أربكت عملية دهس جنود الاحتلال في قرية برطعة بجنين المستويين الأمني والسياسي في إسرائيل. وفيما حاول نتنياهو وأقطاب حكومته إحالة أسباب العملية إلى «نهج التحريض» المتصاعد في الأراضي الفلسطينية المحتلة، اعترف مسؤولو الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن الوضع في الضفة يشبه برميل البارود الذي يوشك على الانفجار. وعادوا سريعاً بذاكرتهم إلى عملية دهس الجنود التي وقعت في قطاع غزة قبيل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في أواخر العام 1987.

مؤشرات كثيرة قرأها الاحتلال في وقوع العملية، وجميعها تؤكد أن حالة الاحتقان تتصاعد بين صفوف الفلسطينيين في أراضيهم المحتلة في ظل تغول الاستيطان ونهب الأرض والتهويد، وفي ظل اتفاق الحليفين الأميركي والإسرائيلي على البدء بخطوات عملية لتصفية قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه.

اللافت أن وقوع العملية دفع بقيادة جيش الاحتلال وحكومته إلى إعادة التفكير بمسار جدار الفصل العنصري الذي يمر شرق قرية برطعة ويضمها بالتالي إلى غرب «الخط الأخضر»، وهم يفحصون حالياً إمكانية نقله إلى خطوط الرابع من حزيران التي تمر من منتصفها؛ وهو إجراء لم تفكر به حكومة الاحتلال في السابق، وهذا يدل على حجم «الخطر» الذي استشعروه على أمنهم في حال بقي الوضع كما هو.

واللافت أيضاً أن وقوع العملية وجه صفعة قوية إلى الإجراءات الأمنية المشددة التي يتبعها الاحتلال في مراقبة الحياة اليومية الفلسطينية تحسباً لأية  عملية تستهدف جنوده ومستوطنيه؛ وقد دفع وقوعها قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى الاعتراف بأن «الانتفاضة الثالثة» لم تنتهِ، في إشارة إلى الانتفاضة الشبابية التي اندلعت في الأول من تشرين الأول من العام 2015.

في الجوهر، تؤكد العملية حقيقة أن وجود الاحتلال وتغول سياساته التوسعية هو أساس حالة الاحتقان المتصاعدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن تناقض هذا الوجود واستمراره مع المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني هو الذي يوصل الاحتقان إلى الانفجار، وقد كان صحيحاً أن يربط الاحتلال وأجهزته الأمنية بين حالات الانفجار الفردي وبين الانفجار العام على شكل انتفاضة شعبية شاملة، كما وقع في عامي 1987 و2000. ويعرف مسؤولو الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وحكومتهم أن الانتفاضة على اختلاف مستوى شمولها واتساعها سيكون لها تداعيات خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، لتمتد إلى أراضي الـ48، ربطاً بالسياسات الاحتلالية الواحدة التي تمارسها دولة الاحتلال ضد عموم الشعب الفلسطيني عبر سيناريوهات لا يختلف فيها سوى أسلوب إخراجها وتنفيذها، وقد لمس قادة الاحتلال مباشرة أثر هذه التداعيات خلال الانتفاضة الأولى، وفي انتفاضة الاستقلال عندما هب فلسطينيو الـ48 تضامناً مع أشقائهم في الضفة وغزة واحتجاجاً على القمع الهمجي لشبان الانتفاضة وقد سقط 13 شهيداً من فلسطيني الـ48 في بداية الشهر العاشر من العام 2000 «هبة أوكتوبر» أي بعد أيام فقط على اندلاع انتفاضة الاستقلال.

وتؤكد النقاشات الدائرة على المستويين الأمني والسياسي الإسرائيلي أن الاحتلال «متشائم» في رسم توقعاته القادمة، حيال ما يمكن أن يحدث من تطورات ميدانية بعد هذه العملية، حيث أبقى جميع الاحتمالات مفتوحة وخاصة أن العملية وقعت بعد سلسلة من عمليات الطعن استهدفت جنوداً ومستوطنين.

