@ إقالة تيلرسون كانت متوقعة إذ أنّ العلاقة بينه وبين ترامب كانت مشحونة ومتوترة، ونُسِبَ إليه وصفه ترامب بـ«المعتوه والأحمق»!

يكاد يجمع أغلب المحللين على أنّ التغييرات الأخيرة التي أجراها، أو يعتزم إجراءها، الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إدارته، تشكل تعزيزاً لمعسكر «التشدّد والتوجّه اليميني القومي» في الإدارة «الجمهورية» الحالية في البيت الأبيض. وهذا ينسحب على مجمل الملفات المطروحة، وخصوصاً منها الملف الإيراني وسياسة استعراض القوة تجاه طهران، إضافة إلى رؤية الرئيس ترامب لـ«بريكست»، و«الحمائية» التجارية، والإنفاق الدفاعي الأوروبي، وصولاً إلى الأزمات المشتعلة في منطقتنا العربية، ما خلا قضية اتهام موسكو بالتدخل في ملف الانتخابات الرئاسية الأميركية، فهنا يميل ترامب، طبعاً، إلى الشخصيات التي تشاطره الرأي إزاء هذه المسألة الحسّاسة والتي تمسّه شخصياً!.

وكان الرئيس ترامب أقال وزير الخارجية ريكس تيلرسون (13/3)، وعيّن مكانه مدير «وكالة الاستخبارات المركزية»، مايك بومبيو. ومن ثمّ اختار جينا هاسبل، نائبة بومبيو، لتكون المدير الجديد للاستخبارات المركزية. كما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» (15/3)، أنّ الرئيس دونالد ترامب يعتزم أيضاً إقالة مستشاره للأمن القومي اتش آر ماكماستر، في إطار «تغيير أوسع نطاقاً سيشمل على الأرجح مسؤولين آخرين في البيت الأبيض».

ورأت مصادر دبلوماسية غربية أن التغييرات الحاصلة أو المزمعة ستعزز من موقف ترامب حيال السياسات الإيرانية في الشرق الأوسط، وربما تدل على نيته الانسحاب من الاتفاق النووي المقرر أن يتخذ موقفاً منه بحلول منتصف أيار/ مايو المقبل. وقال ترمب في هذا الصدد إن تعيين بومبيو «خبر سيئ للاتفاق النووي مع إيران»، في تأكيدٍ على أن فريقه يبلور سياسة أكثر تشدداً ضدها.

وكان ترمب قد أجرى كذلك تغييرات أخرى في إدارته شملت تعيين ديفيد شينكر في مكتب الأمن القومي، علماً بأن هذا الباحث في «مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» يُعد أيضاً من المعارضين الشرسين لـ«سياسات إيران التي يصفها بأنها مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط».

إزاحة تيلرسون

وفي الواقع، فإنّ إقالة تيلرسون، الرئيس السابق لعملاق النفط العالمي «إكسون- موبيل»، كانت متوقعة منذ الصيف الماضي، إذ أنّ العلاقة بينه وبين ترامب كانت مشحونة ومتوترة وقد اشتبكا مراراً، ونُسِبَ إليه وصفه ترامب بـ«المعتوه والأحمق»، ما أثار غضب الرئيس إلى درجة أنه تحدّى وزير خارجيته بعمل «اختبار للذكاء»!!. لكنّ توقيت هذه الإقالة كان مبعث دهشة في واشنطن، بسبب عبء العمل السياسي في المرحلة الراهنة، وخصوصاً بعد موافقة ترامب على اللقاء مع رئيس جمهورية كوريا الشمالية وجهاً لوجه، علماً أنه كان انتقد وزير خارجيته علناً لأنه «يضيع وقته بمعالجة ديبلوماسية للأزمة مع كوريا الشمالية»!.

ويرى مراقبون أنّ الرجلين يكادان أن يكونا على طرفي نقيض في كلّ شيء تقريباً. ويكفي كمثال على ذلك، الصدام المتكرر بينهما حول الاتفاق النووي مع طهران، والذي كان، في نظر البعض، «تعبيراً عن محاولة تيلرسون اليائسة لخلق توازن دقيق بين رغبة عارمة للحفاظ على الاتفاق بين المؤسسات الأميركية التقليدية، ورغبة مضادة بنفس القوة في البيت الأبيض لتعديله»!.

كما واظب تيلرسون على «التخفيف من وطأة الاسلوب الفج والمباشر» للرئيس ترامب، لاسيما في تفضيله إصدار الأحكام والمواقف السريعة عبر «تغريداته» الإلكترونية، والتي أدّت إلى توترات واضطرابات على غير صعيد وقضية.

أما بالنسبة لماكماستر، وعلى رغم نفي المتحدثة باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، لخبر إقالته، إلا أنّ العلاقة بينه وبين الرئيس ترامب تشهد توتراً منذ بعض الوقت، وخاصة بعد أن اعتبر أنّ الأدلة على حصول تدخل روسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة «لا يمكن دحضها».

بومبيو: «نسخة عن ترامب»

أما مايك بومبيو، الآتي من تيار «حزب الشاي»، المتطرف في الحزب الجمهوري، فإن تعيينه في المنصب الجديد «لا يدعو إلى الارتياح»، في نظر كثير من المراقبين. وما يظهره سجله في مجلس النواب الأميركي هو «معارضته الشديدة للاتفاق النووي وتفضيله التدخل العسكري الأميركي على نهج الديبلوماسية»، معتبراً أن «الغارات الجوية لها مفعول أفضل من الديبلوماسية»!.

