لا يزيد عدد اللاجئين الفلسطينيين حالياً عن 20 إلى 30 ألفاً؛ هم مَنْ تبقى على قيد الحياة من بين نحو 750 ألفاً خرجوا من فلسطين بفعل النكبة في العام 1948. وليس من الطبيعي أن تخصص لهذا العدد القليل وكالة دولية مثل «الأونروا» وينبغي ـ بالتالي ـ أن تحال متابعة أوضاعهم إلى المفوضية الدولية للاجئين أسوة بغيرهم من اللاجئين المنتشرين في أصقاع الأرض.

ما سبق جزء من خلاصات الرؤية الأميركية ـ الإسرائيلية حول قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يزيد عددهم عن 6 ملايين موزعين ما بين فلسطين وجوارها وبلدان الشتات.

وفي سياق تسويق هذه الرؤية، شنت واشنطن وتل أبيب حرباً شعواء على «الأونروا» واعتبرتا وجودها «عقبة كبرى في وجه إحلال السلام». وربما أكثر من عبر عن ذلك بدقة هو الكاتب جورج رومان، مدير«منتدى الشرق الأوسط»، والذي لم يكتفِ بشطب القرارات الأممية ذات الصلة، بل وأحل مكانها التعريف الإسرائيلي ـ الأميركي الخاص للاجئ الفلسطيني، وخلص إلى أن الحديث عن «ضحايا النكبة» قد تجاوزه الزمن.

يستند رومان في مقالته إلى خطاب «حال الأمة» الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي ترامب عزم إدارته إلغاء التعامل مع التعريف الأممي للاجئ، الفلسطيني، الذي يعطي لأولاده وأحفاده صفة اللاجئ وحقوقه. وما كتب رومان هو محاولة لتحويل مواقف ترامب إلى «خطاب مقنع»، لكن الذي خرج به كان مجرد قلب عشوائي للحقائق التاريخية والقانونية والسياسية.

لم تعترف الإدارات الأميركية المتعاقبة بالمضمون التحرري للقضية الفلسطينية، وبالتالي لا تعترف بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، وعلى العكس من ذلك، تسمي الحرب التي شنتها العصابات الصهيونية على الشعب الفلسطيني بـ «حرب الاستقلال»، كما هو تماماً في قاموس المصطلحات الذي تعتمده الدولة العبرية. ولهذا السبب، ليس غريباً أن يشدد رومان على «حق اليهود بتقرير المصير» وينكره على الشعب الفلسطيني. وهذا هو الأساس الذي استند إليه «ترامب» في حربه الشعواء مؤخراً على الحقوق الفلسطينية، وهذا هو أيضاً الأساس الذي انطلق منه رومان في كتابة مقالته التي يدعو فيها إلى شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين ووكالة غوثهم، ومن يقرأ مقالته (ص 11 من هذا العدد) يدرك أن الهدف الرئيس منها هو محاولة فرض فك الارتباط بين قرار تأسيس الأونروا في العام 1949، بالقرار 194 الذي صدر قبل ذلك بعام ويدعو إلى السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم وتعويضهم عما جرى لهم بفعل النكبة. ودون الارتباط بين القرارين تفقد قضية اللاجئين سمتها كجوهر للقضية الفلسطينية، وتتحول بالتالي إلى «مسألة انسانية»، ولهذا السبب تتحدث واشنطن وتل أبيب عن «حل إنساني» لهذه القضية؛ ويعمل الكاتب رومان على تسويق هذا الخطاب.

واللافت أن الإجراء الأميركي بحجب قسم من مساهمة واشنطن في ميزانية الأونروا يترافق مع عروض مالية باذخة في حال وافق اللاجئين الفلسطينيون على توطينهم، لذلك يدعو رومان في مقالته إلى تحويل الأموال إلى حل قضايا اللاجئين «الإنسانية» بعيداً عن حق عودتهم وارتباطهم بالنكبة وتداعياتها؛ باعتبارهم ضحاياها؛ وضحايا التواطؤ الدولي الذي أدى إلى وقوعها.

