وأخيراً، عقدت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير اجتماعها الأول، بعد حوالي شهرين كاملين، لصدور قرار الرئيس ترامب الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها، وبعد حوالي ثلاثة أسابيع لإنعقاد المجلس المركزي الفلسطيني وصدور قراراته بشأن قضية القدس وتطورات المسألة الفلسطينية، أحالها إلى اللجنة التنفيذية للعمل على تطبيقها. (اتخذ ترامب قراره في 6/12/2017، وصدرت قرارات المجلس المركزي في 15/1/2018، واجتمعت اللجنة التنفيذية في 3/2/2018).

 

 

اتجاهان .. ورأيان.. وسياستان

 

 

الرأي الأول: قرارات وإجراءات وقوانين نافذة

 

تقول المصادر التي أطلعت على وقائع اجتماع اللجنة التنفيذية، إنه برز في سياق النقاش، رأيان، يمثلان اتجاهين مختلفين، ويعبران عن سياستين مختلفتين.

• الرأي الأول، يقول إن المؤسسة الوطنية الفلسطينية، كالمجلس المركزي واللجنة التنفيذية، تأخرت أكثر مما يجب في إدارة المعركة التي فتحتها قرارات الإدارة الأميركية، إن بما يتعلق بالقدس، أو وكالة غوث اللاجئين، أو حق العودة، أو الاستيطان، أو الهجمة العدوانية التي لم تتوقف، لا على لسان ترامب، ولا على لسان نائبه مايك بنس، أو مبعوثه إلى المنطقة جيسون غرينبلات وهي كلها تدخل في باب التمهيد لإطلاق «صفقة العصر»، لتصفية القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية. تعتمد الولايات المتحدة سياسة شيطنة الحالة الفلسطينية، فتتهم بعض مسؤولي الفصائل الفلسطينية بالإرهاب، كما تتهم الحالة الفلسطينية كلها بأنها هي التي تعطل المفاوضات، وتعطل الوصول إلى تسوية مقبولة، وتفبرك في هذا السياق أساطير وخرافات لتأكيد صحة مواقفها لصالح الاحتلال الإسرائيلي والمشروع الصهيوني.

ويضيف أصحاب هذا الراي أن الحراك الدبلوماسي الذي قامت به القيادة الرسمية الفلسطينية، كان مطلوباً، لكنه لم يستند إلى سياسة فلسطينية جديدة، وقرارات عملية ترد بها الحالة الفلسطينية على السياسات الأميركية، والإسرائيلية، وتقنع الرأي العام، العربي والدولي، بجدية الموقف الفلسطيني، وتضع الجميع أمام مسؤولياته، وبحيث تبني الأطراف العربية والدولية مواقفها على ضوء الموقف الفلسطيني الجديد، وعلى ضوء السياسة الفلسطينية الجديدة، التي كان يفترض أن تتسم بالحسم، وأن تتسم بالوضوح الكامل، من كل الصيغة السابقة للعملية التفاوضية، بأسسها، ومرجعيتها، وآلياتها، ورعايتها، وليس الاكتفاء فقط بالقول إن الولايات المتحدة لم تعد وسيطاً نزيهاً. فالمشكلة، برأي هذا الفريق، – وتمثل الجبهة الديمقراطية أحد أقطابه – لم تكن تنحصر في مسألة «الوسيط»، هل كان نزيهاً، أو لا. بل تطال العملية التفاوضية بكل عناصرها، والتي دامت حوالي ربع قرن، لم تنتج على الجانب الفلسطيني سوى الكوارث، بينما وفرت الزمن الضروري والغطاء السياسي لمشاريع الإحتلال لتفرض نفسها، في الميدان، وعلى أرض الواقع.

وأكد، أصحاب هذا الرأي، أنه لم يعد هناك أي مبرر لإضاعة المزيد من الوقت ، ولم يعد يجدي الوقوف عند حدود التنديد والاستنكار والشجب، ومناشدة المجتمع الدولي التحرك لصالح القضية الفلسطينية. فالمجتمع الدولي، لن يبادر من تلقاء نفسه للتحرك في خدمة القضية الفلسطينية إذا لم يتحرك أصحاب القضية أنفسهم. وما سمعته القيادة الرسمية الفلسطينية من كلام في العواصم العربية التي زارتها، أو الإقليمية، أو الأوروبية، يفيد أن هذه الدول لن تتجاوز حدود الموقف الأميركي. وتعتقد هذه الدول أنها قدمت ما عليها، حين عارضت قرار ترامب الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وكما أكد أصحاب هذا الرأي أن هذه الدول لن تزيح من طريق المسيرة الوطنية العوائق والألغام إذا لم يزلها الفلسطينيون أنفسهم.

