منذ أن انتهت أعمال المجلس المركزي الفلسطيني في 15/1/2018، بدأت بعض الدوائر الموالية لرئيس السلطة الفلسطينية، والمقربة منه، تتحدث عن دعوة ما في الأفق لإنعقاد المجلس الوطني القديم، وبصيغته الحالية. ثم تقدمت «التنبؤ ات» في تحديد زمان إنعقاد المجلس، لتخرج تصريحات تقول إن الخامس من أيار، هو الموعد الذي أقر لإنعقاده وإن الإجتماع يجب أن يعقد قبل شهر رمضان.

تدور هذه الأقاويل، من طرف واحد، بينما اللجنة العليا، المعنية بوضع الإقتراحات والآليات والإجراءات لتنفيذ قرارات المجلس المركزي مازالت تعقد إجتماعاتها  في أوقات متباعدة، بينما حكومة السلطة لم تناقش الآن ما كلفتها به اللجنة التنفيذية، أي وضع الآليات المناسبة لتنفيذ قرارات المجلس في المجالات التي تخص الحكومة وقراراتها.

الحديث عن إجتماع للمجلس الوطني القديم، يأتي في سياق معاكس تماماً لما سبقه من تطورات ووقائع.

• فاللجنة التحضيرية التي يترأسها رئيس المجلس سليم الزعنون، والتي انعقدت في بيروت في كانون الثاني (يناير) 2017، أوصت بإنهاء الإنقسام، ودعت الرئيس عباس لإجراء مشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم «الجميع»، على أن تواصل اللجنة التحضيرية أعمالها، وصولاً الى إنتخابات لمجلس وطني جديد، في القدس والضفة الفلسطينية، وفي القطاع، وفي الخارج، يضم الجميع دون إستثناء. وكان يفترض أن تتواصل إجتماعات اللجنة التحضيرية، لكن القيادة الرسمية الفلسطينية حكمت عليها بالإعدام، وتجاهلت مخرجاتها. وطوت صفحتها؛ بقرار منفرد، وفي تحدٍ سافر للإجماع الوطني الذي تبلور في بيروت برئاسة سليم الزعنون، رئيس المجلس الوطني.

• أما جولة الحوار الوطني التي انعقدت في القاهرة في 22/11/2017، للمصادقة على إتفاق المصالحة، فقد أعادت بدورها التأكيد على ضرورة أن تستأنف اللجنة التحضيرية أعمالها، لإنتخاب مجلس وطني جديد، بعد أن شاخ المجلس الحالي، الذي كانت آخر إجتماعاته عام 1996. هذه الدعوة تجاهلتها القيادة الرسمية، علماً أنها حملت توقيع الفصائل الفلسطينية كلها دون استثناء، وشكلت مناسبة غنية لإعادة بناء الوحدة الوطنية في المؤسسة الوطنية الجامعة.

• المحطة الثالثة (منذ مطلع العام 2017) كانت قرار المجلس المركزي في دورته الأخيرة (15/1/2018)، معيداً التأكيد على قرارات دورة 5/3/2015، بإنتخاب مجلس وطني جديد في الداخل والخارج، بقانون التمثيل النسبي الكامل. قرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة، مازالت تلقى مصير قرارات دورة 5/3/2015. بعضها أحيل الى «لجنة سياسية عليا»، وبعضها الآخر إلى حكومة السلطة الفلسطينية، وبالتالي مازالت هذه القرارات حبراً على ورق، ولم يتذكر الموالون للقيادة الرسمية، والمقربون منها، من كل ما جرى في المجلس المركزي، سوى الدعوة للمجلس الوطني القديم لإجتماع عاجل، يقال إن موعده تقرر، في 5 أيار (مايو) 2018.

* * *

مصادر «اللجنة السياسية العليا»، المكلفة من اللجنة التنفيذية لوضع الإقتراحات والإجراءات لتطبيق قرارات المجلس المركزي تقول ما يلي:

• ليست هناك «لجنة» بالمعنى الحقيقي للكلمة. هناك أسماء يفترض أن تتشكل منها اللجنة [ أعضاء في اللجنة التنفيذية، أعضاء في «مركزية» فتح، وزراء في حكومة السلطة] بعضهم يحضر إجتماعاً، ويتغيب عن آخر، وبعضهم يحضر جزءاً من إجتماع، ويغادر بعدها تاركاً للآخرين إستكمال النقاش، وبعضهم الثالث لم يشرف اللجنة بحضوره، ولو لمرة واحدة. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن اللجنة غير جادة، أو أنها تشعر أنها غير جادة، وأن لا قيمة لتوصياتها وقراراتها، إدراكاً منها أنها لجنة شكلت لتقطيع الوقت، وتمييع قرارات المجلس المركزي. ولو كانت هناك جدية لدى القيادة الرسمية لأمكن تنفيذ أكثر من قرار بإعتبار ذلك من صلاحيات اللجنة التنفيذية، والدراسات بشأنه جاهزة  منذ وقت غير قصير، ولا داعي لإضاعة المزيد من الوقت على حساب المصلحة الوطنية.

