تعددت الملفات التي تدرسها الشرطة الإسرائيلية بخصوص شبهات الفساد التي تدور حول بنيامين نتنياهو منذ فترة ليست بالقصيرة. وفي كل ملف يبرز «شاهد ملك» ضده، يمكن أن يضع المستقبل السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي على كف عفريت، في حال قررت النيابة الإسرائيلية توجيه اتهامات قطعية، تمهيدا لخضوعه للمحاكمة.

ومع أن أوساط نتنياهو تحاول التقليل من تداعيات هذه الشبهات وإمكانية تحولها إلى اتهام رسمي، إلا أن التوتر الذي يصاحب ردود نتنياهو على ما ينسب إليه تؤشر إلى أنه بات يضع في حسابه أن الأمور يمكن أن تصل إلى أسوأ مما توقعه تجاه هذه الملفات.

وكعادته، كلما ضاقت أمامه السبل، يقرع طبول الحرب في الميدان والسياسة كي يشد انتباه الرأي الإسرائيلي نحو الاتجاهات التي يفضلها هو.. وهي غالبا نحو «الخط الوجودي» الذي لا يزال يتهدد إسرائيل، ونجاحاته المتواصلة في درء هذا الخطر!

أصاب النائب أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة في الكنيست حين اتهم الإدارة الأميركية بأنها تعمل جاهدة كي تطيل من عمر حكومة اليمين المتطرف التي يقودها نتنياهو، ولم يكن هذا الاستخلاص مبنيا فقط على خطاب نائب الرئيس الأميركي بنس أمام الكنيست مؤخرا، وما جاء فيه من تبني للمواقف الإسرائيلية تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية، بل هو تقييم للمسار السياسي الأميركي المستجد منذ مجيء إدارة ترامب والمواقف العدوانية التي اتخذتها في محاولة تصفية هذه الحقوق.

ولاحظ المتابعون أن ردة فعل نتنياهو تجاه قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال تجاوزت الترحيب، ربطا بمكاسب الدولة العبرية من وراء هذا الاعتراف، لتصل إلى حد اعتبار ذلك إنجازا شخصيا لرئيس الوزراء الذي تحاول أوساطه رد هذا «الإنجاز» إلى وقوفه ضد مضمون خطاب باراك أوباما في القاهرة 2009 والذي أعلن فيه ضرورة تجميد الاستيطان وحق الفلسطينيين في قيام دولة تخصهم.

ولقد وظّف نتنياهو تآكل الموقف الأميركي وتحويل ضغوطه نحو المفاوض الفلسطيني ليعزز نفوذه على رأس حزبه «الليكود» وينسج الائتلافات الحكومية وفق رعونته السياسية والمصلحية مستفيدا من خلو المشهد السياسي والحزبي الإسرائيلي من منافسين جديين.

وفق المعادلة السابقة، تمكن نتنياهو من ترؤس حكومات عدة منذ العام 2009 إلى اليوم بشكل متواصل.

وعلى الرغم من الادعاء بأن إسرائيل «دولة قانون» فإن أقطاب الحكومة الإسرائيلية والأحزاب الصهيونية المعارضة يعرفون تماما بأن القضاء الإسرائيلي محكوم بالاعتبارات السياسية وبمجددات ما يسمى «الاستقرار السياسي» في دولة الاحتلال. لذلك، عندما تم الحكم على رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت بالسجن على خلفية الفساد، كان القضاء المذكور حريصا على التأكد من أن قراره لا يمس ذلك الاستقرار.

يضاف إلى ذلك، أن المكونات الصهيونية في الكنيست تحرص على تجنب تحريك الملف القضائي ضد نتنياهو إلا إذا رأت بعض هذه المكونات أن ذلك يخدم مآربها المصلحية ويمكنها من استلام الحكم. وما عدا ذلك، تسود علاقات التواطؤ بين هذه المكونات في الائتلاف الحكومي كما في المعارضة.

