مطرٌ خفيف ومملّ يرذّ في الخارج، ومنظر يرسل الأسى للمتفرجين، غرفة فسيحة تملأ جوّها صوت الصّمت، خزانة حديدية صدئة، وكتب موضوعة على أرض الغرفةِ يغطيها الغبار الكثيف، ويأتي النور الأبيض المشعّ من لامبة فلورسنت معلّقة في سقفِ الغرفة عليها نزيلا فيبين كم تركت تلك الكتب بلا تنظيف، دمى بلا ملابس على رفوف الخزانة باتت تتغطى هي أيضا بالغبار..

كانت لحظتها جالسة في أحد زوايا الغُرفة على كرسيٍّ هزّاز قديم، تميل للخلف مرة وللأمام مرة أخرى، عساها تلقى استرخائها، ترنو إلى سقف غرفتها، لترمق سقفاً بدا لها رخوا تغطيه بكثافة غيوما مكفهرة من مللٍ صامت ..

في البداية كان الحالُ بالنسبة لها عجيبا، فوِحشتُها كانتْ تضمّها وتستهزئ مِنها، ومن ضجرها القاتل، حتى رأت ذاتها بتول، تنزوي بذاتها استعلاءً، فقالتْ في ذاتها: تُوقِي فكبرياؤكِ سيتلاشى، ثم اقتربتْ منها ببراءة، لحظتها تأجّجَ سعيرُ النّارِ في صوبةِ الحطب المهترئة منذ زمن والموضوعة على مقربةٍ منها، وكأنَّ الصّوبة نطقت لها بقول: توقّفي عن التكبّر، فأنت لست فقيرة الحال والخلق، ولست خاملة؟ ما أروع قولها، تخلّيها تلقى عزيمتها، فتقذفُ بيدها المتعبة مُستعِرة رغباتها من كثرة اتّقاد حنينها، وكم كانتْ طريةً مكان لمسها، ذات حياء، تهاجم نواحي مناماتها وتزحف بهِا ملغزة إلى حيث لا تعلم البتة.

كثيرة هي المفردات، حين تخرج من بطنِ وجودها، وروحٌ معطاءة تذلّها الرّغبات في برْكة عطشتْ من صبوةِ توقها وسريرة..

حادثتها الفرشاة

ثم ذهبتْ مدنفة تلوّن بألوان مختلفة ضحكاتها على رسمِ حبيبها، الذي لم يكتمل بعد على مرسمها، وما أجملَها يا شعرها الأسود الطّري، وإنِّها فزعتْ أن تسرقَ مسكنها وتسكنُ حيّزها، أن تتولّى الكُناسة بلا يقين وبلا دليل.