المعلومات الواردة من داخل «اللجنة العليا»، أنها إنقسمت على نفسها بشأن الدعوة لدورة جديدة للمجلس الوطني.

• فالبعض رأى في هذه الدعوة مناسبة وفرصة ذهبية لإعادة بناء الوحدة الوطنية، في مواجهة السياستين الأميركية والإسرائيلية، خاصة وأن ترامب ماضٍ في قراره بشأن القدس، وأن نتنياهو ماضٍ هو الآخر في إجراءات الضم والتهويد وتوسيع آفاق الإستيطان الإستعماري. وأمام هذا، تدعى «هيئة تفعيل وتطوير م.ت.ف لإجتماع فوري، تحضره الفصائل الفلسطينية كافة، وكذلك الشخصيات الوطنية المعنية، إلى جانب اللجنة التنفيذية ورئيسها، ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني، لإتخاذ القرار السياسي الوطني المناسب، قرار الإجماع والتوافق الوطني، وبحيث تكون محطة المجلس الوطني فرصة لإعادة إنتخاب مجلس جديد، وفق ما أقرته اللجان التحضيرية التي عقدت إجتماعاتها ما بين بيروت والقاهرة وعمان، يعيد بناء الحالة الوطنية الفلسطينية على أسس جديدة حركة تحرر، برنامجها الكفاح في الميدان وتدويل القضية والحقوق الوطنية عملاً بقرارات المجلس المركزي ووثيقة الوفاق (2006) وإجتماع 22/11/2017 في القاهرة.

• أما آخرون فقد كانوا واضحين: لا مجال الآن لإنتخاب مجلس وطني جديد. ولا مكان لحماس في م.ت.ف، قبل حل ملفات المصالحة في قطاع غزة. فضلا ًعن أن القيادة الرسمية الفلسطينية مصرة على عقد المجلس في أقرب وقت (أسابيع) لإعادة تشكيل اللجنة التنفيذية. وهذا يلتقي مع ما تم تسريبه عن أعضاء اللجنة التنفيذية يرغب رئيس السلطة في إخراجهم منها، وإستبدالهم بآخرين، باتت أسماؤهم جاهزة، مستنداً في ذلك إلى تركيبة المجلس الوطني ( 640 عضواً) بحيث تضمن الأغلبية العددية لرئيس السلطة، وإن كانت هذه الأغلبية، لا تعكس «النصاب السياسي» ولا شروط التوافق والإجماع الوطني، تماماً كما جرى في مجلس 1996 الذي إنعقد تحت سقف إتفاق أوسلو.

*   *   *

إذن:

• قرارات المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين (5/3/2015 + 15/1/2018) معلقة على الرف حتى إشعار آخر، بذريعة أنها أحيلت إلى لجان لتدرسها. وهي لم تدرسها بعد. وحتى ولو درستها، فإن إقتراحاتها سوف تعود إلى الرف.

• الخطاب السياسي الذي تتحدث به السلطة الفلسطينية ورئيسها، هو الخطاب الذي ألقي في مجلس الأمن في 20/2/2018، وفيه عودة بائسة إلى إتفاق أوسلو، ومفاوضات الحل الدائم، بموجب أوسلو، لكن بمناورة مكشوفة تدعو لرعاية «فريق دولي» للمفاوضات، بديلاً للراعي الأميركي المنفرد، دون المس بآليات وأسس المفاوضات ومرجعيتها. أي أوسلو رقم (2).

• ترحيب إسرائيلي بالعودة إلى المفاوضات. وإشارات أميركية إلى إمكانية دراسة تشكيل «الفريق الدولي» للمفاوضات، في اللحظة المناسبة ــــــ مع ثبات القرار حول القدس (عاصمة لإسرائيل) والإستيطان (لا يعيق المفاوضات ولا داعي لوقفه) وحق العودة (شطب هذا الحق، وحل وكالة الغوث، وحلول بديلة لحق العودة).

• دعوات أوروبية لعدم التسرع بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة [لذلك قطعت مع كوشنر وغرينبلات ولكن ليس مع جهاز المخابرات الأميركية ومجلس الأمن القومي الأميركي).

• ورشة ترتيبات داخل البيت الفتحاوي، في ظل تعقيدات إنجاز إتفاق المصالحة، وعودة الحياة إلى شريان «حماس ـــــ دحلان».

• في ظل هذه الأجواء، تنتصب الدعوة لمجلس وطني (قديم) بلا مشاورات مسبقة مع القوى الفلسطينية، وبتأكيدات مسبقة عن إستبعاد حركتي حماس والجهاد.

إذن:

لم هذا المجلس؟

لإعادة بناء البيت الفلسطيني في إطار توحيدي جامع؟

أم لتعميق الإنقسامات السياسية وتكريس سياسة تهميش الهيئات والمؤسسات، وتكريس سلطة التفرد، بإعتبارها هي وحدها المعنية، ليس بصياغة القرار السياسي فحسب، بل وكذلك في فك وتركيب المؤسسات الوطنية.

«شاء من شاء ... وأبى من أبى»