وبحسب السيناريو الأميركي حالياً، فإن إزاحة قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتقزيمها إلى مشكلة بضعة آلاف وكذلك إزاحة قضية القدس عن عملية التفاوض إن وقعت، تأتيان في سياق الآليات المعلنة لتطبيق الخطة الأميركية المسماة «صفقة القرن»، وإطلاق مسار الحل الإقليمي عبر الترتيبات الأميركية في المنطقة وبالتوافق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. ولإطلاق هذا المسار تصعد واشنطن من تهديداتها على جميع دول المنطقة العربية المستهدفة بهذا الحل.

ويلاحظ المراقبون أن ما تطرحه واشنطن وتل أبيب تجاه الأونروا يتكامل مع ما كان طرحه سابقاً غرينبلات المبعوث الأميركي أمام السلطة الفلسطينية من شروط تبدأ بالمطالبة بعدم التحريض على الاحتلال، في حين يتهم رومان في مقالته الأونروا بتحريض اللاجئين الفلسطينيين على التمسك بحق العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، دون الالتفات إلى حقيقة أن اللاجئين متمسكون في هذا الحق بشدة، وليسوا بحاجة إلى تحريض من أية مؤسسة أو وكالة. ومع ذلك، تريد واشنطن وتل أبيب أن تتوجه مناهج التعليم في الأونروا، بالاتجاه المعاكس تحت مسمى تعميم «ثقافة السلام». أي التوقف عن تحميل الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه مسؤولية وقوع النكبة واستمرارها؛ في حين يحيل رومان بسبب استمرار النكبة إلى وصول عدد اللاجئين إلى «رقم مستحيل» كما قال، وبالتالي هذا يجعل من الأونروا «عقبة كبرى أمام السلام» وهو عنوان مقالته المذكورة.

والهدف الأميركي المتمم من شطب مبدأ انتقال صفة اللجوء بالوراثة، هو القطع مع التاريخ، وتجاهل وقوع النكبة بكل آثارها التدميرية على الشعب الفلسطيني، وإعفاء المجتمع الدولي بما فيه الولايات المتحدة من أي مسؤولية عن وقوعها، والتزامه الضغط على إسرائيل وإنزالها عند قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. وتذكيره دولة الاحتلال أن الاعتراف بها في الأمم المتحدة وإكسابها عضويتها كان مشروطاً بتنفيذ إسرائيل تعهدها بالسماح بتطبيق القرار 194 وهو ما حصل عند توقيع «بروتوكول لوزان» قبيل الاعتراف الأممي بها.

بالمقابل، يرى اللاجئون الفلسطينيون أن ما تحاوله واشنطن وتل أبيب هو جزء من سلسلة طويلة تم إفشالها من مشاريع التوطين والترحيل، وإن كانت الهجمة الأميركية ـ الإسرائيلية في أوجها على حقوقهم. ومع ذلك، تؤشر الاحتجاجات الواسعة على قرارات ترامب بشأن القدس والأونروا إلى أن اللاجئين الفلسطينيين سيبقوا متمسكين بحق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم، وهو أمر يحتاج إلى دعم وإسناد، وفي المقدمة من الحالة السياسية الفلسطينية وبخاصة القيادة الرسمية التي يفترض أن تلتفت جدياً إلى عوامل تعزيز الوضع الفلسطيني في مواجهة الهجمة الأميركية ـ الإسرائيلية، والقطع مع الرهان على أي دور أميركي في التسوية عبر الالتزام بقرارات الإجماع الوطني وعلى نحو خاص قرارات المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين.

والسبب الذي يدفع للتشديد على هذه المسألة هو المحاولات الأميركية ـ الإسرائيلية المتواصلة للفصل بين الحقوق الوطنية الفلسطينية ومحاولة مقايضة أحدها بالأخرى، وبخاصة مقايضة كيانية فلسطينية هزيلة بالتنازل عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم.. وهي مقايضة لن تمر..