إن قصيدة (في الموت أسباب الحياة) للشاعر الفلسطيني أحمد صالح، تندرج في نطاق ذلك النوع من الشعر الذي يكتب لزرع الحماسة في النفوس، وحث الهمم على الإقدام ومجابهة الأخطار المادية والمعنوية التي تحدق بها، فهي انطلاقا من الكلمة الأولى/المفتاح (هيا) تشرك القاريء في جو حماسي وتحريضي، يشحنه بالصمود والشجاعة واللا تردد، حيث الشاعر يجعل من المخاطب تارة صديقا (هيا صديقي)، وأخرى أخا (انهض أخي، صبرا أخي، عذرا أخي...)،

لكن الملاحظ أن لفظة (هيا) تظل مرتبطة بكلمة الصديق، وذلك في ثلاثة مواضع من القصيدة، ولا يدري القاريء لماذا اختار الشاعر هذا التوظيف؟! فهو في تحميسه للصديق يوظف اسم فعل الأمر (هيا)، وفي تحريضه للأخ يستعمل فعل الأمر ظاهرا (انهض)، أو مستترا (عذرا وتقديره اعذرني، صبرا وتقديره اصبر)، وتتعدد صيغ الأمر في مختلف أنحاء القصيدة، لكن ما يهم في هذا الصدد الصيغ التي وردت مرتبطة بلفظتي: الصديق والأخ. ويمكن تفسير هذا الاستعمال الذي اعتمده الشاعر باحتمالين:

أولهما دلالي: يميز فيه الشاعر بين الصداقة التي تقتضي الحوار المباشر الخلو من الحواجز اللغوية، لا سيما إذا كانت آصرة الصداقة متينة وعميقة، والأخوة التي تنبني على الاحترام انطلاقا مما يضعه المجتمع من عادات وتقاليد.

وثانيهما جمالي إيقاعي: حيث أن احترام قوانين الوزن الشعري قد يتطلب من الشاعر هذا التوظيف الثنائي المختلف.

هكذا فإن الكلمة المفتاح (هيا) يمكن اعتبارها بؤرة القصيدة التي تنطلق منها معاني الحماسة، وإيحاءات التحريض، لذلك فإن الفهم العميق والشمولي للقصيدة، يقتضي استيعاب دلالة هذه اللفظة اللغوية والنحوية، فهي كما يعرفها معجم القاموس المحيط لفيروز آبادي من حروف النداء أصله أيا، أما معجم مجمع اللغة العربية الوسيط، فيعتبرها كلمة حث، يقولون إذا حدوا بالمطي: هيا هيا: أسرعي، في حين يرى معجم الغني للدكتور عبد الغني أبو العزم، أنها اسم فعل أمر، ومعناه أسرع: هيا إلى العمل.

استنادا إلى هذه التعريفات المعجمية، يستفاد أن لفظة (هيا) اسم فعل أمر تدل على الحث والتحفيز على الإسراع بفعل شيء ما، يختلف حسب السياق الذي ترد فيه هذه اللفظة، فعندما يتعلق الأمر بالمطايا، فإن المقصود حثها على الإسراع في المشي، وعندما يرتبط الأمر بالإنسان، فإن المراد حضه على الإسراع في فعل ما، قد يكون العمل أو الدراسة أو غيرهما، وفي القصيدة المتناولة استعمل الشاعر لفظة (هيا) ثلاث مرات:

1- هيا صديقي ..

لا تمت عَبَثًا ...

 وقم بايِع على بَذل الحياةِ...

فهكذا تزهو الحياة .

2- هيا صديقي ...

لا تَسِر في الظِّلِّ ..

إنَّ الظِّلَّ مَنفاةُ الحياة .

3- هيّا صديقي ...

لا تمَت عَبَثًا ..

وقُم سابِق إلى شَرَفِ الحياة.     

واللافت للنظر أن الشاعر أثناء كل هذه الوقفات يوجه أمره إلى الصديق، الذي قد يكون صديقا حقيقيا، وقد يكون الشعب، وقد يكون الشاعر نفسه، وهو عبر هذا الأمر يحضه، من جهة أولى، على الحياة في زهو وشرف، مما يوحي بأن ثمة عدوا غاشما يهدد الحياة، وهذا ما سوف يصادفه القاريء في غير ما مكمن من القصيدة (ضَمِّد جراحَكَ وانتَصِب ../ واصعَد إلى فجرِ الصِّراعِ تُلاقِني ../ رَعدًا يُزَلزِلُ في الحياة .../ قد ماتَ قومُكَ...)، ويحرض من جهة أخرى، على مجابهة الموت، ليس بمفهومه القدري والبيولوجي، فذلك من سنن الله تعالى في خلقه، وإنما بمفهومه التنكيلي التقتيلي الذي يمارسه العدو (قُدسي تُناديني... وقلبي عندَكم/ ضاقَ المَكانُ..؟).