لذلك دعا أصحاب هذا الرأي، الى إتباع سياسة عملية، عبر اتخاذ قرارات تنفيذية، تنقل قرارات المجلس التشريعي من حيز الشعار إلى حيز التطبيق العملي، والرد على السياستين الأميركية والإسرائيلية، بخلق وقائع ميدانية لصالح المشروع الإسرائيلي، وبخلق وقائع ميدانية مضادة لصالح المشروع الوطني والنضالي الفلسطيني. وفي هذا السياق دعا أصحاب هذا الرأي الى الإعلان فوراً عن «تعليق» إعتراف م.ت.ف، بإسرائيل، عملاً بقرار المجلس المركزي الى أن تعترف هي بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، على حدود 4 حزيران 67، وحل قضية اللاجئين بموجب القرار 194، كذلك دعوا الى المباشرة فوراً بالعمل بالملفات السياسية التي تؤكد مصداقية الموقف الفلسطيني ومنها:

• الإعلان رسمياً عن فك الارتباط باتفاق أوسلو.

• الشروع في طلب العضوية العاملة لدولة فلسطيني في الأمم المتحدة.

• الشروع في الدعوة لمؤتمر دولي للمسألة الفلسطينية تحت رعاية الأمم المتحدة والدول الخمس دائمة العضوية، وبمرجعية قرارات الشرعية الدولية، بحيث يتم إغلاق الطريق أمام الرهانات على صيغ أخرى، قد تعيد الولايات المتحدة الى دورها النافذ في رعاية عملية تفاوضية، وقد تستعيد الصيغ العقيمة التي إنتهت مع قرار ترامب  بشأن القدس.

• الشروع في رفع الشكاوى الى محكمة الجنايات الدولية، بشأن جرائم الحرب الإسرائيلية، ومطالبة المحكمة باستدعاء المسؤولين الإسرائيليين عن هذه الجرائم الى القضاء الدولي، بما يرفع الغطاء السياسي عن الإحتلال ويعمق عزلة إسرائيل وإلى جانبها الولايات المتحدة، ويضع الاتهامات بالإرهاب وبارتكاب جرائم الحرب في نصابها الصحيح.

• الشروع في وقف التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال والعمل على تحرير سجل السكان وسجل الأراضي من قبضة الإدارة المدنية الإسرائيلية.

• تشكيل المرجعية الوطنية الموحدة لمدينة القدس وتسليحها بكل عناصر الصمود السياسي والمعنوي والمالي، لإدارة معركة أبناء القدس ضد سياسات الحصار والاحتلال والتهويد الإسرائيلي.

وبناء عليه، واستنادا الى اقتراحات أخرى، قدم عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية وممثلها في اللجنة التنفيذية، تيسير خالد، مشروع بيان يحمل هذه القرارات، لتتبناها اللجنة التنفيذية بإعتبارها قرارات نافذة، بما في ذلك الطلب الى حكومة السلطة الفلسطينية الشروع في إدارة الملفات المعنية بها على ضوء قرارات المجلس المركزي، كفك الإرتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، والتحرر من قيود بروتوكول باريس الاقتصادي، ووقف العمالة الفلسطينية في المستوطنات الإسرائيلية، ومقاطعة تامة لمنتجات المستوطنات وتحريم استعمالها، والشروع بمقاطعة البضائع الإسرائيلية وتوفير بدائلها المحلية أو المستوردة.

 

 

الرأي الثاني: السياسة الإنتظارية

 

