توالت التقديرات نهاية الشهر الماضي ومطلع الشهر الحالي عن قرب الإعلان عن «صفقة العصر» لإدارة ترامب، لحل المسألة الفلسطينية، وإنهاء الصراع «العربي – الإسرائيلي»، وإعادة صياغة الأوضاع السياسية في المنطقة من خلال «حلف إقليمي» يتصدى للإرهاب وحاضنته إيران! تكون إسرائيل عضواً فاعلاً في هذا الحلف، إلى جانب عدد من الدول العربية الفاعلة في المنطقة.

ثم بعد ذلك توالت التقديرات أن ترامب أجل الإعلان عن «صفقة العصر» لفترة قادمة، بل إن آخرين قالوا إنه أجل الإعلان عنها حتى إشعار آخر.

في الوقت نفسه يلاحظ أن الفريق الأميركي الخاص بقضية المنطقة المؤلف من المبعوث الخاص جيسون غرينبلات، وصهر ترامب جارد كوشنير، مازال يقوم بمهامه، ولم يتم الإعلان عن حل، الأمر الذي يدعونا للسؤال: هل تراجع ترامب عن «صفقته» في المنطقة، أم أنه اصطدم بعراقيل ما، هي التي تطلبت تأجيل الإعلان عنها لفترة قادمة.

في محاولة للبحث عن جواب، من المفيد أن نؤكد خلاصة شديدة الأهمية هي محل إجماع عدد لا بأس به من المراقبين، والمحللين، تقول: إن «صفقة العصر» لم تكن أبداً خطة مرسومة مسبقاً، وضع لها جدول للتطبيق، على غرار «خطة خارطة الطريق» مثلاً، التي طرحت عام 2003، بل هي خطة عبر خطوات تطبيقية متدرجة إلى أن يكتمل بناؤها، عملياً، وميدانياً، مع بنائها نظرياً. ويمكن في هذا السياق إدخال تعديلات على خطواتها، بما ينسجم مع الوقائع المستجدة.

فعلى سبيل المثال، أعلن ترامب إعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل وقرار نقل سفارة بلاده إليها في 6/2/2017، قبل الإعلان عن «الصفقة»، علماً أن «قرار القدس» هو جزء من الصفقة، بل جزء رئيس، هدف استبعاد القدس من وكالة المفاوضات. في السياق نفسه، أعلنت إدارة ترامب قرارها نقل السفارة قبل نهاية العام 2019. ولما تبين لها أن ردود الفعل الفلسطينية الرسمية، والعربية وردود فعل الدول المسلمة، اقتصرت على البيانات وتصريحات الشجب والاستنكار، وخلت من أية خطوة عملية، قدم ترامب قرار نقل السفارة إلى 14/5/2018.

كذلك أعلن موقفه المعروف من حق العودة وقضية اللاجئين، وحل وكالة الغوث، في خطوة ثالثة في إطار تطبيق «صفقة العصر» قبل الإعلان عنها.

كذلك الأمر مع قضية الاستيطان الذي بات برأي إدارة ترامب عملاً إسرائيلياً مشروعاً، لأنه يستهدف مستوطنات سوف تضم في نهاية المطاف لإسرائيل، أي هي الآن جزء من إسرائيل. وهذا الموقف من الاستيطان بند من البنود الرئيسية «لصفقة العصر»، أتم الإعلان عنها أم لم يتم.

*     *      *

لا تقتصر خطوات «صفقة العصر» على جانبها الفلسطيني، بل هي تطال عدداً مهماً من الجوانب الإقليمية منها:

• التشكيك بجدوى الإتفاق النووي مع إيران والتهديد بالتحلل منه، في محاولة للعودة مرة أخرى إلى المرحلة السابقة التي تبرر فرض الحصار الاقتصادي والمالي والدبلوماسي على طهران.

• اتهام حزب الله والمنظمات الشعبية في العراق، بالإرهاب، وفرض عقوبات مالية عليها، مع اهتمام خاص بحزب الله.

• التدخل السافر في الأوضاع السورية، من خلال إقامة القواعد العسكرية وتسليح وتدريب المجموعات المسلحة المختلفة، وتوفير الحماية السياسية والأمنية لبعضها.

• تعزيز خطوات تطبيع العلاقات الإسرائيلية – العربية من مداخل مختلفة، اقتصادية، وسياحية، ورياضية و«ثقافية»، وغيرها.

