دعا الملك المغربي محمد السادس أخيراً إلى تحقيق «تنمية متوازنة ومنصفة، يستفيد منها الجميع في إطار من الاطمئنان والاستقرار». وشدّد على ضرورة مراجعة النموذج التنموي الحالي الذي «بات لا يستطيع الاستجابة للمطالب والحاجات المتزايدة للمواطنين، كما يفتقد القدرة على الحد من الفوارق الاجتماعية، وبالتالي على تحقيق العدالة الاجتماعية.. والإنصاف والكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص».

معنى هذا أنّ المغرب بكامله، من أسفل هرمه الاجتماعي إلى رأس قمته، يطالب بتحقيق التنمية، أو تطوير النموذج التنموي القائم، بما يلبي احتياجات المواطنين وإيجاد حلول عملية لمشكلاتهم الملحّة، ومع ذلك فإن هذه التنمية، أو هذا النموذج التنموي المنشود، يبقى أشبه بـ«الفريضة» الواجبة والغائبة في آن. يتوجب علينا القيام بها، ولكنها تظل مع ذلك، تحلّق في سماء الأمنيات والأهداف المرغوبة، من دون أي ترجمة عملية لها على الأرض!!.

المناطق المهمّشة

فالحركات الاحتجاجية الدورية التي تشهدها المناطق المهمّشة في المغرب؛ مثل جرادة «المنجمية»، الواقعة شمال شرقي البلاد، وقبلها «حراك الريف»، في منطقة الحسيمة، شمال المغرب، وغيرهما من حراكات متنقلة بين منطقة وأخرى، والتي تمتد أحياناً إلى المدن الكبرى كالرباط والدار البيضاء، كلها أمثلة على استمرار التفاوت بين المناطق في مجالات التنمية، و«مؤشرٌ واضح وجليّ على محدودية النموذج التنموي المعتمد ومدى قصوره وتشوّهه».

والأمر الأساسي الذي يطرحه الجميع على خلفية تلك الاحتجاجات، هو «هذا النموذج التنموي الذي أثبت عجزه عن تحقيق تنمية متوازنة ومتوازية في مختلف المدن والأقاليم المغربية». وهو ما يفسر لنا تقاطع الموقف إزاءه؛ بين أعلى سلطة في البلاد، وبين مجمل القوى الاجتماعية والسياسية، حيث باتت جميعها تعتبر أنه آن الأوان لتدارك الموقف منه، والتعامل بكل الجدية المطلوبة مع سلبياته وتراكماته، والانطلاق من ثمّ، لتجاوزه، والسعي نحو بلورة «نموذج تنموي بديل» يأخذ بعين الاعتبار كافة مستجدات الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المغربي الراهن، قبل فوات الأوان!.

الصحة والتعليم والعدل والمواصلات والثقافة؛ هي أبرز العناوين التي تجسّد التباين بين الجهات المغربية. فكثيرة هي المدن والقرى التي تطالب بوجود مستشفى لديها. وعلى سبيل المثال، قام سكان مدينة الناظور في منطقة الريف، بالمطالبة بتشييد مستشفى في مدينتهم لأنهم يضطرون إلى قطع حوالي 200 كيلومتر للوصول إلى مستشفى وجدة، وهو الأقرب إليهم.

يلي ذلك حصول تلك المناطق على نصيبها من التعليم، حيث يكافح أبناء القرى في الجهات النائية بوسائلهم الفردية لمتابعة دراستهم ،على الرغم من الظروف المناخية والمادية الشاقة. وهناك أيضاً بعض الإدارات كالمحاكم ومكاتب المحافظة العقارية، التي تطلب من سكان القرى قطع مسافات للوصول إليها. وأخيراً، تأتي المواصلات والطرقات بين القرى والمدن القروية، وهي الهاجس الذي يسبّب لهم المعاناة اليومية، ويدخلهم في لجّة من اليأس والإحباط.

غالبية سكان القرى والمناطق الجبلية في المغرب يعيشون في فقر وتهميش. وهناك تفاوت في الموازنات المعتمدة بين المدن الكبرى والجهات المهمّشة، مثل جهة خنيفرة بني ملال. وهو ما يجعل الجهات الفقيرة في الأصل محكوم عليها أن تبقى فقيرة. فمدينة مثل الدار البيضاء تتوفر، إضافة إلى الموازنة المخصّصة لها من الدولة، على «مداخيل إضافية» من التجارة، ولها صيتها الدولي والأفريقي والمحلي اقتصادياً، حيث يمكن أن تضاهي جميع جهات المغرب لوحدها، لأنها بمثابة القلب النابض للمغرب بأكمله.

البطالة: «القنبلة الموقوتة»

واحدة من المشكلات الأخرى التي لا تجد حلاً لها في المغرب، هي تنامي البطالة التي تزيد عن10 %، وتصل إلى نحو 24 % لدى حاملي الشهادات الجامعية والمهنية. وتفيد الأرقام الرسمية أن البطالة تهدد نحو 40,8 % من الشباب، وهي الفئة التي تعتبر وقوداً للاحتجاجات هنا أو هناك، وترى أن الحكومات المتعاقبة فاقدة للمصداقية بسبب عجزها عن توفير الوظائف وفرص العمل لهم.

وفي الوقت الذي تزداد فيه، عاماً بعد عام، أرقام بطالة الشباب وخاصة خريجي الجامعات والمعاهد، تتصاعد وتيرة الاحتقان وأشكال الاحتجاج في وجه الحكومة، مطالبة بمزيد من الإصلاحات والحلول الجذرية للتقليل من معدلاتها.

