تعددت جبهات الهجمة الأميركية – الإسرائيلية على حقوق الشعب الفلسطيني بهدف تصفيتها. وفيما تصدرت رؤية إدارة ترامب «الجديدة» لهوية مدينة القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة الاحتلال اهتمامات الرأي العام الإقليمي والدولي وأنتجت إجماعاً على رفضها، فإن الهجوم المشترك الذي تشنه تل أبيب وواشنطن على حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم قد بدأ مع وقوع النكبة.. ولايزال مستمراً.

ومع وقوع هزيمة حزيران في العام 1967، ازدادت الخطورة على حق العودة مع تصاعد الحديث متعدد الجهات عن الفصل ما بين استحقاقات النكبة وتداعيات الاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من الأرض الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية.

ووجدت دعوات الفصل هذه طريقها في أسس وآليات تطبيق اتفاق أوسلو حين تم تغييب القرار الدولي 194 عن أسس التسوية، ونقلت بالتالي قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى مسار تفاوضي آخر وتعطل فور تشكيله.

عجزت واشنطن وتل أبيب عن تحقيق سيناريوهات توطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن لجوئهم أو دفعهم إلى مكان آخر. ومنذ خمسينيات القرن الماضي تعددت مشاريع التوطين مرفقة بوسائل الترهيب والترغيب، ونشطت اتصالات واشنطن وضغوطها على الكثير من حكومات الدول المضيفة كي تساعد في تحقيق تلك المشاريع.

وعندما تشكلت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) بقرار من الأمم المتحدة (1948)، وبدأت عملها في أيار من العام 1950، حرصت واشنطن على أن تكون أكبر المساهمين في ميزانية الوكالة بهدف التأثير على مسار خدماتها باتجاه توجيهه نحو خلق وقائع تؤدي إلى تسهيل عملية التوطين.

النقلة النوعية التي وضعت حداً لتدفق مشاريع التوطين تمثلت بانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وما أدت إليه من نهوض وطني، وتعززت هذه النقلة مع توحيد البرنامج الوطني في إطار منظمة التحرير الائتلافية، والذي جمع ما بين استحقاقات النكبة واستحقاقات هزيمة حزيران، ليتصدر حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم عناوين هذا البرنامج، مع التأكيد على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على أرضه. وبالتالي تم تجسيد حقيقة أن قضية اللاجئين هي جوهر القضية جنباً إلى جنب مع قضية الأرض والممتلكات وعودتهم إليها.

لذلك، عندما أنطلق قطار التسوية بموجب اتفاق أوسلو كان واضحاً أن الخطر الأول من هذا المسار يصيب بالدرجة الأولى اللاجئين، بعدما اتجهت التسوية نحو الحديث عن مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967، وتجاوزت حق اللاجئين، ليس فقط بسبب تغييب القرار 194 وضرورة تطبيقه، بل لأن الجهود الأميركية نشطت بعد توقيع اتفاق أوسلو باتجاه إعادة هيكلة مهام «الأونروا» وتكييف خدماتها نحو التأثير في أوضاع اللاجئين الفلسطينيين ووضعهم أمام خيار التوطين من خلال العديد من المشاريع الاجتماعية والاقتصادية. ورأت واشنطن ومعها تل أبيب أن الفرصة مؤاتية للتقدم في هذا الاتجاه خاصة مع بدء ظهور اتجاه في السلطة الفلسطينية تساوق مع الرغبات الأميركية الإسرائيلية، وتبدى ذلك واضحاً مع ظهور ما سمي «وثيقة البحر الميت» التي وقعها إسرائيليون وفلسطينيون وتضمنت إنهاء عمل الأونروا وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين خارج تطبيق القرار الدولي 194.

عوامل كثيرة أدت إلى عدم تجسيد هذه المحاولات، وأبرزها تمسك اللاجئين الفلسطينيين بحق العودة ورفضهم القاطع لجميع مشاريع التوطين والتهجير. وشهدت تلك الفترة نشاطاً ملحوظاً للمؤسسات والمنظمات الناشطة في إطار الدفاع عن حق العودة ورفض تلك المشاريع.

ومع جمود عملية التسوية، ومن ثم إعلان فشل المفاوضات في جولاتها المتعددة، اتضح أن تل أبيب تعمل على بلورة رزمة من المطالب والشروط تتجاوز مسألة حق عودة اللاجئين، لتركز على موضوعة الدولة الفلسطينية من زاوية تفريغ هذا العنوان من مضمونه من خلال التشديد على ضم الكتل الاستيطانية ورفض البحث في مستقبل القدس الشرقية كعاصمة محتملة لتلك الدولة، وإعلان استمرار السيطرة على مناطق واسعة من الضفة في أية تسوية لاحقة بما فيها منطقة الأغوار، وأعلنت تل أبيب لاحقاً ضرورة أن يعترف المفاوض الفلسطيني بأن حدود إسرائيل تمتد من البحر الأبيض حتى نهر الأردن، إلى جانب اعترافه بيهودية دولة إسرائيل.

ووجدت حكومة نتنياهو في قدوم إدارة ترامب عاملاً حاسماً ساعدها على التغول في اتخاذ قرارات وتشريعات في الكنيست تجسد على نحو غير مسبوق سياساتها التوسعية، وخاصة مع إعلان ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما وجدت في قراره حجب أكثر من نصف المساهمة الأميركية في موازنة الأونروا تأكيداً للتطابق الناشئ ما بين تل أبيب وواشنطن، كما وجدت في طرح عناوين ما سمي «صفقة القرن» الإطار الأمثل للحل الذي تنشده إسرائيل ليس فقط تجاه القضية الفلسطينية، بل تجاه قضايا الإقليم وموقعها الجديد فيه.

الجديد في السياسات الأميركية تجاه الأونروا وقضية اللاجئين الفلسطينيين، وكذلك بشأن الحل عموماً، أن إدارة ترامب انتقلت من سياسة الترغيب والترهيب في التعامل مع الحالتين الفلسطينية والعربية إلى سياسة فرض الخطة الأميركية من خلال تأكيدات غرينبلات أن ما تطرحه الإدارة الأميركية هو للتنفيذ وليس للنقاش أو التفاوض. وسلاحها في ذلك سيف الضغط المالي والابتزاز الأمني والسياسي تجاه الفلسطينيين ودول المنطقة العربية.

يترافق ذلك كله، مع استمرار التراجع والتردد في الحالة الفلسطينية وتراكم الأزمات التي تعانيها، بدءاً من تفاقم الانقسام واستمراره، مروراً بالسياسة الإنتظارية التي تمارسها القيادة الفلسطينية الرسمية التي فيما يبدو لا تزال تراهن على الدور الأميركي في التسوية، بالتناقض مع قرارات المجلس المركزي و«التنفيذية»، وتهربها من استحقاقات هذه القرارات التي تفترض القطع العملي مع أوسلو والعودة إلى البرنامج الوطني التحرري وتدويل القضية الفلسطينية وتفعيل عضوية فلسطين في مؤسسات الأمم المتحدة وبخاصة «الجنائية الدولية» والشروع الفوري بتقديم شكاوى ضد جرائم الاحتلال.

ومع استمرار هذه السياسة، يتعاظم الخطر ليس فقط على مستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق عودتهم، بل على مجمل الحقوق الفلسطينية، على وقع تصاعد المحاولات الأميركية ــــــ الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية برمتها