انطلاقا مما سبق، يتأكد أن قصيدة (في الموت أسباب الحياة)، تنتظم في باب شعر الحماسة، وهو جنس شعري قديم، ألفت فيه أشعار عربية متنوعة، سواء أفي العصر الجاهلي أم ما تلاه من العصور، وقد جمع بعض تلك الأشعار في دواوين سميت بالحماسة، كديوان الحماسة لأبي تمام، وديوان الحماسة للبحتري. ولفظة الحماسة تحيل لغويا على معاني الشدة والشجاعة والتحريض ونحوها، جاء في لسان العرب أن "حَمَسَ اللحم يحْمُسُهُ حَمْسًا قَلاهُ وفلانا أغضبه، وَحَمِسَ الرجل يحْمَسُ حَمَسًا اشْتَدَّ وصلُبَ في الدين والقتال، وَحَمُسَ يَحْمُسُ حَمَاسَةً شَجُعَ، حَمَّسَهُ وَأَحْمَسُهُ أغضبه وهيجه وَحَمَّسَ الدواء وغيره وضعه على النار قليلا"، ومن الجذر الثلاثي (حمس) اشتقت كلمة الحماسة، التي يعرفها اللسان بـ "الْحَمَاسَةُ الشدة في الأمر والشجاعة سميتْ الشجاعة حَمَاسَةً لأنَّ الشجاعَ يشتدُّ على قرْنِهِ عند الْكِفَاحِ ونوع الحماسة عند الْبديعيينَ هو أَنْ يصف الرجل نفسه بالشدة والشجاعة".

وعلى نهج معنى الحماسة هذا، تمضي قصيدة (في الموت أسباب الحياة)، التي تتأسس على ثنائية ضدية هي: الحياة/الموت، يصور الشاعر جانبا من الصراع الوجودي القائم بين هاتين الثنائيتين، (لا تمت عَبَثًا .../ وقم بايِع على بَذل الحياةِ...)، (وانهض لمَوتِكَ باسِمًا من دونِهم./ حرًا أخي بايِع على بَذلِ الحياة ..)، وهو صراع كما تمت الإشارة بين الحياة الشريفة والموت المخطط أو التقتيل الذي يزاوله العدو، ثم إن الشاعر يعتبر الموت من أجل هدف شريف ورفيع (أشعِل لِنارِكَ ... والتحِف شمس الشروقِ .../ مُؤَذِّنًا .."الله أكبر"../ وسينـثَني زَحفُ الذِّئابِ .../ وسينـتَشي صفوُ الحياة.)، أمرا إيجابيا ومطلوبا، ما دام أن أسباب الحياة تكمن فيه، كما يكشف العنوان الجميل والمعبر الذي اختاره الشاعر لقصيدته (في الموت أسباب الحياة)، وهو مقتبس من السطر الشعري الأخير الذي يختم به نصه (إنّي أرى في الموتِ أسبابَ الحياة)، ليبدأ من جديد!

إن القصيدة رغم امتداد الموت في كل مكان من الأرض، تحاول التأسيس لأسباب الحياة والاستمرارية، حيث الحياة تنبع من غور الموت، وهذا معنى استعاري جيد أفلح الشاعر في صياغته وتوظيفه، حتى صار كل مقطع من القصيدة يدفق بالحياة، (فهكذا تزهو الحياة/ هكذا طَبعُ الحياة!/ وسينـتَشي صفوُ الحياة/ تضاريس الحياة/ وقُم سابِق إلى شَرَفِ الحياة/ عَبَثًا تُراوِدُني الحياةُ عنِ الحياة../ إنّي أرى في الموتِ أسبابَ الحياة)، وسوف يستنبط القاريء الحاذق أنه على المستوى الكاليغرافي تنتشر لفظة الحياة في كل بقعة من جسد القصيدة، وقد وظفها الشاعر إثنا عشر مرة، في حين يقل حضور لفظة الموت، التي استعملها الشاعر سبع مرات، وعلى أساس هذا التوظيف الذي يحتفي فيه الشاعر أكثر بكلمة الحياة، يبدو أنه يحمس على الحياة، ليس بالهروب من الموت، ولكن بتحديه القوي؛ لأن الإنسان الذي يواجه الموت الذي يمارسه عليه العدو بحماسة، يظل حيا ولو مات ماديا وجسديا، (وانهض لمَوتِكَ باسِمًا من دونِهم./ حرًا أخي بايِع على بَذلِ الحياة ../ إنّي أرى في الموتِ أسبابَ الحياة.)، وهو بذلك يتناص مع الآية القرآنية الكريمة 169 من سورة آل عمران، التي يقول فيه الله تعالى: "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ".

خلاصة القول، إن قصيدة (في الموت أسباب الحياة)، تعتبر قصيدة حماسية تنضاف إلى ما نظم وكتب في هذا النطاق من نصوص وأشعار، تندرج كلها في تجربة الشعر الحماسي الحديث، التي تمثلها زمرة من الشعراء العرب والمسلمين المعاصرين، كأحمد مطر وحسن الأمراني ومحمد علي الرباوي وعبد الغني التميمي ومحمود مفلح وغيرهم كثير، ثم إن هذه القصيدة التي اختار الشاعر نظمها على وزن البحر الكامل، الذي يستجيب للنفس الحماسي التحريضي الذي شحن به الشاعر نصه، تندرج في تجربة الشعر التفعيلي، الذي يكسر النظام العمودي المقفى والمبني على شطرين، لكنه يحافظ على التفعيلة الموحدة، علما بأن الشاعر أحمد صالح يزاوج بين الكتابة العمودية التقليدية والتفعيلية الحرة، من خلال ما ينشره في مجلة الفوانيس من حين لآخر من نصوص وأشعار. 

