تشهد مدن وبلدات أردنية عدة تحركات احتجاجية شبه متواصلة، منذ بداية الشهر الجاري، وذلك على خلفية رفع أسعار المواد الغذائية الرئيسية، والزيادات الأخيرة التي تم إقرارها في موازنة العام 2018، التي وصفها بعض المعارضين بميزانية «تجويع الشعب».

وشملت التظاهرات العاصمة الأردنية عمّان، والسلط (شمال غرب العاصمة)، ومدينة الكرك (جنوب)، التي شهدت احتجاجات تواصلت على مدى أيام، ورافقها أعمال شغب حيث قام محتجون بإشعال النيران في إطارات السيارات، وتعرّضت إحدى المؤسسات العسكرية التابعة للجيش بالمدينة إلى حريق.

وجاءت التحركات الاحتجاجية بدعوة من القوى والتيارات اليسارية، وشارك فيها ممثلون عن مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية الفقيرة وذات الدخل المحدود، بما في ذلك آلاف المزارعين الذين تضررت مصالحهم. وحمل المشاركون فيها لافتات كتب عليها «لا لسياسة التجويع»، وأخرى طالبت بإسقاط الموازنة و«حكومة الجباية»، إضافة إلى المطالبة بإسقاط مجلس النواب أيضاً، فضلاً عن التراجع التام عن رفع الأسعار والضرائب. وذلك في وقت يعيش فيه الشارع الأردني حالة من السخط والغضب بسبب موجة الغلاء التي تشهدها البلاد.

ولفت انتباه المراقبين أنّ التحركات الاحتجاجية هذه المرّة، تميّزت بمستوى عالٍ من الغضب والشعور بالاستفزاز، ولم تقتصر على مهاجمة الحكومة والمطالبة برحيلها فقط، بل طالت أيضاً مجلس النواب، حيث تمّ مقاطعة النواب الذين حاولوا التدخل، الأمر الذي مثّل في نظر المراقبين، أنّ هناك امتعاضاً عاماً من أداء كامل النخبة السياسية في البلاد. وقد لاحظ المراقبون أنّ المحتجين لم يظهروا أية رغبة في التحدث مع الحكومة أو النواب، بل في التوجّه بمطالبهم إلى القصر الملكي مباشرة، «أملاً في تدخله وسعياً للإنصاف وكبح جماح الحكومة».

وكان البرلمان أقرّ ميزانية العام 2018 في يوم واحد فقط، في سابقة من نوعها، حيث كان الأمر يأخذ عادة بين أربعة وخمسة أيام، ما اعتبره نشطاء «صفقة بين الجانبين»، وأن البرلمان تخلّى عند دوره الرقابي والتشريعي ليتحوّل إلى أداة في يد السلطة التنفيذية.

شدّ الأحزمة لسدّ عجز الموازنة

وبعد عقود من العلاج بالمسكنّات المخففة، عقدت الحكومة الأردنية عزمها أخيراً، وأظهرت إصراراً غير مسبوق على الذهاب حتى النهاية في إجراءات معالجة الخلل المزمن في توازناتها المالية، فأقرّت سلسلة إجراءات شملت رفع الدعم وزيادة عدد كبير من الضرائب والرسوم، إلى جانب تحرير أسعار السلع الأساسية في السوق المحلية. وذلك على أمل «وقف تضخم الدين العام، وخفض العجز المتفاقم في الموازنة بموجب اتفاق مع صندوق النقد الدولي لإصلاح الاختلالات المالية»، متجاهلة جميع التحذيرات من مخاطر الوطأة القاسية لوقف الدعم الحكومي عن جميع السلع الأساسية والوقود والكهرباء والمياه، دفعة واحدة.

وقالت الحكومة إن الهدف من الإجراءات المتخذة هو سدّ العجز في موازنة العام الجاري، الذي يبلغ 1,75 مليار دولار، والمساهمة كذلك بخفض الدين العام. علماً أنّ الأردن يعاني من أزمة اقتصادية طاحنة منذ سنوات، جرّاء فشل الحكومات المتعاقبة في معالجة الوضع والاقتصار على حلول ترقيعية لم تخرج عن دائرة الإجراءات التقشفية.

وكانت الخطوة الأكبر والأكثر إثارة للجدل هي رفع الدعم عن الخبز، ما أدى إلى رفع أسعاره، بنسب متفاوتة وصلت إلى 100 %. إضافة إلى إقرار زيادات جديدة في أسعار الطاقة، وفرض رسوم إضافية على أسعار الكهرباء والوقود، وضرائب جديدة على العديد من السلع والمواد، وملاحقة المتخلفين عن سداد فواتير المياه، وهو ما سيفاقم الضغوط على إنفاق المستهلكين من مواطنين ومقيمين ولاجئين، وسيزيد في معاناة المواطنين الذين يعانون أصلاً من عبء ووطأة الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتلاحقة.

وجاءت هذه الموجة الحاسمة من الضرائب وخفض الدعم، بعد إجراءات أولية بدأت مطلع العام الماضي، حين فرضت الحكومة ضريبة على استخدام الإنترنت تراوحت بين 8 إلى 16 %، وزيادة الضرائب على خطوط الهواتف النقالة الجديدة. وامتدت زيادات الضرائب والرسوم إلى بعض الأنشطة الصناعية، وشملت رفع الضريبة العامة على مبيعات الحديد من 8 إلى 16 %.