بعض المحللين الإسرائيليين اعترف بأن السياسات الإسرائيلية والأميركية قد وضعت الفلسطينيين أمام خيارات محدودة تتجه نحو المواجهة مع الاحتلال بتعبيراته المختلفة، وخاصة بعد قرارات إدارة ترامب حول القدس ونقل سفارتها إليها بعد الاعتراف بها عاصمة للاحتلال؛ وبعد الخطوات الخطيرة التي ينفذها الاحتلال، تشريعياً وميدانياً، تجاه تحقيق أهدافه في تهويد القدس وضم المستوطنات إلى إسرائيل.

وإذا كانت عملية الدهس ستحفز أجهزة الاحتلال وحكومته للتضييق أكثر على الفلسطينيين في الضفة والقدس، فإن وقوعها من المفترض أن يشكل حافزاً كي تتقدم الحالة الفلسطينية باتجاه تصويب أوضاعها بديلاً عن مفاقمة الأزمات القائمة وفي المقدمة كارثة الانقسام. ومن نافل القول إن إعادة الاعتبار إلى البرنامج الوطني التحرري سيشكل نقلة نوعية في مواجهة الاحتلال سياسياً وشعبياً، ضمن خطة وطنية موحدة. دون أن يعني ذلك أن هذه المهمة الكبرى لا تواجه الكثير من العقبات، أبرزها إصرار السياسة الرسمية الفلسطينية على التمسك بأوسلو وقيوده، على الرغم من قرارات الإجماع الوطني التي قررت القطع معه ومع قيوده السياسية والأمنية والاقتصادية.

وقد أكدت معظم القوى السياسية الفلسطينية أن الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على القضية الفلسطينية بهدف تصفيتها، يتطلب مواجهته باستراتيجية كفاحية توحد الشعب وقواه السياسية من بوابة إزالة أسباب الانقسام والسياسات الفئوية التي جهدت من أجل وقوعه واستمراره. كما أكدت أن الالتزام بقرارات المجلس المركزي الفلسطيني بدورتيه الأخيرتين وتنفيذها يكفل تحقيق التقدم في مسار العمل الوطني الفلسطيني ويخرج الحالة الفلسطينية من دائرة التردد والانتظار باتجاه المبادرة بما يعزز العامل الذاتي الفلسطيني في مواجهة سياسات الضغط والابتزاز التي يمارسها التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي.

وتجدر الإشارة إلى أن الاستمرار الرسمي في تجاهل هذه القرارات والانحياز الأعمى لقواعد أوسلو وكوارثه سيزيد الوضع الفلسطيني تعقيداً مع استمرار الاحتقان الشعبي المتصاعد جراء الاحتلال وسياساته العدوانية ـ التوسعية، وجراء السياسة الإنتظارية التي تسلكها القيادة الرسمية الفلسطينية؛ والتي تتمسك بخيار فقد منذ اعتماده أية آفاق للتقدم نحو تسوية سياسية شاملة ومتوازنة للصراع تكفل تجسيد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وقد اعترف المفاوض الفلسطيني بذلك منذ العام 2012 عند ما قرار الإجماع الوطني الفلسطيني إغلاق باب «التسوية الأميركية ـ الإسرائيلية». وإطلاق المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة والذي تمكن من استصدار قرار من الجمعية العامة يعترف بفلسطين دولة تحت الاحتلال بحدود الرابع من حزيران /يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ومنذ ذلك الوقت (2012)، تم التأكيد على ضرورة البناء على هذا القرار والاستفادة من عضوية المؤسسات التي أتاح صدوره انتساب فلسطين إليها، وفي المقدمة المحكمة الجنائية الدولية والذي وفر فرصة هامة أمام الجانب الفلسطيني لمحاكمة الاحتلال على الجرائم التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته.

لكن ما يعيق الآن الخروج من الوضع الفلسطيني المتردي، هو ذاته الذي أعاق التقدم في تدويل القضية الفلسطينية ومقارعة الاحتلال في الأمم المتحدة ومؤسساتها، وهو السياسة الإنتظارية التي تلتزمها القيادة الرسمية الفلسطينية؛ وهذا يزيد من تداعيات الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على الحقوق الوطنية لشعبنا.. ويضاعف من كوارثه.