رأت إسرائيل في قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لها بمثابة إشارة إنطلاق كي تسابق الزمن في تهويد المدينة؛ وقد وضعت هذه المرة أملاك الكنائس والأديرة الأرثوذكسية المقدسية على دريئة استهدافها.

ولجأت حكومة نتنياهو إلى «إحياء» خطتها الضريبية تجاه الكنائس بأثر رجعي منذ العام 2010، وبذلك وجد القائمون على هذه الكنائس أنفسهم أمام مطالبة الاحتلال بدفع 190 مليون دولار، أو الحجز والمصادرة، ترافق ذلك مع إعلان عزم الحكومة مناقشة مشروع قانون يجيز لها مصادرة أملاك باعتها الكنائس لشركات خاصة خلال السنوات الماضية.

وكما حدث بعد تطبيق الإجراءات الأمنية الإسرائيلية على بوابات المسجد الأقصى ومحيطه، اضطر الاحتلال إلى تعليق إجراءاته أمام الاحتجاجات الواسعة التي أشعلها المقدسيون، وإن كان هذا التراجع مؤقتاً ولا يدل على أن الاحتلال أقفل ملف السيطرة على أملاك الكنائس والأديرة.

هذا يعني أن المعركة لم تتوقف عند حدود تأجيل التطبيق الفوري للخطة الضريبية.

كان من الطبيعي أن يربط المحتجون على قرار الضرائب ما بين تعليق القرار، وبين تراجع الاحتلال عن إجراءاته الأمنية في المسجد الأقصى ومحيطه؛ عندما قالوا «انتصرنا في معركة «القيامة» كما انتصرنا في معركة الأقصى»؛ لكن حكومة الاحتلال ستسعى أن تحقق في المفاوضات مع القائمين على الكنائس ما عجزت عن تحقيقه في محاولتها فرض الضرائب.

لقد دارت على امتداد السنوات الماضية نقاشات جدية حول مسألة تسريب ممتلكات الكنيسة الأرثوذكسية عبر تأجيرها أو حتى بيعها لجمعيات وشركات مرتبطة بالاستيطان، وأحدث ذلك المزيد من التجاذبات دفعت بمؤسسات ومجالس كنسية للمطالبة بإقالة البطريرك ثيوفيلوس الثالث. ودفعت قوة الاحتجاجات هذه فيما يبدو باتجاه تجميد عدد من مشاريع البيع كانت معدة للانفاذ. وليس غريباً يتم «إحياء» قانون الضرائب وتطبيقه على الكنسية كي يضع القائمين عليها أمام «التزامات» مالية طارئة وبمبالغ كبيرة. لذلك، شددت المجالس والمؤسسات الكنسية على ضرورة الوقوف في وجه هذا الإجراء وعدم الرضوخ للابتزاز الإسرائيلي الذي يسعى لحمل الكنيسة على القبول بتأجير أو بيع أملاكها إيفاءً لمبلغ الضرائب. وهذا كله في إطار مشروع اعتمدته حكومة الاحتلال منذ سنوات عدة يستهدف تهويد مدينة القدس بكاملها، ولا يقتصر الأمر الضغط فقط على الكنيسة والأديرة، ومن أجل حملها على الإبحار أو البيع.

ومنذ احتلالها، وضعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مجموعة من المشاريع كي تلغي الهوية الوطنية الفلسطينية للمدينة، واشتغلت على ذلك عبر محاور عدة أبرزها:

* إصدار القوانين والتشريعات التي تفتح أمامها الطريق للقيام بحملات هدم منازل الفلسطينيين أو طردهم منها وفق إدعاءات قضائية مفبركة. ولقد نشطت مؤسسات وجمعيات استيطانية في هذا المجال. وإلى جانب ذلك، أصدرت قوانين تطبيق على بقاء المقدسيين في مدينتهم عبر فرض ضريبة ما يسمى «أرنونا» والتي تبلغ بالنسبة للفلسطينيين أضعاف ما يترتب على  المستوطن في القدس.

* توسيع الأحياء الاستيطانية في المدينة كي تشكل المبنى العمراني والسكاني الأساسي في القدس، ووضع الخطط التي تسعى لإخراج عدد من التجمعات الفلسطينية من حدود بلدية المدينة.

