على الرغم من أن المعبر الوحيد بين مصر وغزة معبر رفح، إلا أن الصلات بين مصر وفلسطين تتجاوز الحدود وتتجذر في مجالات عديدة، سياسية ومجتمعية وفنية.

ثمة مثالان حيويان يعبران بقوة عن حيوية هذه الروابط والصلات في المشهدين الموسيقي والثقافي، إذ يعملان على إحياء الأصول الوطنية المشتركة بين كلا البلدين.

يتمثل النموذج الأول في التعاون بين موسيقييْن ثوريين من فلسطين ومصر، استلهما موسيقى التراث الثوري الفلسطيني المصري. أما النموذج الآخر، فيسلط الضوء على تجربة روائية حديثة تركت وراءها ثروة أدبية تمزج بين الثقافة الفلسطينية والمصرية ونضالهما المشترك، لتقدم من خلال ذلك رؤية فريدة للمقاومة العربية.

إن أحد أبرز الشراكات الموسيقية يتمثل في الأعمال الموسيقية التي تعاون فيها كل من المغنية المصرية مريم صالح والمؤلف الموسيقي الفلسطيني تامر أبو غزالة؛ فقد دمج هذان الموسيقيان ثقافتيهما وخلفيتيهما الموسيقية ليقدما معا إنتاجا فنيا ثوريا فريدا.

يقول تامر أبو غزالة: «لقد أدهشتني مريم صالح بأدائها المفعم بالطاقة والحيوية في أغنيتها (طول الطريق)، وكنت متلهفا لأعرف كيف لها أن تقدم رسالة صريحة ومباشرة تحاكي صراعا حقيقيا من خلال قدراتها الصوتية ذات النبرة الشخصية».

وأبو غزالة مؤلف موسيقي ومغن فلسطيني يعبر عن مشاعره الوطنية من خلال رؤيته الموسيقية الثورية. وقد أشار إلى الموسيقيين الفلسطينيين الذين ألهموه في مسيرته الفنية أيضا، وبخاصة خالد جبران، الموسيقي الفلسطيني الرائد الذي قدم إسهامات مهمة للموسيقى الفلسطينية الأصيلة؛ وهو من علم أبو غزالة العزف على العود.

وأضاف أبو غزالة بأن المغنية الفلسطينية كاميليا جبران تمثل أيقونة موسيقية ملهمة له ولمريم صالح. وكاميليا جبران، مؤسسة فرقة (صابرين)، التي اشتهرت في الثمانينات بتقديمها جملة من الأغاني التي تعيد إنتاج الموسيقى الفلوكلورية بطريقة جديدة. كما أنها تمتلك شغفا كبيرا في تركيزها على تجريب ألوان وتقنيات جديدة في عالم الموسيقى.

بدأت صالح مسيرتها الفنية بتقديم نسخة محدثة لأغاني الشيخ إمام، الأيقونة الثورية العربية المعروف بأغانيه الاجتماعية الساخرة المرتبطة بالطبقات العاملة. وقد ظلت هويتها ورؤيتها الثورية، بالإضافة إلى مهاراتها في الأداء، حاضرة في عملها مع أبو غزالة. وهكذا، فقد توطد التعاون بينهما سعيا إلى شراكة فنية عامرة بالفرح والنضال والعواطف الإنسانية والروحية.

يؤمن أبو غزالة بأن الفنان قادر على الوصول إلى إلهامه ومعرفته الموسيقية بطريقة غير واعية، وأن هذا الإلهام سينعكس في عمله من تلقاء نفسه، وهذا التصور ينطبق على التعاون الموسيقي بين أبو غزالة وصالح.

كان ألبوم «مش بغني»، الذي صدر عام 2012، تحت إشراف أبو غزالة، التعاون الأول بينه ومريم صالح، في حين كان ألبوم «الإخفاء» آخر أعمالهما المشتركة.

لقد ساهمت المرجعيات الموسيقية المختلفة لتامر ومريم في جعل أعمالهما تقدم إعادة إنتاج موسيقية مبتكرة وخاصة.

أضاف أبو غزالة القول إن ألبومهما الأخير، «الإخفاء»، المثير للجدل، يهدف إلى استكشاف ثقافة الغناء الشعبي، وهذا ما أتاح له، ولصالح، وللموسيقي المصري الآخر، موريس لوقا، تقديم صورة حية لحالة الشوارع المصرية الراهنة المزدحمة، من خلال كلمات أغانٍ مختلفة ومتعارضة، تتناول الصراعات الإنسانية الداخلية المعقدة.

يرى أبو غزالة أن الفن الحقيقي يجب أن يعكس واقع المجتمع، إلا أن الصراع العربي الإسرائيلي لا يتمظهر في الموسيقى فقط، بل في العديد من الأعمال الأدبية، بخاصة أعمال رضوى عاشور، الكاتبة المصرية والأيقونة الأدبية البارزة، التي حلت ذكرى رحيلها في مطلع كانون الأول (ديسمبر).

