مرّ الائتلاف الحكومي في المغرب بأكبر أزمة منذ تشكيله في آذار/ مارس الماضي، تمثلت في «غياب جماعي» لوزراء حزب «التجمع الوطني للأحرار» عن أحد اجتماعات الحكومة (8/2)، وعن لقاء آخر لوفد وزاري في مدينة وجدة، وهو ما اعتبر بمثابة «مقاطعة» للحكومة.

وقد رُبِط هذا التغيّب بتصريحات عبدالإله بنكيران، رئيس الحكومة والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية،  تناول فيها حزبي «الأحرار» و«الاتحاد الاشتراكي»، وتهكّم خلالها خصوصاً على عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، المشارك الأقوى في الحكومة. علماً أنّ الائتلاف الحكومي يضمّ أحزاب العدالة والتنمية (124 مقعداً من أصل 395)، والتجمع الوطني (37 مقعداً)، والحركة الشعبية (27 مقعداً)، والاتحاد الاشتراكي (20 مقعداً)، والاتحاد الدستوري (19 مقعداً)، والتقدم والاشتراكية (12 مقعداً). ويمثل حزب التجمع الوطني للأحرار، الشريك الأقوى في الائتلاف بـ7 وزراء من أصل 38 وزيراً.

بنكيران، الذي غادر قيادة الحزب، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ليخلفه سعدالدين العثماني، بعدما خلفه قبلها بقليل في رئاسة الحكومة، حل ضيفاً على مؤتمر شبيبة حزبه، ومن على منصّة المؤتمر ألقى خطاباً اعتبر بمثابة «إعلان عودة للمشهد السياسي»، بعدما التزم الصمت لفترة من الزمن، واعداً بأنه «قرر أن يتكلم»!.

كلام بنكيران استهدف أبرز حلفاء حزبه في الحكومة، أخنوش، وزير للفلاحة والصيد البحري في حكومة العثماني. وبطريقته المعهودة في توجيه الرسائل إلى من يهمه الأمر، سَخِر بنكيران من التصريحات المتواترة لأخنوش في الشهور الأخيرة، والتي تفيد بأن حزبه «سيتصدر الانتخابات البرلمانية عام 2021»، متسائلاً عن «العرّافة» التي أخبرت أخنوش بذلك؟!. كما وجّه خطابه إليه مباشرةً قائلاً: «أحذرك أن زواج المال والسلطة خطرٌ على الدولة»، في إشارة إلى كون أخنوش من أغنى أثرياء المغرب.

كلام بنكيران هذا خلّف كالعادة «زوبعة سياسية»، كان من تداعياتها الغياب الجماعي لوزراء حزب أخنوش عن اجتماع مجلس الحكومة المذكور. وبعد تداول خبر هذا الغياب، لم ينفِ الحزب رسمياً اعتبار الخطوة مقاطعة متعمدة، بعدما انتظروا رداً من العثماني على تصريحات بن كيران، وهو ما لم يحصلوا عليه.

انتقادات

واعتبر محللون أن احتجاج وزراء «الأحرار» على هذا النحو «لا يتناسب مع الواقعة التي حدثت، لا من حيث الهدف ولا من حيث الآلية»، مضيفين قولهم أنه «إذا كانت قد حدثت مقاطعة مجلس الحكومة، فهذا سلوك فيه مسٌّ بهيبة المؤسسات الدستورية، ويجعلها آليات وأسلحة للتنابذ السياسي».

وجاء موقف حزب «التقدم والاشتراكية»، المشارك في الحكومة، ليصب الزيت على نار الأزمة، حيث انتقد في بيان له (13/2)، ما وصفه بـ«التفاعلات السلبية الناجمة عن العلاقات بين أطراف من الأغلبية في الفترة الأخيرة، وما أدت إليه من ردود أفعال غير مواتية ولا مسبوقة، وصلت إلى حد عدم الاضطلاع بمهام دستورية».

وعلى أية حال، فإنّ وزراء «الأحرار» لم يطل بهم الأمر حتى عادوا لحضور اجتماعات الحكومة (15/2)، والإعلان عن اتفاق الائتلاف الحكومي على توقيع «ميثاق بين مكوناته، ليشكل إطاراً ناظماً لعمله ورفع مستوى التعبئة من أجل ذلك»!.

صراع داخل «العدالة والتنمية»

وبعد التدقيق فيما حدث، اعتبر مراقبون أنّ «التصدّع» الحقيقي هو ذلك الكائن داخل حزب «العدالة والتنمية» (الإسلامي)، بعد أن وصلت الخلافات فيه إلى مرحلة متقدّمة لم يعد بالإمكان التغطية عليها، وباتت تنذر بحدوث «صدوع وتشققات» فعلية داخل هياكل هذا الحزب، الذي كان يفاخر بمدى صلابته الحزبية والتنظيمية.

وفي ردٍّ غير مباشر على تصريحات بنكيران وما خلفته من تداعيات سياسية كادت أن تقوّض الائتلاف الحكومي القائم؛ أكد العثماني، أن «الاختلاف الفكري عادي وإيجابي، لكنه إذا لم يُدَر بالطريقة الإيجابية يصبح سلبياً ومُفجّراً، ويؤدي إلى الانشقاقات والنزاعات».

ونبّه العثماني، في أول اجتماع للمكتب الوطني لشبيبة الحزب، إلى أن الشبيبة «ليست حزباً آخر، بل هي هيئة تشتغل وفقا لثوابت حزب العدالة والتنمية»، وإلى أنه بـ«غياب ثقافة ديمقراطية يغيب الحوار؛ لأن الديمقراطية ليست آليات فحسب، بل هي قبول بالآخر والتفاعل الإيجابي معه».

وأوضح مراقبون أن رئيس الوزراء السابق، يستقوي بالشبيبة وبعض القيادات داخل الحزب، لتمرير رسائله بأنه «سياسي لم يمت»، وهذا ما أزعج رئيس الحكومة، الذي «يصارع من أجل إظهار أن حزبه منسجماً مع أصول اللعبة السياسية المتوافق عليها».

وفي إشارة إلى غضبه من الأصوات المزعجة داخل الحزب والشبيبة، انتقد العثماني اللجوء إلى «السب والقذف، وسوء الأدب الذي لا يمت إلى الديمقراطية بصلة». وبهذا يسير العثماني على نهج بنكيران، الذي كان بدوره يقمع أي صوت ضد التيار الغالب في الحزب