أذكرُ ذات مساءٍ، حينما كنتُ أسيرُ في جوٍّ عاصفٍ وباردٍ على رصيفِ شارعٍ مُشجّرٍ بأشجارِ التّنّوب، في بلدٍ أحببتها منْ أولِ يومِ خطوتُ فيها.. فأنا أتيتُ ذات زمنٍ ولّى إلى تلك البلد بهدفِ الدّراسة، وخرجتُ في ذاك المساء بثيابٍ خفيفةٍ كعادتي، لكنّني بدأتُ أرتجفُ من شدّةِ البرْدِ، فأسرعتُ بخطواتي لكيْ أتدفّئ من سيْري السريع، فرأتني امرأة كانتْ تسيرُ خلفي، وسبقتْني بخطواتِها السّريعة، ونظرتْ صوبي، وقالتْ لي: يبدو بأنّكَ تشعرُ ببرْدٍ، فقلتُ لها، بلى، لمْ أدر بأنّ الجوَّ هنا متقلّب، كما أنني لا أُحِبّ ارتداءَ الملابس الثقيلة، فسألتني عن حالي بعدما علمت من لكنتي بأنني غريب، ودارَ بيننا حوارٌ عادي، وشعرتُ بأنّني نسيتُ البردِ من حوارها معي، ولم أعد أرتجف من روعة الحوارِ، الذي كان هادئا من كلماتها الرائعة، رغم أنّ الثّلجَ كان حينها يهطل علينا بغزارة، لكنني شعرتُ بدفءٍ من حوارٍ هادئ دار بيننا على الرّصيف، الذي صار أبيض من نُدفِ الثلج، وحينما وصلتُ إلى مدخلِ الدّكّان، وقفت وشكرتُها على حديثها معي في أمور عدة، فابتسمتْ تلك المرأة، وذهبتْ في طريقها، أما أنا فدخلتُ إلى الدّكّان لشراءِ ما أحتاجه من طعامٍ، وبعدما اشتريتُ بعض الأغراض عدتُ أسيرُ وحيدا تحت الثّلجِ بخطواتٍ سريعة، وقلتُ في ذاتي: ما أروع مواساتها لي، فهي علِمتْ بأنني أشعرُ بوحْدة، ولهذا واستني بكلماتٍ طيبة، لكي تخفّف من ضجري..