«أكثر من مواجهة وأقلّ من حرب»، هكذا وصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية «التطور العسكري الدراماتيكي» الذي حصل بين سوريا وإسرائيل صباح 10/2، وذلك بعدما بدا جلياً أن دمشق غيّرت قواعد الاشتباك مع تل أبيب، وتصدّت لعدوان إسرائيلي جديد على أراضيها، فأسقطت طائرة «إف 16»، وما أعقب ذلك من تطورات جعلت المنطقة «تحبس أنفاسها قلقاً وخشية من تدحرج الأوضاع نحو حرب إقليمية»، قبل أن تجنح تل أبيب إلى التهدئة والتأكيد على أنها «لا تريد السير في اتّجاه التصعيد إلى حرب شاملة على حدودها الشمالية». وأجرت في سبيل ذلك اتصالات مع موسكو وواشنطن بطلب واضح للتدخل السريع لمنع التدهور، في وقت وجّهت فيه روسيا تحذيراً متعدد الأطراف من «استهداف عسكرييها».

ونقل التلفزيون السوري عن مصدر عسكري قوله: إن «العدو الإسرائيلي نفذ هجوماً على قاعدة عسكرية سورية، مشيراً إلى أن الدفاعات الجوية تصدّت للهجوم وأصابت أكثر من طائرة»، فيما أعلن ناطق عسكري إسرائيلي سقوط مقاتلة من طراز «اف 16»، وهذه هي المرة الأولى، منذ عام 1982، التي تفقد فيها إسرائيل إحدى مقاتلاتها خلال مشاركتها في عدوان على سورية.

مزاعم إسرائيلية

وزعم الجيش الإسرائيلي في بيان أنه هاجم بعد ذلك «12 هدفاً من بينها ثلاث بطاريات للدفاع الجوي السوري وأربعة أهداف إيرانية هي جزء من التجهيزات العسكرية الإيرانية في سورية»، على حدّ قوله. ولاحقاً، أعلنت إسرائيل أن الطائرة من دون طيار التي أسقطتها كانت «إيرانية الصنع» وانطلقت من سورية. لكن طهران سخرت من هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها «كاذبة وسخيفة»، وأكدت أن «وجودها في سورية استشاري لا عسكري»، وأن لدمشق الحقّ في «الدفاع عن نفسها».

كما نفت غرفة عمليات حلفاء سورية إرسال الطائرة، ووصف هذه الاتهامات بأنها «أكاذيب»، مضيفة أن «أيّ اعتداء جديد سيشهد رداً قاسياً وجدياً». وكشفت أن القصف الاسرائيلي استهدف «محطة طائرات مسيرة في مطار تيفور في ريف حمص الشرقي، تعمل على جمع المعلومات في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها داعش».

وقد اعتبر أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني أن إسقاط المقاتلة الإسرائيلية يؤكد أن «أي خطأ ترتكبه إسرائيل في المنطقة لن يبقى من دون رد». ونقل عنه قوله (12/2): إن «إسقاط الطائرة الإسرائيلية من قبل المضادات السورية غيّر معادلة عدم توازن القوى في المنطقة».

كما شدّد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، على أن طهران ستبقي على تواجدها في سورية «من دون شروط»، وقال إن «حضور إيران في سورية سيستمر للدفاع عن جبهة المقاومة وفق التوافق الحاصل بين إيران وسورية». وأضاف: «نحن لا نقبل الشروط الخارجية كموضوع قوتنا الدفاعية أو تواجدنا في المنطقة». واعتبر إسقاط المقاتلة الإسرائيلية «منعطفاً في الصراع مع إسرائيل»، محذراً من «أي اعتداء على سورية سيواجه بالردّ، فهذا حق لسورية».

أما «حزب الله»، فرأى في بيان أن في إسقاط المقاتلة الإسرائيلية «بداية مرحلة استراتيجية جديدة تضع حداً لاستباحة الأجواء والأراضي السورية»، معتبراً أن هذه التطورات «تعني في شكل قاطع سقوط المعادلات القديمة».

وفي هذا الصدد، رأى محللون أن الحديث الإسرائيلي عن إيران كطرف في هذه المعركة، وتصوير ما جرى بأنه «تصعيدٌ أو مواجهة إسرائيلية ـ إيرانية على الأراضي وفي الأجواء السورية، يندرج في إطار التهويل الإسرائيلي من النفوذ والقدرات الإيرانية في سوريا وفي المنطقة عموماً»، من أجل «كسب التعاطف والتأييد الأميركي والخليجي لها»، في إطار الجهود والمحاولات الجارية لتصنيف إيران، وليس إسرائيل، كالعدو الأول لدول المنطقة!.

ويندرج في هذا الإطار، اتهام أكثر من مسؤول إسرائيلي لإيران والقول بأنها «تعمل على إقامة قاعدة متقدمة في سوريا، وهو ما لن تسمح به إسرائيل لأنه يمثل تهديداً»، والتحذير من ثمّ بأن «المعركة على الحدود الشمالية قد تتحول إلى حرب حقيقية في أي لحظة».