بعض مراكز الأبحاث الغربية ترى أن «التهميش الذي يطال المجموعات الكبيرة من الشباب المغاربة العاطلين عن العمل، قد يتحول إلى قنبلة موقوتة مرشحة للانفجار في أي وقت». وتضيف قولها أنه في ظلّ ذلك، «لا غرابة في أن إحباط المغاربة تجاه الحكومة في تزايد مستمر، كما يتضح ذلك من خلال انخفاض قيمة رأس المال البشري، حيث «تراجع المغرب على هذا الصعيد من الرتبة 13 في العالم سنة 2010 إلى الرتبة 84 في السنوات الأخيرة»؟!.

 

 

 

قانون «تجريم العنف ضد النساء» يثير جدلاً في المغرب!

 

صادق البرلمان المغربي مؤخراً (14/2/2018)، على قانون يُجرّم العنف ضد النساء، هو الأول من نوعه منذ تأسيس البرلمان، وشمل القانون تصرفات مثل الإكراه على الزواج والتحرش الجنسي والتهرب من دفع النفقات ومتطلبات الأسرة الأساسية.

واعتبرت وزيرة الأسرة والتضامن المغربية، بسيمة الحقاوي، أن إقرار هذا القانون هو «إحدى اللحظات البارزة في مسلسل بناء دولة الحق والقانون، ولحظة فاصلة في تاريخ تعاطي المؤسسات المغربية مع قضية مكافحة العنف ضد النساء، وحقوق المرأة بصفة عامة». ودعت إلى اعتماد خطة شاملة يشارك فيها كل الفاعلين من أجل محاربة ظاهرة العنف ضد النساء.

وينصّ القانون على تجريم بعض الأفعال باعتبارها عنفاً يلحق ضرراً بالمرأة؛ كالإكراه على الزواج، والتحايل على مقتضيات الأسرة المتعلقة بالنفقة والسكن.. كما تم التوسّع في صور التحرش الجنسي التي يعاقب عليها القانون، وتشديد العقوبات في هذا الإطار.

وتشير بعض الأرقام المتداولة إلى أنّ حوالي ستة ملايين امرأة وفتاة مغربية تعرضّن للعنف خلال عام 2017، بما يمثل 62 % من المغربيات، وإن أكثر من نصف المُعنّفات متزوجات، ويبلغ عددهن 3,7 مليون.

وجاء القانون عقب إقرار الحكومة نهاية العام الماضي لـ«خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان»، التي جعلت من «المساواة والمناصفة بين الرجال والنساء وتكافؤ الفرص» أحد محاورها الرئيسية، إضافة إلى مكافحة كل أشكال التمييز ضد النساء. وقال رئيس الحكومة سعدالدين العثماني «بقدر ما نحن واعون بقيمة وأهمية ما تحقق من إنجازات ومكتسبات في مجالي حقوق الإنسان والديمقراطية ببلادنا، فإننا ندرك أن هناك نقائصاً وخصائص ينبغي العمل على معالجتها بجرأة وشجاعة».

وكان العثماني، القيادي بحزب العدالة والتنمية (إسلامي)، وصاحب كتاب «قضية المرأة ونفسية الاستبداد»، دعا في كانون الأول/ ديسمبر الماضي إلى «مراجعة النصوص والمفاهيم الدينية المعيقة لتطور المرأة». وشدد على أن «المجتمع المغربي له هوية وثوابت، لكن هذه الهوية لا يمكن أن تكون ضد حقوق المرأة».

ويعتبر البعض أن هذا القانون لن يغير شيئا «إذا لم تتغير العقليات بالمجتمع، لأن الأمر مرتبط بثقافة معينة»، في حين يرى آخرون أن هذا القانون كفيل بوضع حد للعنف الذي تتعرض له المرأة، وسيساهم على الأقل في تخفيض عدد حالات العنف المسجل ضدها.

وإلى ذلك، فإنّ القانون لم يُستقبل بالحفاوة المفترضة، حتى من بعض المشاركين في الائتلاف الحكومي بقيادة حزب العدالة والتنمية، حيث اعتبرت عائشة الخماس، رئيسة منظمة «اتحاد العمل النسائي»، والقيادية بحزب «الاتحاد الاشتراكي» المشارك في الحكومة، أن القانون «ليس له من مكافحة العنف ضد النساء إلا الاسم».

وأضافت قائلة إن «الحركة النسائية المغربية لا تزال تناضل من أجل قانون شامل لمكافحة العنف ضد النساء، فالعنف أصبح ظاهرة خطيرة، وستزداد خطورة مع الأزمات المركبة التي يعيشها المجتمع المغربي». وأشارت إلى وجود مطالب نسائية ملحة، أبرزها تعديل «مدونة (قانون) الأسرة»، الصادر في 2004. وأوضحت أنه «بعد 14 عاماً من تطبيق هذا القانون اتضحت عدم كفايته، كما ظهر وجود تراجعات في الممارسات القضائية المتعلقة به، بل وسنّ تشريعات تتراجع عما تنصّ عليه المدوّنة، والاستمرار في تزويج القاصرات دون 18 عاماً».

وشدّدت الخماس على ضرورة أن «تكون مدونة الأسرة ملائمة لدستور 2011 والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، والتي تضمن المساواة الفعلية بين الرجال والنساء». وختمت بأن «الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمرأة يجب أن تحظى بالأهمية القصوى، فوضع المغربيات فظيع جداً»، على حدّ قولها.