@ كان بوتين بحاجة إلى إظهار مدى الدعم الشعبي لتوجهاته، وخصوصاً في السياسة الخارجية، التي تُعدّ الورقة المهمة له في المرحلة القادمة

كما كان متوقعاً، حقّق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فوزاً ساحقاً في الانتخابات الرئاسية (18/3)، حيث أعيد انتخابه لولاية رابعة بـ76,67 % من الأصوات، بعد فرز 99,80 % من بطاقات الاقتراع. وأعلنت اللجنة الانتخابية العليا أنّ نسبة المشاركة بلغت 67 %. وبهذا الفوز، يسجّل بوتين نتيجة أفضل من تلك التي حصل عليها في الانتخابات السابقة التي جرت في 2012، وكذلك أفضل من تقديرات استطلاعات الرأي في الأسابيع الأخيرة.

ولم يحصل المنافس الأبرز للرئيس بوتين مرشح الحزب الشيوعي، المليونير بافيل غرودينين، إلا على 12,1 % من الأصوات، ليحلّ أمام القومي المتشدد، فلاديمير جيرينوفسكي (5,8 %)، والصحافية القريبة من المعارضة الليبرالية، كسينيا سوبتشاك (1,5 %).

وكان «الكرملين» جعل من نسبة المشاركة والتصويت لمصلحة بوتين معركته الرئيسة، وذلك بهدف «إضفاء شرعية داخلية وخارجية على الانتخابات»، المحسومة سلفاً. وكما درجت العادة؛ وصلت نسبة المشاركة في جمهوريات شرق روسيا وأقاليمه إلى نحو 76 %، وسجّلت جمهوريات القوقاز أعلى النسب، فيما كان الإقبال أضعف في كبريات المدن الروسية، مع اقتناع الناخبين المؤيّدين للتيارات الليبرالية بعجزهم عن إحداث أي اختراق أو تغيير، وربما استجابةً لدعوات الزعيم المعارض أليكسي نافالني إلى المقاطعة، بعد أن مُنِع من خوض السباق.

وأرجعت المعارضة الروسية ومنظمات غير حكومية ارتفاع نسب التصويت إلى «آلاف التجاوزات»، والتي تجلّت، حسب قول بعض رموزها، في «نقل ناخبين في حافلات من جانب الشرطة، وإرغامهم على التصويت، وتوزيع قسائم شراء بأسعار مخفّضة لكلّ من يدلي بصوته، فضلاً عن تهديد مراقبين وحشو صناديق بهدف رفع نسبة المشاركة».

وعرضت منظمة غولوس، غير الحكومية والمتخصّصة في مراقبة الانتخابات، حالات «التزوير» على موقعها الإلكتروني وأعربت عن قلقها حيال معلومات عن ضغوط مارسها أرباب عمل أو جامعات على موظفين وطلاب لإجبارهم على الإدلاء بأصواتهم في مكان عملهم أو دراستهم، وليس في مكان إقامتهم وذلك بهدف «مراقبة مشاركتهم في الانتخابات». وقال مرشح الحزب الشيوعي غرودينين: «بات الآن واضحاً أن الانتخابات لم تكن عادلة». وأقرّت السلطات بحالات تزوير في منطقة لوبرتسي، جنوب شرقي موسكو، وألغت لجنة مراقبة في موسكو نتائج الصندوق.

قوة «الدعم الشعبي»

لكن، وبمعزل عن استخدام وسائل الترغيب والترهيب القسرية، فقد أكد خبراء ومراقبون أن بوتين كان ضامناً الفوز بولاية رابعة، لكنه كان بحاجة إلى «إظهار مدى الدعم الشعبي لتوجهاته، وخصوصاً في السياسة الخارجية»، التي تُعدّ الورقة المهمة له في المرحلة القادمة.

وقد خاض بوتين، ضابط المخابرات السابق البالغ من العمر 65 عاماً، انتخاباته الرابعة لحكم روسيا 6 سنوات أخرى، تُضاف إلى 14 سنة في الكرملين، و4 سنوات رئيساً للوزراء. أي أنه أمضى حتى الآن أكثر من 18 عاماً في السلطة، منذ تعيينه خلفاً للرئيس السابق بوريس يلتسين أواخر 1999، أعاد خلالها روسيا، وخاصة في السنوات الأخيرة، إلى واجهة الساحة الدولية.

ويسود الاعتقاد لدى كثير من الروس بأن بوتين هو الذي استطاع أن يُنعش اقتصاد البلاد من جديد، وأن يقضي على فوضى التسعينات العارمة. كما يُرجعون إليه الفضل في الدفاع عن مصالح روسيا في عالم خارجي معادٍ، واستعادة الاستقرار بعد الفوضى التي خلّفها انهيار الاتحاد السوفييتي، حتى وإن كان الثمن المواجهة مع الغرب وأزمة معيشية وتراجع الحريات في الداخل.

حقبة جديدة من «الحرب الباردة»

وفي الواقع، كان الإحساس بالهزيمة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حالة مضافة إلى المعاناة الاقتصادية واتساع مشاعر الإحباط واليأس لدى أغلبية الروس. وخلال حملته الانتخابية الأخيرة، وعد بوتين أنصاره بـ«قرن من الانتصارات»، وعزف لهم على وتر استعادة «أمجاد روسيا القوية، ذات القوة العسكرية الخارقة القادرة على تحدي الغرب والدفاع بقوة عن البلاد».

