تقرع طبول الحرب، وتخيم غيوم ملبدة في سماء سوريا ولبنان وإيران بعد التهديدات الأميركية المباشرة بضرب سوريا، وإعلانها إنها لن تتردد في توجيه ضربة حتى لو لم توافق الأمم المتحدة بذريعة إستخدام الجيش السوري اسلحة كيماوية في الغوطة الشرقية. وحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، أبلغت الجهات الأميركية الرسمية الأركان الروسية نيتها توجيه ضربات عسكرية لدمشق وغيرها من المواقع .

وكانت الولايات المتحدة أجرت مناورات عسكرية، هي الأضخم والأكبر مع دولة إسرائيل تحت إسم "جونيبر كوبرا"، حاكت فيها ثلاثة حروب في آن واحد، إنتهت في ال15 آذار/ مارس الحالي، وكانت إسرائيل طلبت من اعضاء من مجلس الشيوخ بتزويدها بكميات كبيرة من الذخائر لضرب لبنان، كما اعلن قائد القوات الجوية الأميركية الثالثة، الجنرال ريتشارد كلارك، بأن القوات البرية الأميركية مستعدة الآن للموت من اجل الدولة الإسرائيلية" وأضاف "نحن مستعدون للإلتزام بالدفاع عن إسرائيل، وفي أي وقت قد نشارك فيه في القتال الفعلي." وعلى الجبهة المقابلة، قامت روسيا الإتحادية وبقرار من الرئيس بوتين بنقل طائرات حربية من طراز سخوي 57، وبطاريات صواريخ إس 600 وصواريخ بعيدة المدى، فضلا عن إس 400 وغيرها من الأسلحة الروسية الدقيقة، التي نقلت لقاعدة حميميم ومنها لمدينة دمشق ومحيطها، وهددت روسيا بالرد على أي هجوم أميركي او غربي بما في ذلك الإسرائيلي. وتم نقل عشرة الآف مقاتل من حزب الله من الجبهات السورية إلى لبنان إستعدادا لإية تطورات على الجبهة اللبنانية، وكذلك تم الإستنفار العام في القوات الإيرانية، وهناك تنسيق روسي، سوري، إيراني وحزب الله لمواجهة أية عمليات إنتقامية من قبل القوات والأساطيل الأميركية.

ومن يعود للخلف 57عاما ويستحضر حرب خليج الخنازير في كوبا، يلحظ التشابه النسبي بين الأمس واليوم مع الفارق في الشروط والإمكانيات والآفاق المحتملة للحرب في حال نشبت الآن. آنذاك في نيسان / إبريل 1961 دعمت الولايات المتحدة مرتزقة كوبيين من جماعة الرئيس المخلوع باتيستا،وتدخلت مباشرة بطائراتها وقواتها واسلحتها لإسقاط نظام الرئيس فيدل كاسترو، لكنها منيت ومرتزقتها بهزيمة ماحقة، لإن الشعب الكوبي البطل ونظامه السياسي حديث الولادة مدعوما من الإتحاد السوفييتي آنذاك تصدى بقوة للإنزال، كما هدد الرئيس خرتشوف بإستخدام الأسلحة النووية في حال تمادت الولايات المتحدة في عدوانها ضد كوبا الشيوعية. الأمر الذي دفع الولايات المتحدة برئاسة الرئيس كينيدي للتراجع، والإقرار بالهزيمة، مع ان ألن دالاس، رئيس جهاز السي آي إيه كان يقف على رأس العملية الفضيحة. ولم تتمكن أميركا ولا مرتزقتها من تحقيق أي هدف من أهداف حربهم العدونية.

والآن من يسمع قعقعة السلاح، ونشر الصواريخ الحديثة والأحدث في العالم، والطائرات بصنوفها وميزاتها العالية، وحالة الإستنفار على كل الجبهات الإفتراضية بين الحلفين المتضادين، يعتقد أن الحرب قاب قوسين أو أدنى. لكن المدقق جيدا في موازين القوى، وفيما يمكن أن تحمله أي حرب من تداعيات على شعوب المنطقة والعالم لا يميل للإعتقاد بإرتكاب أميركا أي خطوة غير محسوبة النتائج. لا سيما وان الأمر لا ينحصر في سوريا ولبنان وإيران، فروسيا أعلنت بملىء الفم أنها لن تتوانى عن الرد في حال تعرضت دمشق لإي هجوم، وحركت كل اساطيلها واسلحتها في المنطقة وفي شبه جزيرة القرم وغيرها من المناطق لتكون على أهبة الإستعداد للرد على أية مغامرة أميركية، وبالتالي الإدارة الأميركية ستفكر الف مرة قبل الإقدام على أي عمل عسكري ضد سوريا. فهي تراجعت أمام كوريا الشمالية، فهل ستتمادى أمام روسيا الإتحادية، التي إستعادت عافيتها ومكانتها العسكرية، وباتت ندا منافسا للقوة العسكرية الأميركية؟

من خلال القراءة الموضوعية للتطورات من الصعب على الولايات المتحدة المغامرة، والإنخرط في حرب عالمية ثالثة مكشوفة، رغم انها سعت لتحشيد قوى وأساطيل حلفائها الغربيين من بريطانيين وفرنسيين بالإضافة لإسرائيل، لان ذلك لا يعني بالضرورة الإندفاع نحو الحرب بقدر ما هي رسائل ساخنة لدمشق وإيران، لإنها إن تورطت بذلك، فإنها لن تفلح في تحقيق أهدافها، وخلط الأوراق في المنطقة والعالم سيكشف ظهرها أكثر فأكثر، ويعريها تماما هي وحلفائها الإسرائيليين والأوروبيين ومن في مقامهم من دول المنطقة، لإن قوى أخرى ستضطر للإنخراط في الحرب غير القوى المعلنة. لذا قد تغطي عارتهديدها بمناوشات جزئية هنا أو هناك لذر الرماد في العيون، ولكن حرب عالمية مفتوحة من الصعب الإعتقاد بحدوثها، والأمر في سوريا أكثر تعقيدا من حرب خليج الخنازير في كوبا 1961.