على الرغم من كونها مصرية تماما، فإن الكاتبة المشهورة فلسطينية القلب والهوى، إذ نقلت لنا رواياتها خلطة من الواقع والخيال التاريخي بشغف، تقوم على مبدأ مقاومة القمع والاضطهاد؛ وهو مبدأ يشترك الفلسطينيون والمصريون في حمله ومعايشته. ومن بين أعمال عاشور الكثيرة، فإن روايتي «فرج» و«الطنطورية» تركزان على الصراعات في كلا البلدين.

في «الطنطورية»، تندد عاشور بالعنف الإسرائيلي وتدافع بإخلاص حاسم عن القضية الفلسطينية، كما لو أنها من أصول فلسطينية. يظهر موقفها المدافع هذا من خلال قصة صراع المرأة الفلسطينية التي وُلدت في قرية فلسطينية تُدعى «الطنطورة»، وتسلط الرواية الضوء على المذابح في مخيمات الفلسطينيين في لبنان، صبرا وشاتيلا.

يظهر هذا المفهوم كذلك في رواية عاشور، «فرج»، والتي تقدم فيها سلسلة من الأحداث الدرامية المؤثرة التي تدور خلال حكم الرئيسين المصريين السابقين، جمال عبد الناصر وأنور السادات.

تزوجت رضوى عاشور من الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، وأنجبا الشاعر الفلسطيني/ المصري الشهير، تميم البرغوثي، وقد استلهم البرغوثي في أعماله الأدبية توجه عائلته الفلسطيني.

على طول التاريخ، كان المشهد الفني قادرا على تصوير الصلات والروابط الثقافية والفنية بين فلسطين ومصر، وهو ما يظهر بوضوح في إنتاجات الساحة الفنية من الأعمال الأصيلة التي تستلهم كلتا الثقافتين.

 

 

 

الكلمة الرمز: فلسطين في معرض رقميّ

 

تستضيف دار النمر للفنّ والثقافة أعمال «الكلمة الرمز: فلسطين»، معرض لبعض الأعمال الفنّيّة التي تبرّعت بها مجموعة فنّانين عرب وعالميّين لمؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة. سيتبع افتتاح المعرض مزاد صامت وعلنيّ يوم الجمعة، 2 آذار (مارس)، 2018، يُرصد ريعه لصالح مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة.

إنّ جلب أكثر من سبعين عملًا تبرّع بها فنّانون وجامعو أعمال فنّيّة مرموقون، إنّما يشهد على القوّة المستمرّة للتضامن عابر الحدود مع فلسطين، وما يجعل نماذج كهذه من التضامن الفنّيّ مؤثّرة بصورة خاصّة، أنّها تذكّرنا بقدرة الفنّ على العمل بما يتعدّى آليّة السوق الفّنيّة. وكما يدلّ عنوان المعرض، فإنّ ما يجمع هذه الأعمال الدعم المتوثّب لبقاء واستمرار المؤسّسات الثقافيّة الفلسطينيّة. ولا يدور الحديث هنا عن الدعم الماليّ فقط؛ فدعم فلسطين يعني الانخراط في نضال عالميّ ضد الظلم والاستعمار، ويتضمّن تقوية الشبكات المؤسّساتيّة أيضا، التي تتيح إمكانيّات التغيير السوسيو-سياسيّ وتطوّر اقتصادات معرفيّة جديدة تسعى لتحدّي نظام الاحتلال المكانيّ. وهنا، يجعل اقتصاد التضامن بقيادة الجماعة الثقافيّة الفلسطينيّة من «الكلمة الرمز: فلسطين»، مناسبة مرموقة يتوجّب الاحتفال بها وأخذها بجدّية، بصفتها جزءا من تاريخ الفّن الفلسطينيّ الجماعيّ والمقاوم.

بالإمكان عَدّ هذا الحدث ـ بحسب المنظّمين للمعرض ـ فصلا ثانيا للمعرض الفنّيّ الدوليّ تضامنا مع فلسطين، الذي نُظّم في بيروت خلال الحرب، على الرغم من اختلاف السياق عن سنة 1978، حيث كان من المفترض أن يشكّل أكثر من مئتي عمل فنّيّ نواة لمتحف فلسطينيّ في فلسطين، إلّا أنّ انخراط الفنّانين الناشطين يجعل الحدثين على نهج واحد.

ومنذ تأسيس مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة في بيروت سنة 1963، عملت بلا كلل على تثقيف ومخاطبة جماهير جديدة، ووسّعت مكاتبها في رام الله (مؤسّسة دراسات القدس) وفي واشنطن، دي سي، وهي المكاتب التي أوجدت شبكة مؤسّساتيّة تؤدّي دورا بارزا في المحافظة على الإنتاج المعرفيّ المتعلّق بفلسطين والاحتفال به. وعليه، بغية تأمين استمرار اقتصاد معرفيّ أخلاقيّ ومقاوم ومعاد للاستعمار، فإنّ بقاء مؤسّسات مثل مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، وغيرها من العاملة في المجال نفسه، أمر يتوجّب احتضانه والدفاع عنه.