والانتقال من صياغات الشعارات والأقوال إلى الأفعال في النضال اليومي بالميدان. فمن خلال ذلك سوف يعيد  لهذه الفئات اعتبارها، وأن يواصل حرصه على كسبها لصالح الحركة الجماهيرية، ونضالاتها الميدانية ضد الاحتلال والاستيطان وكل أشكال الظلم الاجتماعي، الأمر الذي يستدعي توفير الأطر والآليات والخطاب السياسي بالوقائع الملموسة، بما يكفل الانفتاح على هذه الفئات وكسبها إلى جانب الحركة الجماهيرية، في رهان دائم على الشعور الوطني الذي تتمتع به هذه الفئات على اختلاف مستوياتها الاجتماعية.

 

(7)

 

 

المؤسسات الاجتماعية وتطوير بنى المجتمع المدني

 

في ظل انتظام انتخابات المجالس المحلية والبلديات والنقابات والجامعات والاتحادات، في الضفة الفلسطينية، ومع الانتشار الواسع للمؤسسات الأهلية، يفترض أن يكون المجتمع المدني الفلسطيني في الضفة والقطاع، كما وفي الشتات، قد تقدم خطوات إلى الأمام، بعد أن توفرت له أدوات تنظيمية، خارج إطار هيمنة المؤسسة الرسمية. وهذا من شأنه أن يعزز من قدرات الحركة الجماهيرية في تحمل مسؤولياتها الوطنية وإطلاق المبادرات، وتوفير عناصر الصمود وأدواته، الأمر الذي يوجب علينا:

•   تقديم نموذج جديد ومبتكر لعملنا في المجالس المحلية والبلديات، بإطارات جديدة (إتحاد لجان البلديات والمحليات)، كذلك إيداع إطارات ناظمة جديدة في الوطن والشتات والمغتربات.

•   تطوير عمل المؤسسات الأهلية الصديقة، بتعاونها الوثيق مع المنظمات الحزبية والجماهيرية، والإسهام الفاعل والملموس للمجتمع في المدينة والريف والمخيمات في الضفة والقطاع والشتات، والمراكمة في العمل اليومي من أجل بناء التيار الديمقراطي في صفوف الحالة الجماهيرية.

 

(8)

 

 

اللاجئون وحق العودة والأونروا

 

تراجعت قضية اللاجئين وحق العودة حين أدرجتها إدارة ترامب في مشروع «صفقة العصر»، ودعت إلى شطبها من على جدول أعمال أية مفاوضات، وشطب حق العودة إلى الديار والممتلكات لصالح الحلول البديلة. وترجمت إدارة ترامب سياستها بقرار تقليص تمويل الأونروا وإغراقها في العجز المالي، على طريق إعادة صياغة وظائف الوكالة بمدلولها القانوني – السياسي الواضح، والذي يكرس مكانة اللاجئين التزاما بالقرار 194 الذي يكفل حق العودة إلى الديار والممتلكات.

هذا التطور جعل من قضية حق العودة ملفاً إستراتيجياً لا يقل خطورة عن ملفي القدس والاستيطان، ما يعني ضرورة امتلاك إستراتيجية كفاحية في هذا الميدان، تأخذ بالاعتبار التطور الخطير بعد خطاب ترامب في  6/12/2017.

لقد اتسعت محاور نضال حركة اللاجئين، بحيث باتت تفترض الزج بالمزيد من القوى الاجتماعية وتطوير أساليب العمل الكفاحية:

•   ففي الضفة، إلى جانب مقاومة الاحتلال، النضال المنظم والمؤطر من أجل إنجاز مستوى لائق للحياة في المخيمات، واستمرار خدمات الوكالة، وصون حق العودة ضد المشاريع البديلة.

•   وفي القطاع، إلى جانب النضال لفك الحصار، وإعادة إعمار ما دمره العدوان، تندرج قضايا «الوكالة» وحق العودة ببناء الأطر الحزبية والديمقراطية داخل مؤسسات الوكالة وفي قلب المخيمات.

•   وفي لبنان، إلى جانب النضال من أجل الحقوق الاجتماعية والإنسانية، وضمان أمن واستقرار المخيمات، وإعادة إعمار مخيم نهر البارد، تندرج قضايا الوكالة وحق العودة.

•   وفي سوريا تنتصب مهمة النضال من أجل الرجوع إلى المخيمات، وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب، مع الربط الدائم مع قضايا الوكالة وحق العودة.

•   أما على الصعيد الوطني العام فإن التصدي لمشاريع تصفية وكالة الغوث أو إعادة بناء تفويضها، سيبقى مفتاح النضال من أجل التصدي لمشاريع شطب حق العودة.

ولقد باتت هذه الملفات تستدعي أطراً جامعة على الصعيد الوطني، فضلاً عن تطوير الأطر النضالية الخاصة بكل إقليم من أقاليم عمليات وكالة الغوث.

 

المؤتمر الوطني العام السابع

 

 

« اللجنة التحضيرية»

 

 

آذار/ 2018