قوة الخطاب السياسي، وما حملته من إتجاهات عمل، كما قدمتها مداخلات أصحاب الرأي الأول، ومسودة البيان الختامي، (التي تقدم بها تيسير خالد)، تنبع، أولاً، من كونها تحمل رداً ثورياً وواقعياً على السياستين الأميركية والإسرائيلية. وثانياً، من كونها باتت تمثل الرأي العام الفلسطيني، في المحافل الدولية، بعد أن شقت طريقها إلى العقل السياسي الفلسطيني في طرح البدائل لسياسات أوسلو. وثالثاً، كونها تستند إلى قرارات المجلس المركزي في دورتيه في 5/3/2015، و15/1/2018. ورابعاً وأخيراً، كون الرأي الأخر، لا يحمل ولا تتوفر لديه سياسات بديلة ترتقي إلى مستوى قرارات المجلس المركزي وإلى مستوى ما قدمه أصحاب الرأي الأول. فضلاً عن الإحساس بأن الشارع الفلسطيني، وها هي انتفاضته تختم شهرها الثاني، وتدخل أسبوعها التاسع، يترقب قرارات القيادة الرسمية، التي جالت في العواصم العربية والإقليمية والدولية، ولم تأت سوى ببيانات التأييد اللفظية، التي لم يتحول أي منها إلى قرار نافذ، بما في ذلك سحب سفراء الدول العربية والمسلمة من إسرئيل، وإغلاق البعثات الإسرائيلية في هذه الدول حيث وجدت، أو حتى وقف التطبيع مع إسرائيل، ومقاطعة غواتيمالا، سياسياً، واقتصاديا، رداً على قرارها نقل سفارتها إلى القدس، فضلاً عن غياب أي موقف أي موقف عربي من الدول التي صوتت، إلى جانب الولايات المتحدة، وإسرائيل، في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن مسألة القدس.

لذلك لجأ أصحاب الرأي الآخر، وهو الذي يمثل رأي القيادة الرسمية الفلسطينية، إلى موقف يدعو «للتعمق في دراسة» ما تقدم، عبر إحالته إلى اللجان المختصة. وهو الأسلوب نفسه الذي تعتمده القيادة الرسمية، في إدارتها للشأن العام، كلما أرادت التهرب من مجابهة الاستحقاقات، فتحيل الأمر إلى «لجان عليا»، ولجان سياسية ولجان أمنية وغيرها. في رهان على أن الزمن، وأن تطور الأوضاع، من شأنهما أن يغيبا هذه اللجان في عالم النسيان.

لكن، وكما أوضحت المصادر، أدخلت القيادة الرسمية على مسودة البيان الختامي، تعديلات «جوهرية بذريعة» إزالة الألغام، الواردة فيه. من هذه التعديلات:

• أعادت العبارة التي تدعو الولايات المتحدة وإدارة ترامب «للتراجع عن قرارها المتعلق بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل»، في إشارة واضحة، لا تريد القطع النهائي مع الولايات المتحدة، وتريد بالمقابل إبقاء الرهان على إمكانية عودة ترامب عن قراره قائماً، للإبقاء على الاتصالات مع الإدارة الأميركية والتي لم تنقطع حتى الآن.

• الحديث عن «فك الارتباط مع الاحتلال»، وليس فك الارتباط مع اتفاقات أوسلو، كما هو وارد في قرارات المجلس المركزي. ولا داعي للشرح مطولاً، لتبيان الفارق الكبير، بين العبارتين، وما تعنيانه سياسياً وقانونياً.

• الحديث عن «تحديد العلاقات الأمنية مع الجانب الإسرائيلي» بدلاً من وقف التنسيق الأمني كما هو وارد في قرارات المجلس المركزي في 5/3/2015 و15/1/2018.

 

 

 

في توضيح ما جرى

 

• تقول المصادر إن القيادة الرسمية الفلسطينية استندت في تعديلاتها لما جاء في البيان الختامي، إلى ما يسمى «بالأكثرية العددية»، المنحازة لها، والتي شكلت على أساسها اللجنة التنفيذية منذ لحظة إعادة إنتخابها. وهي «أكثرية عددية» لا تعكس «الأكثرية السياسية» كما يمثلها الشارع الفلسطيني وقواه السياسية. وهي المناورة ذاتها التي لجأت إليها في نهاية أعمال المجلس المركزي جين لجأت إلى «الأكثرية العددية»، مستندة إلى الصيغة المحتلة لتشكيل المجلس المركزي (كما هي الصيغة المختلة لتشكيل اللجنة التنفيذية) إذ لوحظ، على سبيل المثال أن أربعة فصائل تحفظت على بيان المجلس المركزي وقراراته، وهي الجبهتان الديمقراطية والشعبية، وحركة المبادرة، وحركة فدا. وبالتالي، هذه «أغلبية سياسية»،  لكنها ليست «أغلبية عددية»، خاصة وأن العضوية في المجلس ليست متساوية في الوزن. ففصيل رئيسي في م.ت.ف، يمثله عضوان (على سبيل المثال) تتوازى عضويتهما، مع ما يمثلان، مع عضوية إثنين من المستقلين. ولا يساق هذا الكلام، للتقليل من وزن «المستقل»، لكن للتأكيد أن الصيغة التي تشكلت بها المؤسسات، خارج نظام الانتخابات الديمقراطية، كانت صيغة هدفها ضمان هيمنة القيادة الرسمية عبر «الأكثرية العددية»، وفرضها بديلاً للتوافق أو الإجماع، أو حتى «الأكثرية السياسية». وهذا ما حصل في اللجنة التنفيذية حين لجأت القيادة الرسمية إلى ضمان «الأغلبية العددية» إلى جانبها لإدخال التعديلات على البيان الختامي، بالاتجاه التنازلي. هذا أولاً.