وسبق له أن دعا علناً إلى إلغاء الاتفاق النووي المبرم مع إيران، وحذر مما أسماه «مساعٍ إيرانية حثيثة لتكون القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة». وأشارت مصادر غربية إلى أنه سيكون «نسخة مطابقة» لرئيسه، وسيقف إلى جانبه في أي قرار يتخذه إزاء الاتفاق مع طهران. وأضافت المصادر أنه بالنسبة إلى ترامب «ليس الخيار بين الاتفاق الراهن واتفاق أفضل، بل بين اتفاق أفضل أو لا اتفاق».

وعلاوة على ذلك، يتحدث البعض حتى عن «خطورة تعيينه» كوزير للخارجية، إذ أنّه «ليس مؤهلاً للاعتراض على نزوات الرئيس ومزاعمه، فضلاً عن أنه لم يظهر طيلة الأشهر الماضية أي قدر من الرغبة بالاختلاف في الرأي مع ترامب»، كما يقول هؤلاء، في حين أنّ تيلرسون سعى في بعض الأحيان إلى تصحيح «شطحات الرئيس»، ساعده في ذلك قناعة ترامب بأنه، بعد أن شغل منصب مدير إحدى أكبر الشركات النفطية في العالم، ذو كفاءة تستوجب الإصغاء إليه.

أبعاد أخرى

وإلى ذلك، لفت مراقبون إلى أنّ تيلرسون كان يمثل «عامل توازن لاستمرار العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة في حدها الأدنى»، في حين أنّ إقالته قد تنهي هذه المرحلة لتدخل واشنطن في «عصر أزمة متصاعدة» مع بروكسل.

الصين بدورها أيضاً، ستفتقد حماسة تيلرسون ضد السياسة الحمائية التي ينتهجها ترامب في اتفاقات التجارة معها ومع غيرها من الدول الأخرى. علماً أن تيلرسون كان منفتحاً على الصين، بحكم علاقاته القديمة منذ أن كان رئيساً تنفيذيا لـ«إكسون موبيل».

أما بالنسبة لروسيا، وعلى رغم العلاقات القديمة التي كانت تجمع بين بوتين وتيلرسون، فقد كانت سياسات الأخير التصعيدية تجاه موسكو تظهر لمؤيدي ترامب وكأنه «حليف للمحقق مولر، أكثر من كونه حليفاً لترامب»!. وفي المقابل، فقد قلل بومبيو من شأن المعلومات التي تشير إلى «تدخل روسي محتمل» في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

يقودنا هذا إلى القول أن ما تنتظره الخارجية الأميركية، برئاسة بومبيو، ليس عسيراً على التنبؤ، وأبرزه، كما يرجّح المهتمون، «تصعيدٌ في حدة التوترات في الشرق الأوسط، دون استبعاد خيار الحرب مع إيران».

وما يثير الحيرة في نفوس البعض من الديبلوماسيين الغربيين؛ هو استعداد ترامب للتفاوض المباشر مع جمهورية كوريا الديموقراطية، في حين أنه يحجم عن فعل ذلك مع إيران؟!.

 

 

 

ترامب يهاجم تحقيق مولر ويعتبره «غير عادل»

 

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب (18/3)، التحقيق الذي يجريه المحقق الخاص روبرت مولر حول تدخل روسي محتمل في الانتخابات الأميركية، معتبراً أنه «غير عادل»، ومؤكداً أن فريق عمله يتألف من ديموقراطيين «متشدّدين».

ويندرج انتقاد ترامب ضمن تصعيد للمواجهة مع مولر على خلفية تحقيقه في احتمال حصول تواطؤ بين الحملة الانتخابية لترامب وجهات روسية سعت إلى التأثير على مسار الانتخابات الرئاسية الأخيرة لمصلحة المرشح الجمهوري.

وهاجم الرئيس الأميركي أيضاً كلاً من المساعد السابق لمدير «مكتب التحقيقات الفيديرالي» أندرو ماكيب، الذي أقيل في 16/3، والمدير السابق للمكتب جيمس كومي، الذي أقاله ترامب العام الماضي على خلفية التحقيق ذاته.

وكان ترامب تفادى حتى الآن مهاجمة مولر في شكل مباشر. ومولر مدير سابق لـ «مكتب التحقيقات الفيديرالي» تولى التحقيق في التدخل الروسي بعد إقالة كومي في التاسع من أيار (مايو) 2017.

وحذر أعضاء في الكونغرس الأميركي مراراً من أن أي محاولة من قبل الرئيس لإقالة مولر من منصبه كمحقق خاص في القضية، معتبرين أنها «ستشكل خرقاً للخطوط الحمراء».

وكان ترامب اتهم في تغريدات سابقة كومي بالإدلاء بإفادات كاذبة تحت القسم أمام لجنة مجلس الشيوخ، واصفاً الملاحظات التي دونها كل من ماكيب وكومي خلال لقائهما معه بأنها «مذكرات كاذبة».

وقد تشكل تلك المذكرات مادة دسمة للتحقيق الذي يجريه مولر في حال أراد التحقيق في احتمال عرقلة الرئيس لمسار العدالة.

بدوره، أعرب كومي عن رفضه لما كتبه ترامب، وقال في تغريدة: «سيدي الرئيس، سوف يسمع الشعب الأميركي قصتي قريباً جداً، وفي إمكانهم أن يحددوا بأنفسهم من هو المستقيم ومن ليس كذلك»؟.