* تعميق مسار عملية التهويد من خلال ربط عدد مخن المستوطنات بمدينة القدس وعلى نحو خاص مستوطنة معاليه أدوميم، إضافة إلى شق الطرق  الالتفافية لتمس حدود المدينة في محاولة لفصلها عن الضفة الفلسطينية، ولقد كشفت تقارير لمؤسسات حقوقية وقانونية أن العمل يجري على قدم وساق في هذا الاتجاه بهدف فرض الأمر الواقع على الفلسطينيين. وتنفق حكومة الاحتلال من أجل تغيير هوية القدس وتهويدها نحو عشرة ملايين دولار يومياً، وهي مهمة أساسية تتحد حولها الأحزاب الصهيونية في الحكومة والمعارضة.

وتدرك حكومات الاحتلال المتعاقبة أهمية أوقاف القدس وممتلكات الكنائس والأديرة فيها، ودورها في تكريس الهوية الوطنية الفلسطينية للمدينة.

لذلك، سعت من العام 2015 إلى فرض مشروع التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى؛ لكن هذا المشروع فشل أمام الاحتجاجات الفلسطينية الواسعة. وحاولت استثمار وقع عملية استهداف أفراد شرطة إسرائيليين في باحة الأقصى، لتحاول فرض إجراءات أمنية مشددة ودائمة في مقدمها نصب كاميرات «ذكية» ووضع بوابات إلكترونية، لكن هذه الإجراءات قوبلت باحتجاجات أشد واتحد المقدسيون معهم عموم الفلسطينيين في مواجهة هذه الإجراءات حتى استطاعوا فرض التراجع على الاحتلال؛ ولم تقتصر المشاركة في المواجهة على مكون فلسطيني واحد، بل وقف القائمون على الكنائس والمعنيون بالوقف الإسلامي جنباً إلى جنب على رأس الاحتجاجات ضد الإجراءات الاحتلالية.

ومع ذلك، لا تعتبر حكومة الاحتلال أن المعركة انتهت إلى هزيمتها، وترى أن لكل جولة من هذه المعركة ظروفها الخاصة، وهي في هذه الفترة تستفيد إلى الحد الأقصى من التطابق في الموقف مع إدارة ترامب تجاه الحقوق الفلسطينية وبخاصة في قضيتي اللاجئين والقدس.

لذلك، يتوقع المراقبون أن تضغط حكومة نتنياهو بشكل أكبر على القائمين على الكنائس والأديرة لتحصيل مكاسب كما حصل عبر استئجارها أراضٍ وممتلكات تابعة للكنيسة؛ وعلى إثر ذلك تصاعدت الدعوات لتعريب الكنيسة، بعد الكشف عن صفقات سرية أبرمت مع الاحتلال ومع جمعيات استيطانية عدة. وتهدف هذه الدعوات إلى تأكيد وضع الكنيسة في سياقها الطبيعي كجزء من المكون الوطني الفلسطيني وتحت راية البرنامج الوطني الفلسطيني.

وفي ظل هذه الاستهدافات لممتلكات الكنيسة من الضروري التأكيد على وضع قرارات المجلس المركزي بدوريته السابقين واللجنة التنفيذية موضع التنفيذ وبخاصة القرارات التي دعت إلى تعزيز صمود المقدسيين عبر خطة وطنية شاملة سياسية واقتصادية تتصدى لإجراءات الاحتلال التوسعية وسعيه الدؤوب لتهويد المدينة! وقد تصاعدت هذه المخاطر بعد مجيء إدارة ترامب وتطابق مواقفها مع مواقف حكومة الاحتلال، وقد بدأت خطابها المعادي للحقوق الفلسطينية باقتراح «قدس بديلة» عن القدس الشرقية لتكون عاصمة لكيانية فلسطينية هزيلة على نصف مساحة الضفة الفلسطينية، بعد إعطاء الضوء الأخضر لضم المستوطنات وشطب القدس بعد أن تم الإعلان عن التنكر لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها ويكفله لهم القرار الدولي 194.