 

 

دعوة روسية لـ«ضبط النفس»   

وفي ظل هذا التصعيد، دعت موسكو جميع الاطراف في سورية الى «ضَبط النفس وتجنب جميع الاعمال التي من شأنها أن تؤدي الى تعقيد أكبر للوضع». وأعربت الخارجية الروسية في بيان، عن «قلقها الشديد» إزاء الغارات الاسرائيلية على مواقع عسكرية في سورية وتنامي التوتر إثر إسقاط مقاتلة اسرائيلية. وشدّدت على «ضرورة الاحترام الكامل لسيادة وسلامة أراضي سورية وغيرها من دول المنطقة»، مضيفة أنه «من غير المقبول على الإطلاق خلق تهديدات على حياة وأمن العسكريين الروس المتواجدين في سورية تلبية لدعوة من حكومتها الشرعية من أجل مساعدتها في الحرب ضد الإرهابيين».

تغيير «قواعد اللعبة» والموقف الأميركي

وعلى العموم فقد كشفت التطورات الأخيرة، بعد إسقاط طائرة الـF16 الإسرائيلية، أنّ المنطقة مقبلة على أجواء أكثر تلبداً وتصعيداً، وأن التفاهمات الدولية بخصوص إنهاء ملف الأزمة السورية باتت على كفّ عفريت، وربما هي في طريقها إلى السقوط، لتبدأ مرحلة جديدة من عمر هذه الأزمة؟. واتفق كثير من المحللين على اعتبار أنّ المواجهة الأخيرة تشكل «مفترقاً هاماً ستتحدّد وفقه مجموعة من المواقف والخطط والاستراتيجيات لكافة الفرقاء المعنيين في الصراع على سوريا».

ورأت مصادر غربية أن المواجهة الإسرائيلية السورية التي اندلعت «تعبر عن حقبة راهنة انهارت فيها جميع التفاهمات التي قامت بين العواصم المعنية بشأن سوريا منذ بدء الصراع عام 2011». وأضافت أن الحدث يمثل حالة «انفجار عرضي قد يقود إلى انفجار واسع إذا ما عجزت القوى الدولية والإقليمية عن اجتراح حلول، ولو مؤقتة، للحد من تدهور الوضع العسكري بالشكل المتصاعد الخطير في الأسابيع الأخيرة».

وأوضحت المصادر أن إعلان وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون قبل أسابيع عن استراتيجية أميركية جديدة في سوريا، تتضمن بقاء القوات الأميركية داخل هذا البلد، قد «أخلّ بالتوازنات التي أرساها اتفاق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الأميركي باراك أوباما في أيلول/ سبتمبر 2015، قبل ساعات من بدء الانخراط العسكري الروسي المباشر في سوريا».

وحسب هذه المصادر، فإن واشنطن تأتي لـ«تفرض نفسها شريكاً كبيرا داخل الميدان السوري، سواء من خلال تواجدها العسكري المباشر شرق الفرات، بما في ذلك إقامة 8 قواعد عسكرية لها فوق الأراضي السورية، أو من خلال دعمها لعملية جنيف كمدخل وحيد لأي حلّ سياسي للأزمة السورية، مع تجاهلها لمساري أستانا وسوتشي ومخرجاتهما، مستندة في ذلك إلى دعم وتأييد عدد من شركائها في الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية الحليفة لها».

وقد أعربت واشنطن عقب الغارات الإسرائيلية عن «دعمها القوي لحق إسرائيل السيادي في الدفاع عن نفسها»، حسب بيان صادر عن الخارجية الأميركية، أشار كذلك إلى ما أسماه «مشاريع إيران ومساعيها التي تهدد السلام والاستقرار في المنطقة»!.

وأكدت المصادر أن واشنطن «ليست في الوقت الحاضر بوارد تشجيع اندلاع حرب كبرى على الحدود الشمالية لإسرائيل»، لكن المصادر نفسها لفتت إلى أن «هذا الاحتمال يبقى وارداً وقد يكون ضرورياً في مراحل لاحقة»!.

وفي سياق ذلك، أو رداً عليه، قدرت مصادر روسية أن «الرد السوري على الغارات الإسرائيلية استفاد من غض طرف روسي يُسقط تفاهمات بين موسكو وتل أبيب تم التأسيس عليها، قبل مباشرة موسكو عملياتها في سوريا». وقالت المصادر إن «احترام تلك التفاهمات بات يحتاج إلى تحديثات جديدة في ضوء التطورات العسكرية والميدانية والجيوـ ستراتيجية التي استجدّت من خلال الحضور العسكري الأميركي في سوريا»؟!.

 

 

«الجبهة الديمقراطية» تدين العدوان الإسرائيلي المتكرّر على سوريا

أدانت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الأعمال العدوانية الإسرائيلية على أرض الجمهورية العربية السورية، ورأت فيها انتهاكاً فظاً لسيادة سوريا وللقوانين الدولية ولميثاق الأمم المتحدة.

وأكدت الجبهة في بيان لها (10/2)، على حق سوريا في الدفاع عن سيادتها جواً وبراً وبحراً، معلنة وقوفها إلى جانب الشعب السوري في دفاعه عن أرضه ضد العدوان الإسرائيلي.

كما أدانت الجبهة المحاولات المحمومة للكيان الإسرائيلي لتوتير الأجواء السياسية في المنطقة، ودق طبول الحرب، للتغطية على المشروع الأميركي الإسرائيلي لتصفية المسألة والحقوق الوطنية الفلسطينية، والتغطية على محاولات إدارة ترامب شطب قضيتي القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإعادة صياغة المعادلات الإقليمية.