نص القصيدة:

في الموت أسباب الحياة

شعر: صالح أحمد (كناعنة)

 

هيا صديقي ..

لا تمت عَبَثًا ...

وقم بايِع على بَذل الحياةِ...

فهكذا تزهو الحياة.

(.....)

عبثٌ صديقي ..

لن تهبَّ الريحُ فيما تَشتَهيهِ .

فكُن لها نِدًّا لتصفو ..

هكذا طَبعُ الحياة!

(.....)

وانهض أخي ..

لا .. ما أرادوا الخير لك ...

لَمّا رَجوكَ لِنَومَةِ الأمَدِ الطَّويل .

ضَمِّد جراحَكَ وانتَصِب ..

أشعِل لِنارِكَ ... والتحِف شمس الشروقِ...

مُؤَذِّنًا .." الله أكبر "..

وسينـثَني زَحفُ الذِّئابِ ...

وسينـتَشي صفوُ الحياة .

(.....)

هيا صديقي ...

لا تَسِر في الظِّلِّ ..

إنَّ الظِّلَّ مَنفاةُ الحياة .

(.....)

أسرِع وشاركني أتونَ الحادِثاتِ...

ولا تَهُن ... أو تَنحَني ...

لا تنتَظِر مَددًا سوى مَددِ السماءِ...

وضُمَّني ...

إغسِل بِنزبِك أجفُني ..

علّي أراكَ...

ولا يرى المجروحُ أكثَرَ من دِماه..!

(.....)

في مَوقِفٍ صرنا...

وقد ذابَ المكانُ...

ذوى الزّمانُ..

لنَلتَقي..

مُستَهدَفينَ...

لنا السّلاسِلُ.. والجَحافِلُ... والمَعاقِلُ.. والمحافِلُ... والقنابِلُ...

والمَشانِقُ... والمخانِقُ... والمشاعِرُ... والمشاعِلُ...

والشِّفاهُ المُطبقاتُ على تضاريس الحياة.

(.....)

هيّا صديقي...

لا تمَت عَبَثًا..

وقُم سابِق إلى شَرَفِ الحياة.

(.....)

وَهمٌ أخي..

لا.. لن يَكُفَّ الذِّئبُ عن نَهشِ الشِّياه.

(.....)

فانهَض أخي..

واضرِب على أُذُنَيكَ..

لا تَسمَع غَطيطَ النّائمينَ..

ولا صَدى أحلامِهم.

واصعَد إلى فجرِ الصِّراعِ تُلاقِني..

دَمعي يُكَفكِفُ أدمُعَك...

نَزفي يُضَمِّدُ مَذبَحَك..

صوتي يُعانِقُ أنَّتَك..

رَعدًا يُزَلزِلُ في الحياة...

غَيثًا.. فما نامَ التُّقاة.

(.....)

عُذراً أخي !

قُدسي تُناديني... وقلبي عندَكم

ضاقَ المَكانُ..؟

سنَلتَقي...

في منبَع الجرحِ الذي يروي حَنيني .. للِّقاء.

وملكتُ مَوتي ...

فاٌنتَصَبتُ أريدُهُ.

عَبَثًا تُراوِدُني الحياةُ عنِ الحياة..

(.....)

عُذرًا أخي ..

فجري يناديني ...وقلبي عندَكم .

ضاق الزَّمانُ ...؟

سَنَلتَقي ...

في مطلعِ الفجرِ الذي ينسابُ من جُرحي وجرحِكَ...

فانتَشَيتُ... أريدُهُ .

عَبَثًا تُزاحِمُني الخُطوبُ ...

ودونَها صبري وصبرُكَ ..

أدرَكَ الحُرُّ المنى.

(.....)

عُذرًا أخي ..

قدسي تناديني ...

وجُرحُكَ يَرتَجيني ..

والحنينُ يَشُدُّني .

ضاعَ اٌتجاهي ..!

حَيثُما وجَّهتُ وجهي ..

ألتَقي بعضي يُناديني ...

لتَلتَحِمَ الشَّظايا... والبَقايا... والحَنايا..

ضَيَّعَ الصَّمتُ المدى.

(.....)

صبرًا أخي ...

قد ماتَ قومُكَ...

أو ذَوَت أحلامُهم ..

لا... لا تُصَدِّق قَولَهم..

لا تنـتَظِر إقدامَهم ...

وانهض لمَوتِكَ باسِمًا من دونِهم .

حرًا أخي بايِع على بَذلِ الحياة ..

إنّي أرى في الموتِ أسبابَ الحياة .