ولقد وجهت أطراف إسرائيلية عدة انتقادات حادة للمستشار القضائي في إسرائيل بسبب تردده في توجيه الاتهامات المباشرة لرئيس الوزراء الحالي على خلفية تعدد الشبهات وظهور أكثر من «شاهد ملك» مستعد لتثبيت الشبهات وتحويلها إلى اتهامات، مقابل تخفيف الحكم القضائي على هذا الشاهد بسبب تورطه إلى جانب نتنياهو.

وباعتبارها دولة احتلال واستعمار إحلالي، تحرص مكوناتها السياسية الصهيونية على توجيه القرارات المفصلية بما يخص أقطاب المشهد السياسي والحزبي باتجاه تعميق هذا الطابع الاحتلالي. لذلك، يشهد خطاب التنافس في الانتخابات العامة سباقا بين المرشحين حول من يشهر عدائه أكثر للحقوق الوطنية الفلسطينية عبر الاستيطان والتهويد، وضمن هذا الإطار، يتم الحكم على صلاحية القيادات الصهيونية في الاستمرار في الحكم، وربما هذا يفسر إلى حد ما انهيار حزب «كاديما» التدريجي بعد غياب مؤسسه أرئيل شارون، وضمن هذا الإطار أيضا، ينظر إلى الملف القضائي لأي من هذه القيادات، وإذا لم يتم إقفال الملف، فإنه يرجأ إلى حين نشوء معادلة تسمح بالاستبدال مع ضمنان «الاستقرار» الذي يحافظ على الدور الاستعماري الإحلالي للدورة للدولة العبرية.

وبعد تمرير إدارة أوباما القرار 2334 في مجلس الأمن الذي أدان الاستيطان، لاحظ المتابعون أن نتنياهو اعتبر ذلك بمثابة ضربة لمستقبله السياسي، وتصاعدت في ذلك الوقت الانتقادات من خصومه وأعدائه وحملوه المسؤولية عن تردي علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة بسبب مناكفاته مع الإدارة السابقة، وحذروا من تدهور هذه العلاقات في ظل التوقعات التي كانت السائدة بفوز الحزب الديمقراطي مجددا في الانتخابات الرئاسية الأميركية. حتى أن أوساطا قريبة من نتنياهو لم تخف مثل هذه الانتقادات.

« طاقة الفرج» التي لم يتوقعها نتنياهو فتحت أمامه مع مجيء إدارة ترامب والمواقف التي اتخذتها بما يخص الاستيطان والقدس، ومؤخراً تجاه حقوق اللاجئين الفلسطينيين عير تحجيم المساهمة الأميركية في موازنتها.

ولم يخف على المتابعين أن هذه المواقف كانت بالنسبة لنتنياهو تشكل الأرضية الصلبة التي يقف عليها في مواجهة سيل الشبهات بالفساد التي دارت حوله. وخاصة أن ما تطرحه إدارة ترامب بشأن « صفقة القرن» ينتج استحقاقات إسرائيلية أهمه جاهزية الدولة العبرية في المشركة بالضغوط على دول المنطقة العربية المعنية بتنفيذ هذه الصفقة، واستعدادها العملياتي في إطار غرفة العمليات الأميركية ـ الإسرائيلية  المشتركة التي يقع على عاتقها إدارة الكثير من آليات تنفيذ هذه الصفقة، إلى جانب ما تطلبه التطورات العاصفة التي تشهدها المنظمة العربية من توافر ما تقوله عنه المؤسسة الصهيونية «الاستقرار المطلوب».

مع مجيء إدارة ترامب، وجدت حكومة نتنياهو نفسها في حل من محاولة تبرير ما يقال إنه «تنازلات مؤلمة» كما كان بعلن في محطات التفاوض السابقة، ومع أن كل ذلك مجرد كلام، إلا أنه كان وقود الكثير من المزايدات بين مكونات المشهد السياسي، والحزبي الإسرائيلي المنافسة، لتنتقل السياسة الأميركية تجاه الصراع الفلسطيني. الإسرائيلي من مسار الضغوط على الفلسطيني إلى محاول فرض الرؤية الإسرائيلية بقوة التهديد والابتزاز.