• ثانياً: لا تخفي القيادة الرسمية ميلها إلى إتباع سياسة إنتظارية، ومتابعة ما سوف تشهده القضية من تطورات، دون «التسرع» باتخاذ مواقف، قد تحمل في طياتها «استحقاقات كبرى». فهناك الرهان على زيارة رئيس السلطة الفلسطينية إلى موسكو، (12/2/2018) لاستطلاع آفاق الموقف الروسي، وإمكانية الرهان على دور موسكو، بعدما فشل الرهان على دور أوروبي بديل للولايات المتحدة. وهناك الكلمة المرتقبة لرئيس السلطة الفلسطينية في مجلس الأمن (20/2/2018) والتي لا يرغب رئيس السلطة أن تكون «مكبلة» بقرارات «مسبقة» من اللجنة التنفيذية، تقطع عليه طريق المناورة و«تدوير الزوايا»، وعدم قطع الصلة نهائياً مع الولايات المتحدة.

• ثالثاً: والأهم من هذا كله، أن القيادة الرسمية الفلسطينية تبلغت رسمياً، من أكثر من عاصمة عربية، أن الأميركيين مصرون على طرح «حلهم» لقضية المنطقة، وأنهم بصدد التحضير للحل، لن يكون سيئاً بالدرجة التي تتناولها الصحف ووسائل الإعلام. بل سيترك الباب مفتوحاً «لحل ما» لقضية القدس، بإدراجها على جدول أعمال المفاوضات «لرسم حدود العاصمة الفلسطينية» و«حدود العاصمة الإسرائيلية». كما أن الحل لن يفرض على الجانب الفلسطيني الاعتراف «بيهودية الدولة» الإسرائيلية، وإن كان، في الوقت نفسه، سيشطب حق العودة ، لصالح الحلول البديلة. وقد مهد لذلك بموقفه من وكالة الغوث. كذلك سيطرح الحل إقتراحات يقدم «كيانية» فلسطينية، لقطع الطريق على «حل الدولة الواحدة» الذي من شأنه، حسب ما قالته هذه العواصم، أن يلغي يهودية إسرائيل. وبالتالي نصحت هذه الدول العربية القيادة الرسمية بالتروي والتمهل، وأوضحت لها أن أية محاولة لإرتكاب «حماقة فلسطينية»، ستجد القيادة الرسمية نفسها وحيدة بلا سند عربي فاعل. عملاً بهذه «النصيحة»، يقول المراقبون، التفت القيادة الرسمية الفلسطينية على قرارات المجلس المركزي، وعلى الدور القيادي المنوط باللجنة التنفيذية، وأحالت قرارات المجلس إلى «لجنة عليا» وإلى حكومة السلطة لتتولى، كل منها، وفقاً لإختصاصها، دراسة القرارات، وتقديم الاقتراحات بشأن تطبيقها. ما أبقى السياسة الرسمية الفلسطينية تعيش الحالة الإنتظارية، بينما يواصل الجانبان الإسرائيلي والأميركي تقدمهما على جبهة تدمير المصالح الوطنية الفلسطينية، وتمهيد المسرح «لصفقة القرن» عبر فرض وقائع ميدانية على الأرض، من جانب واحد.



 

من هي «اللجنة العليا»؟

 

تشكلت اللجنة العليا، كما أكدت المصادر الفلسطينية، «لدراسة قرارات المجلس المركزي، ورسم خطة لتنفيذها»، من صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية (رئيساً للجنة) وتيسير خالد (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) وأحمد مجدلاني (جبهة النضال) وصالح رأفت (فدا) وواصل أبو يوسف (العضو المراقب وأمين سر جبهة التحرير الفلسطينية). تعقد اللجنة إجماعها برئاسة صائب عريقات، وفي حال تغيبه، يترأس الإجتماعات تيسير خالد.