وقد انقسم المتابعون والمعنيون بين من يقول إن «الحكومة مضطرة لفرض العلاجات القاسية لإزالة الترهل والاختلالات المالية الواسعة، ولإعطاء الاقتصاد بداية جديدة»، فيما رأى آخرون أن «حجم الإصلاحات القاسية أكبر من قدرة معظم الشرائح الاجتماعية على الاحتمال»!.

وأوضح محللون وخبراء أنّ «بدل الدعم» المُقرّ من الحكومة، لا يغطي قدراً بسيطاً من الزيادات التي طرأت على الأسعار، مشيرين إلى أن غالبية السلع التي رفعت أسعارها هي الأكثر استخداماً من الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل، فيما تعهدت الحكومة مراراً بعدم المساس بهذه الطبقات.

وفي ضوء ذلك، تصاعدت تحذيرات الأوساط الاقتصادية والسياسية من تداعيات توسيع إجراءات التقشف ووصولها إلى «الخطوط الحمراء» برفع الدعم عن أسعار الخبز، ما يكشف بوضوح عن جسامة الخلل المالي المزمن الذي تعاني منه الدولة، وينذر باضطرابات اجتماعية قادمة لا محالة.

أزمة بنيوية

وقالت الحكومة إنها تسعى من وراء حزمة الضرائب المفروضة إلى تعزيز إيراداتها المالية بمقدار 761 مليون دولار، وخفض الدين العام الذي وصل إلى نحو 37 مليار دولار. وتوقعت نمو الناتج المحلي بنسبة 2,5 % في العام الجاري، غير أن الخبراء يشكّكون في هذا الرقم نظراً لعدم امتلاك السلطات الأدوات الكافية لبلوغه.

وتتركز مشاكل الاقتصاد الأردني في «ضعف الإنتاجية وارتفاع عجز الموازنة والدين العام ومستويات الفقر والبطالة، وهو بحاجة ماسّة إلى تعزيز دور الاستثمار المحلي والأجنبي وتنويع الموارد ومصادر الإيرادات». ويعاني الأردن من قلة الثروات الطبيعية وقلة مصادر المياه والأراضي الزراعية ومصادر الطاقة، ويصل اعتماده على الواردات إلى نحو 90 %.

ويُلخّص الاعتماد الشديد على المنح والمساعدات الخارجية؛ حجم أزمة الاقتصاد الأردني وخاصة في ظل تداعيات الأزمات في الدول المجاورة، حيث لا يمرّ شهر دون الحصول على دعم من الدول الكبرى ودول الخليج.

وقفزت معدلات البطالة في نهاية العام الماضي إلى نحو 18,5 %، مقارنة مع 15,8 % قبل عام، ما يعني أن أزمة البطالة تتفاقم بوتيرة مقلقة.

أين رموز الفساد؟

وعلى رغم أنّ حكومة الملقي حاولت احتواء مضاعفات الأزمة عبر التراجع عن رفع ضريبة الدواء، واتجاهها لاحتواء غضب المزارعين، إلا أنّ كثيراً من المراقبين يرون أنها فقدت المبادرة تماماً، وخصوصاً بعد رفع سعر الخبز إلى الضعف، ما دفع الشارع لطرح تساؤلات محرجة، مثل: أين رموز الفسـاد؟.. ومن أوصـل المديونيـة إلى وضـعها الحـالي؟.

ويرى محللون أنّ المزاج العام في الأردن وصل إلى منحنيات ومنعطفات حرجة جداً، وربما غير معهودة من قبل، على نحو يحتّم التساؤل بشأن الخيارات المحدودة أمام صُنّاع القرار في عمّان إزاء المعضلة المطروحة والحلول التي بوسعهم أن يجترحوها تجاهها؟!.

 

 

 

دور مريب لـ«الإخوان»

 

حاولت جماعة الإخوان، ممثّلة في كتلة الإصلاح داخل مجلس النواب، التبرؤ من الموازنة، رغم أن الكثيرين يرون أنها كانت مساهمة بدرجة كبيرة في تمريرها، حينما قرّرت مقاطعة جلسة التصويت فيما كان حضورها سيحقق الفارق لصالح المعترضين.

واتُهِمَ نوّاب جماعة الإخوان بالتواطؤ مع الحكومة لتمرير الموازنة المثيرة للجدل، والتي تضمّنت العديد من الزيادات ومنها الزيادة في الخبز. وعلى وقع الاحتجاجات، قام نواب الإخوان بالتوقيع على وثيقة حجب الثقة عن حكومة هاني الملقي، الأمر الذي اعتبره مراقبون سعياً إلى الركوب على موجة الأحداث والحد من احتقان الشارع على أداء الجماعة داخل قبة البرلمان.

 

 

 

حزمة شاملة من الضرائب                

ـ تحرير أسعار الخبز

ـ زيادات كبيرة في أسعار الوقود

ـ خفض الدعم لأسعار الكهرباء

ـ زيادات كبيرة في ضريبة المبيعات

ـ شمول سلع جديدة بضريبة المبيعات

ـ زيادة ضرائب المشروبات الغازية

ـ رسوم كبيرة على استيراد السيارات

ـ زيادة رسوم تسجيل السيارات

ـ رسوم جديدة على مبيعات الإنترنت

ـ ضرائب جديدة على مبيعات الهواتف

ـ زيادة رسوم النقل العام والخاص

ـ مضاعفة ضرائب السجائر

ـ زيادة رسوم تصاريح عمل الأجانب