ولاقت هذه النوعية من «الوعود»، على رغم ما قد يترتب عليها من احتمال الدخول في «حرب باردة جديدة» مع الغرب، ردود فعل حماسية لدى أنصاره في الداخل الروسي، حيث أشادوا بها واعتبروها تُمهّد لانتصارات متتالية ستفرضها روسيا العائدة بقوة إلى المسرح الدولي، في حين رأى فيها المعارضون «مُقدّمات لتقوقع روسيا على نفسها، وبدء مرحلة قاسية من العزلة الدولية، وبناء سياج حديدي جديد حولها».

وأشار المعارضون إلى تصاعد الإنفاق على الدفاع، حيث قرر الرئيس بوتين في أواخر العام الماضي تخصيص مبلغ 324 مليار دولار لبرنامج تسليح حكومي للفترة 2017 /2018، معتبراً أن «قدرة الاقتصاد على زيادة حجم الصناعات العسكرية بسرعة، هي أحد أهم الشروط اللازمة لضمان الأمن والاستقرار للدولة الروسية».

وقد شهد الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية اشتداد التوتر بين موسكو والغرب بسبب قضية تسميم عميل مزدوج روسي سابق في إنكلترا، ما أدى إلى تبادل طرد دبلوماسيين بين روسيا وبريطانيا.

ولم تنتظر موسكو إلى ما بعد الانتخابات بل أعلنت (17/3)، طرد 23 دبلوماسيا بريطانيا، رداً على إجراء مماثل اتخذته لندن. وأدّت هذه «التدابير» المتبادلة إلى «تعزيز أجواء التوتر الأقرب إلى الحرب الباردة التي خيّمت على ولاية بوتين الرئاسية الأخيرة»، وذلك على خلفية خلافات بين موسكو والعواصم الغربية بشأن عدد من القضايا؛ في مقدّمها الأزمة الأوكرانية والحرب في سوريا والاتهامات الموجهة إلى روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

واعتبر بوتين أن اتهام موسكو بتسميم الجاسوس الروسي السابق على الأراضي البريطانية هو «مجرد هراء»، مؤكدا أن «روسيا دمرت كل أسلحتها الكيميائية ومستعدة للتعاون مع لندن».

ويرى دبلوماسيون غربيون أنّ بوتين «يريد من الغرب أن يأخذ روسيا على محمل الجد كقوة عظمى، بعد أن تجاهلها طويلاً، وهذا يتطلب أولاً رفع ورقة العقوبات المهينة المُشهَرة في وجهها».

وقد لعبت الأزمة السورية وتدخل موسكو العسكري فيها منذ أيلول/ سبتمبر 2015، دوراً محورياً في استعادة روسيا لدورها على الصعيد العالمي، وتأمين «موطئ قدم» متقدّم لها في الشرق الأوسط، في وقت تشير فيه كل الأدلة إلى أن «ترسانتها النووية» باتت كافية لردع أي قوة عن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة معها لعقود قادمة!.

 

الصين.. شي جينبينغ رئيساً لولاية ثانية بالإجماع

انتخب البرلمان الصيني (17/3)، بالإجماع شي جينبينغ رئيساً لولاية ثانية تستمر خمس سنوات، وحليفه وانغ كيشان نائباً للرئيس. وجاء ذلك بعد أسبوع على إقرار البرلمان تعديلات دستورية ألغت تحديد ولايات الرئيس باثنتين، ما سيمكّن جينبينغ من قيادة الصين مدى الحياة.

وأيّد جميع النواب الـ2970 إعادة انتخاب شي جينبينغ (64 سنة)، علماً أن نائباً كان صوّت ضده وامتنع ثلاثة عن التصويت، لدى انتخابه للمرة الأولى عام 2013. وعارض نائب واحد انتخاب وانغ كيشان (69 سنة) نائباً للرئيس، علماً أنه كان اجتذب أعداءً، بعد تكليفه قيادة أجهزة التصدي للفساد، في حملة طاولت 1,5 مليون شخص في الحزب الشيوعي الحاكم.

واشتهر وانغ بلقب «رجل الإطفاء»، لدوره المحوري في محاربة الفساد ومعالجة مشكلات مالية داخلية. كما أنه خبير في التعامل مع الولايات المتحدة، إذ كان بوصفه نائباً لرئيس الوزراء، يرأس المحادثات الاقتصادية السنوية مع واشنطن. ويُحتمل أن يعزّز انتخابه، مكانة نائب الرئيس الذي كان دوره شرفياً، كما أن إتقانه اللغة الإنكليزية قد يجعله مسؤولاً عن ملف العلاقات بين بكين وواشنطن.

ولفت خبير في الشؤون الصينية إلى أن وانغ، بوصفه «خبيراً اقتصادياً ممتازاً»، سيشكّل فريقاً متكاملاً مع نجم صاعد في الحزب الشيوعي الصيني هو وانغ يانغ، للتحكّم بـ «عاصفة ضخمة تُنذر بعواقب حول الرسوم الجمركية»، التي يُهدّد بفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

واعتبر هذا الخبير أنّ أولوية الرئيس الداخلية في ولايته الثانية ستكون «إضفاء مزيد من القوة على حكمه»، علماً أن عليه أن يعالج عدداً كبيراً من المشكلات الآنية؛ مثل «اللامساواة الاجتماعية وارتفاع أسعار العقارات وكلفة رسوم الخدمات الصحية والتعليمية...الخ».