• تشكيل شبكات تعاون أمنية واستخباراتية في المنطقة وفي الإقليم، تحت رعاية الولايات المتحدة وبقيادتها، في إطار أهداف متعددة، وكلها تندرج تحت عنوان «مكافحة الإرهاب».

• تطوير العلاقة مع إسرائيل، إلى حد التطابق في الرؤى الإقليمية، وتعزيز القدرات العسكرية للدولة العبرية، بما في ذلك إقامة قواعد عسكرية أميركية في النقب، وتطبيق خطط تدريبية بين الجيشين الإسرائيلي والأميركي تحاكي «حروباً إقليمية».

ولا يستبعد المراقبون، في هذا السياق أن تكون التغييرات الواسعة التي تشهدها الإدارة الأميركية (في الخارجية، ومجلس الأمن القومي، ووكالة المخابرات الأميركية) تندرج، في بعض منها، في تلبية احتياجات «صفقة  العصر»، خاصة في ظل انفجار الخلافات بين ترامب ووزير خارجيته تيلرسون.

وبالتالي يصبح من الخطر بمكان اعتبار تأخير الإعلان عن «الصفقة»، تراجعاً من ترامب، أو تعبيراً عن تعقيدات تعطل سيرها إلى الأمام. إذ ليس هناك سقف زمني للإعلان عنها، بل هناك مبدأ رئيس تستند إليه وهو أنها «خطة للتنفيذ، وليست للنقاش، خطة ملزمة، وليست للتفاوض حولها. خطة تخدم الولايات المتحدة وإسرائيل، في الإقليم، ولا تراجع عن مصالح الطرفين وعلى الجميع أن يعيد الترتيب أوضاعه في المنطقة ليستقبل استحقاقات الخطة، وتداعياتها».

*     *      *

في ظل هذا، إذا ما توجهنا إلى الحالة الفلسطينية، ماذا نجد؟

1) البيت الفلسطيني يزداد تشتتاً وانقساماً، خاصة بعد حادثة غزة ورد فعل رئيس السلطة الفلسطينية وحكومتها، وما استدعته من مواقف فلسطينية وعربية ودولية حذرت من خطورة الذهاب بالأمر إلى حد الفصل التام بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، خاصة في ظل ما تخطط له الدوائر الأميركية – الإسرائيلية لقطاع غزة من خطط، عناوينها إنسانية، ومضمونها، يتعلق بخطة «صفقة العصر»، ومشهد الحل النهائي للمسألة الفلسطينية كما ترسمه دوائر حكومة نتنياهو.

2) إمعان في التلكؤ في تنفيذ قرارات المجلس المركزي، ومناورات التفافية حولها، تؤدي بها تدريجياً إلى الإدراج لتغفو إلى جانب قرارات المجلس في 5/3/2015.

3) عودة إلى اتفاق أوسلو، من بوابة ما سمي «رؤية الرئيس»، أي خطاب رئيس السلطة الفلسطينية في مجلس الأمن في 20/2/2018، الذي اقترح فيه العودة إلى مفاوضات الحل الدائم، بموجب اتفاق أوسلو، في اطار دولي على شاكلة مؤتمري أنابوليس وباريس الفاشلين.

4) ولتمرير هذا كله، تمعن القيادة الفلسطينية في تهميش المؤسسة الوطنية، كاللجنة التنفيذية (بشكل خاص التي يقال إنها حكومة المنفى لدولة فلسطين، وهي أقل من هيئة تشاورية)، وحل الأمور بالقوانين والقرارات الفوقية، كقرار دعوة المجلس الوطني إلى الاجتماع في 30/4/2018، دون مشاورات تمهيدية، تضمن نجاحه، وتضع له آليات وإجراءات ووثائق  ومخرجات متوافق عليه يكون محطة لإعادة توحيد الحالة الفلسطينية وفي مواجهة استحقاقات «صفقة العصر» والتغول الإسرائيلي.

قد يؤخر ترامب الإعلان عن «صفقة العصر»، بل وربما لن يعلنها أبداً، لكنه ماض فيها، وكل ما يدور حولنا، يؤكد أنه جاد في قوله: «إنها خطة للتنفيذ». دون أن تجابه حتى الآن، على الصعيد الفلسطيني، والعربي، والإسلامي، بأية خطوة تنفيذية واحدة.